من خير أرض أسوان المرتوية بفيضان النهر الخالد والشمس فوقها عفية، نبت «عبدالعظيم العطوانى» مثل نخلة عالية، ممتد طرحها ليومنا هذا من خلال بردته التى نسمعها دون كلل أو ملل.
«مولاى صل وسلم دائما أبدا.. على حبيبك خير الخلق كلهم
الله يعلم ما بالقلب من ألم.. ومن غرام بأحشاء ومن سقم
على فراق فريق حل فى الحرم.. فقلت لما همى دمعى بمنسجم
على العقيق عقيقا غير منحسم».
ومن لا يعرف تلك الكلمات فهى جزء من قصيدة «البردة» أو الكواكب الدريَّة فى مدح خير البرية، أحد أشهر القصائد فى مدح النبى محمد صلى الله عليه وسلم، كتبها محمد بن سعيد البوصيرى فى القرن السابع الهجري، لتجد طريق شهرتها على يد الشيخ عبدالعظيم العطواني، وهو ما أكد عليه الشيخ محمد متولى الشعراوى بقوله: «كأن البوصيرى خلق ليكتب «البردة» وكأن «العطواني» خلق لينشدها»، فصارت البردة تعرف بعد البوصيرى بصوت العطواني، وصار العطوانى يعرف بمنشد البردة الأول، ولولا بعده عن العاصمة- القاهرة- بقنواتها وصحافتها، وبقاؤه فى قريته القابعة فوق ضفاف النيل جنوبى مصر، لكان من أشهر المنشدين والمبتهلين فى المحروسة والعالم الإسلامى كله.
ولد الشيخ عبد العظيم أحمد سليم، الشهير بعبدالعظيم العطواني، فى 7 فبراير 1946 بقرية العطواني، وهى إحدى قرى مركز «إدفو» بمحافظة أسوان، لتتحول قريته من منسية إلى أشهر قرى الصعيد، بعدما ارتبط اسمه بها.
وفى نفس العام الذى ولد فيه الشيخ العطواني، ولد عباقرة آخرون، كأنهم ارتوى جميعا فى هذا العام من نيل العطاء، ففى نفس الشهر ولد صاحب نوبل الدكتور أحمد زويل، بينما سبقهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، أحمد الطيب، فى الميلاد بشهر واحد، لتمتد شهور العام- 1946- بمولد الكثير من المبدعين منهم الفنان نور الشريف والمخرج داوود عبد السيد، والكاتب إبراهيم عبد المجيد وغيرهم.
كانت بدايته وعتبته الأولى فى كُتاب القرية الذى دفعه إليه والده ليحفظ كتاب الله عز وجل، والكتاتيب هناك فى قرى الصعيد تمثل المدرسة الأولى، خاصة أن والده كان من كبار المتصوفة فى قريته، إلى أن نجح بعزيمته فى إتمام حفظ القرآن الكريم كاملًا فى سن مبكرة من عمره.
وقرى جنوبى مصر مرتبطة كثيرا بالطرق الصوفية، وهناك الكثير من المريدين فى معظم النجوع، محافظون على العادات والموروثات الشعبية، وبكل تأكيد هذه الصوفية أثرت فى تكوين وشخصية الشيخ العطواني، كما أثرت على الكثير من مشاهير الإنشاد منهم، «ساقى الأرواح»، شيخ المنشدين أحمد التونى، والشيخ طه الفشني، والمنشد الذى اجتمع فى حبه المسيحى قبل المسلم، أحمد برين، كما أثرت تلك الصوفية على كروان الإنشاد الشيخ ياسين التهامي، وأمين الدشناوي، ريحانة المداحين.
ليكمل بعدها «عبد العظيم العطواني» رحلته نحو تعلم أحكام القرآن الكريم، بعدما أظهر لشيخ الكتاب الشيخ عوض الله إمكاناته، لينصحه ويأخذ بيده بأن تكون الغاية هى كتاب الله وأحكام تجويده، منذ أن كان فى الثامنة من عمره.
وحينما كان يدرس فى الكُتاب كان الشيخ يطلب من الصغار أن يختم لقاءه معهم نهاية كل أسبوع بأنشودة دينية، فكان يردد «العطواني» برفقتهم قصيدة «البردة» للإمام البوصيرى بشكل جماعى بعد تلاوة القرآن الكريم، ومنذ أول يوم فى الأسبوع كان ينتظر يوم الخميس بفارغ الصبر كى ينشدها مرة تلو الأخرى، حتى سكنت كلماتها فى وجدانه، لتسيطر على قلبه بشكل كامل، فمكث يرددها بألحان من صنعه، حتى سمعه ذات مرة شيخه يترنم بها، فأنشدها أمامه ومن خلفه بقية الرفقاء، فأعجب به شيخه وقال له: «لقد تملكت منك البردة وتملكت منها، وعشقتها وعشقتك، وامتلأ بها قلبك فخرجت من صوتك وكأنها لم تخرج من صوت أحد قبلك؛ فأنشدنا بها دائما»، ومنذ تلك اللحظة اعتاد على تحقيق مطالب أهل قريته بإنشادها فى مجالس يتم عقدها فى ديوان القرية خاصة فى شهر رمضان.
أثناء رحلته التى بدأها فى دراسته للقرآن تجويدا وأحكاما، ذهب إلى قرية «أصفون» ليكمل تعلمه على يد الشيخ محمد سليم، والشيخ البطيخي، الذى أسس مدرسة خاصة فى قراءة وحفظ كتاب الله، ليتخرج فيها، ويتربى على يده عشرات من كبار المقرئين على رأسهم الشيخان عبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي.
وناحية الشمال من قريته كانت تقع قرية «أصفون» التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر، وهى واحدة من مراكز العلم التى قال عنها «ابن بطوطة»: «دخلت هذه القرية فوجدت فيها الفقه بأحكامه واختلافات مذاهبه، والتفسير بأركانه، والأدب برواياته، والشعر بأوزانه، وأنساب العرب حتى إن الناس وطلاب العلم يأتون من المنيا وأسيوط يأخذون الفتاوى من علماء أصفون وتؤخذ بفتيتهم».
فى «أصفون» كانوا ينشدون البردة بطريقة مختلفة اسمها طريقة «التسبيع البيضاوى»، فحفظها «العطواني» وأنشد بها فى الاحتفالات بعد قراءة القرآن الكريم، كذلك اقتدى فى تجويد وتلاوة القرآن بالقارئ الشيخ محمود حسنين الكلحى والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمد صديق المنشاوى، وعندما كان يذهب لإحياء الحفلات كان يبدأها بقراءة القرآن، وبعدها ينشد «البردة» لأنه فى الأصل قارئ.
وأول من نبهه لفكرة تسجيل البردة على «شرائط كاسيت» كان الشيخ الشعراوى، لتتعاقد معه إحدى الشركات التى احتكرت التسجيل له، وكان بينه وبين الشيخ الشعراوى محبة كبيرة، إذ داوما على الاجتماع كل عام عند الاحتفال بمولد السيدة زينب أو الإمام الحسين، ليستمع الشيخ الشعراوى وأحبابه للبردة من الشيخ العطواني، فيسيل الدمع من عينيه.
بينما نصحه الشيخ الشعراوى بإدخال بعض التغييرات على البردة فى بعض الأبيات، فمنها فى مطلع البردة يقول «البوصيري» «مولاى صلى وسلم دائما أبدا ... على حبيبك خير الخلق كلهم» فنصحه الشعراوى بأن تتغير إلى «مولاى صلى وسلم دائما أبدا ... على المحبين للمختار كلهم»، كما أدخل تعديلا فى الأبيات التى تقول «فاق النبيين فى خَلْق وفى خُلُق.. ولم يدانوه فى علم وفى كرم» ليجعلها: «تاج النبيين فى خَلْقٍ وفى خُلُقٍ.. وهم روافده فى العلم والكرم».
سطع نجم الشيخ العطوانى خارج مصر، وجابت شهرته الآفاق، فحين كان يذهب لقضاء فريضة العمرة أو الحج كان ينشد البردة فى الحجاز، وذكر فى حوار صحفى منشور له أن سائحة أجنبية أسلمت لاستماعها للبردة، فأثناء مرورها عند أحد البازارات بالأقصر سمعت البردة وأنصتت لها جيدا ثم طلبت ترجمتها إلى لغتها الأصلية، فانجذبت لها وأعلنت إسلامها.
ورغم الشهرة التى تمتع بها «العطواني» فى العالم الإسلامى كله، لم يسع فى يوم من الأيام لأن يتم اعتماده فى الإذاعة والتليفزيون، بل فضل البقاء فى قريته البعيدة عن صخب العاصمة ليتواصل مباشرة مع المستمعين، وهذا التواصل- كما قال- بين القارئ والمستمع أوجد نوعاً من الحميمية والصداقة بين صوت القارئ والمجتمع الصعيدي؛ بحيث أصبح من الصعب أن تكون مجيداً ومسموعاً إذا فقدت هذا التواصل الروحى مع المستمع والمتلقي، هذا إضافة إلى بيئة الجنوب بما تحمله من هدوء واستقرار واطمئنان للنفس ومحبة وتعارف بين الناس، وهو ما يصعب أن تجده فى مجتمع المدينة.. لذا رفض الانتقال إلى الإقامة فى القاهرة، واكتفى بشرائط الكاسيت التى حملت أنفاسه مادحا وقارئا لكل المحبين.
وفى شهر فبراير من عام 2016 رحل عن عالمنا الشيخ عبد العظيم العطواني، عن عمر ناهز الـ70 عامًا، بعد صراع مع المرض، تاركا خلفة العشرات من التسجيلات البديعة بصوته العذب الندي، ويسلك الطريق من بعده ابنه الشيخ محمد عبد العظيم العطواني، منشدا للبردة البوصيرية.
