وكتابه يهديه للتلميذ الذى كان يكره المدرسة فصار وزيراً للتعليم. وعن نفسى لم أعرف من هو هذا التلميذ رغم أننى عصرت ذهنى كثيراً. والكتاب يقوم على فكرة جوهرية يكتبها الكاتب فى مقدمة الكتاب: إذا أردت أن تبنى وطناً فعليك أن تبدأ بالتعليم، وإذا أردت أن تهدمه فلا سبيل أمامك سوى التعليم.
ثم يكتُب: التعليم يمكن أن يكون سبباً فى هدم الأوطان إذا تحوَّل إلى تجهيل، وأسهم فى التكفير، وابتعد عن التفكير، وتركزت مهمته على الحفظ والتلقين، ونسى المتعلم كل ما تعلمه بمجرد مغادرة لجنة الامتحان، ولم يؤثر فى سلوك الطالب، ولم يرتق بالمعلم، وبُنى على الغش واعتمد على التسريب.
التعليم لا يعنى الذهاب للمدرسة وكتابة الواجبات، ودفع المصروفات وحمل حقيبة ثقيلة على الظهر والحصول على الدروس الخصوصية، ذلك أن كلمة التعليم فى اللغة أصلها علم، والعلم هو أثر، فإن لم يكن هناك أثر حقيقى للتعليم فى نفسك وعقلك وشخصيتك فأنت لم تتعلم شيئاً حتى لو حصلت على أعلى الشهادات الدراسية.
الكتاب بمثابة رحلة لتتبع أثر التعليم فى حياة المصريين على مدى قرنين من الزمان، يفتح من خلالها المؤلف محمد توفيق خزانة الأسرار المسكوت عنها بأسلوب يمزج بين التوثيق الأرشيفى الدقيق والسخرية اللاذعة، استناداً لكونه عمل محرراً للتعليم لسنواتٍ عديدة.
يطرح الكتاب العديد من الأسئلة من خارج المنهج، اعتمد المؤلف خلال جولته على العديد من الوثائق؛ حيث استند إلى مراجع تاريخية نادرة فى مكتبة الإسكندرية، وقام بتصفح الميكروفيلم فى دار الكتب، وطالع أوامر ومكاتبات محمد على باشا، ونقَّب فى أرشيف الصحف المصرية على مدار قرنٍ ونصف القرن، وعثر على الوثائق المنسية، وتأمل صور التلاميذ فى الصف الأول من القرن العشرين، ونهض بالتدقيق فى الشهادات الدراسية، وراجع عقود تعيين المدرسين المصريين والأجانب، واصطاد الأوراق القديمة التى تروى حكايات جديدة، وقابل أساتذة وطلابا وخبراء تعليم وأولياء أمور، وأجرى العديد من المغامرات الصحفية.
«ضد المنطق» ليس كتاباً يؤرخ للثانوية العامة أو التعليم بمراحله الدراسية، وإنما يبدو أقرب إلى زيارة جديدة إلى تاريخ مصر الاجتماعى الحديث عبر عدسة مُكبِّرة تكشف أدق التفاصيل وكيف تحول التعليم من أداة للترقى الاجتماعى إلى مهمة ثقيلة على الجميع تدور أحياناً ضد المنطق.
حتى الدروس الخصوصية الوباء الذى يهدد العملية التعليمية كلها تطرَّق لها المؤلف بطريقة جديدة ومن خلال تجارب شخصية، وعاد من أجل أن يكتب هذا الكتاب إلى أراشيف التعليم منذ أن وُجِدت وحتى الآن، والكتب المكتوبة عن التعليم؛ حيث أثبتها فى آخر الكتاب تحت عنوان: كُتب مُلهِمة، لدرجة أن قائمة الكتب هذه كان يكفى أن تُنشر فى كتاب لتُلهِمنا ما يجب أن نعرفه عن حال التعليم فى بلادنا هنا والآن.
إنها رحلة مُقلِقة لى شخصياً لأنى أعتبر أن التعليم هو رهان المصريين على الزمن الآتي، وهو بحثهم عن واقع أفضل لهم. يقول الكاتب إنه أراد أن ينطلق من الحاضر وليس من الماضي. وأن يكون التاريخ سنده، والمستقبل هدفه حتى يجد القارئ نفسه بطلاً رئيسياً فى تلك القضية التى كان المؤلف شاهداً رئيسياً على كثيرٍ من أحداثها. لكن القارئ من حقه أن يترك موقع الشاهد ويجلس على منصة القاضي. أو يلعب دور المحامي. ربما يكون المتهم. وقد يتقمص شخصية وكيل النيابة، يطرح الأسئلة ويبحث عن الأجوبة.
أعترف أن الكتاب مليء بقصاصات الصحف، وفيها حوارات لوزراء التربية والتعليم يتحدثون عن مشروعاتهم للنهوض بالتعليم المصري، ولكن الوزير الذى يَعِد، سرعان ما يترك موقعه ويأتى وزير آخر وبيده أستيكة يمسح ما فعله الوزير السابق عليه.
الكتاب يكتبه كاتب صحفى زميل، يجرى وراء قضاياه بأسرع ما يُمكِن، ويكفى أن فصلاً عنوانه: شُقق مفروشة للغِش، وفصل عنوانه: قبل اختراع الثانوية، وفصل عنوانه: المادة بخمسة جنيه والحسَّابة بتحسب، وفصل يحمل عنوان: بين اللجنة والمخبأ.
إنه كاتب صحفى قضى سنوات من عُمره يبحث فى كل ما يمت بصلة للقضية التى يكتُب عنها، ويستحضر فى آخر كتابه كل الكُتُب التى تناولت موضوعه حتى ولو بصورة غير مباشرة.
إنه كتاب مهم للمعلم ولولى الأمر وقبلهم جميعاً وبعدهم لوزير التربية والتعليم فى مصر الآن.