«عدو الأمس.. صديق اليوم»، أبسط عبارة يمكن أن تصف ما يحدث الآن فى حالة الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيما بعد أن أخطأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى تقديره لمدى استمرار هذه الحرب، ومع استمرار التهديدات فى مضيق هرمز واستمرار ضرب إيران لأماكن النفط الحيوية فى دول الخليج، لم يجد «ترامب» سوى الدب الروسى لحل أزمة النفط العالمية فى محاولة لحفظ ماء الوجه الأمريكى بعد أن ورط العالم فى أزمة طاقة لم تكن فى الحسبان.
فى محاولة لتدارك الموقف، رفعت الولايات المتحدة الأسبوع الماضى العقوبات المفروضة على النفط الروسى الموجود حاليا فى البحر، مما يسمح بشحنه إلى المشترين فى جميع أنحاء العالم، فى الوقت الذى تسعى فيه إدارة «ترامب» جاهدة لاحتواء أسعار الطاقة التى ارتفعت بشكل كبير بسبب الحرب فى إيران.
وبحسب القرار الأمريكى، ستبقى الاستثناءات الصادرة عن الخزانة الأمريكية سارية المفعول حتى الحادى عشر من أبريل المقبل، وقدر وزير الخزانة سكوت بيسنت أن تحرير النفط الروسى من شأنه أن يضيف مئات الملايين من براميل النفط الخام إلى الأسواق العالمية، مما يكبح جماح الأسعار التى قاربت حاجز مائة دولار للبرميل الواحد نتيجة الحرب الإيرانية، فى خطوة قال عنها «بيسنت»، إنه «من المؤسف أن هذه الخطوة قد تفيد روسيا»، قبل أن يعود ويؤكد أنها «مؤقتة».
ويمثل قرار «رفع العقوبات» نقطة تحول هامة فى الجهود الأمريكية لمعاقبة روسيا على حربها فى أوكرانيا، وتواجه روسيا عقوبات اقتصادية من الولايات المتحدة وبقية دول مجموعة السبع للاقتصادات المتقدمة منذ تدخلها فى أوكرانيا عام 2022، وشملت هذه العقوبات فرض سقف سعرى على النفط الروسى، بالإضافة لحملة صارمة على ما يعرف بـ«الأسطول الخفى الروسى» من السفن غير المميزة أو المعروفة أنها تابعة لروسيا، والتى استخدمها مصدرو النفط الروس للتحايل على العقوبات.
وبسبب تصاعد الحرب، أفرجت إدارة «ترامب» عن شحنات نفط روسى كانت راكدة فى البحر ومقرر تسليمها إلى الهند، كما أنها بصدد تقديم ضمانة تأمين بحرى بقيمة 20 مليار دولار أمريكى من خلال مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، وهى وكالة تعنى عادة بتقديم القروض والاستثمار فى الشركات والمشاريع الخارجية.
وكتب «بيسنت» يوم الخميس فى منشور على وسائل التواصل الاجتماعى: «لزيادة نطاق الإمدادات الحالية عالميا، تُصدر وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا مؤقتا يسمح للدول بشراء النفط الروسى العالق حاليا فى البحر. هذا الإجراء المحدود قصير الأجل ينطبق فقط على النفط الذى هو فى طريقه بالفعل، ولن يحقق فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية، التى تستمد غالبية إيراداتها من الطاقة من الضرائب المفروضة عند استخراج النفط».
وفى مقابلة إذاعية له مؤخرًا، قال « بيسنت» إنه «من المؤسف أن تستفيد روسيا ماليًا من الصراع فى إيران»، لكنه أعرب عن أمله فى أن تكون هذه الفائدة «لفترة وجيزة جدا».
فى المقابل، انتقد كبار الديمقراطيين فى مجلس الشيوخ إدارة ترامب لتخفيفها العقوبات المفروضة على روسيا قائلين إن «ذلك جاء لتخفيف حدة حرب أشعلها ترامب بنفسه»، وكتبوا فى بيان مشترك «أسفرت هذه الحرب عن ارتفاعات هائلة فى أسعار البنزين للأمريكيين، الذين يدفعون الآن مبالغ أكبر فى محطات الوقود مقارنة بأى وقت مضى خلال فترتى رئاسة ترامب».
ويقدر حجم النفط الروسى الموجود حاليا فى البحر بنحو 130 مليون برميل، وفقا لخدمة تتبع بيانات السلع الأساسية «كيبلر»، وقد تعمق خطوة إدارة ترامب الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا التى تشكك فى الأساس فى هجوم «ترامب» على إيران، وتعرب عن رغبتها فى مواصلة الضغط الاقتصادى على روسيا، لا سيما أن هناك مخاوف من تمديد تخفيف العقوبات إلى أجل غير مسمى.
وفى هذا السياق، أكد السفير رخا حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، اعتراض الدول الأوروبية على قرار ترامب وتمسكهم بعدم رفع العقوبات إلا بعد انتهاء الحرب فى أوكرانيا، لكن ما دفع ترامب لذلك هو ضغط لوبى إنتاج البترول فى الولايات المتحدة بعدم التعرض للمخزون الاستراتيجى العالمى، الذى يضم 32 دولة بحصص مختلفة، ولا يفرج عنه إلا فى حالات الطوارئ، وقد أفرج عن 192 مليون برميل فى بداية الحرب الأوكرانية.
وأضاف: يدور الحديث أنه الآن يجب الإفراج عن حوالى 400 مليون برميل، تبلغ حصة الولايات المتحدة فيها أكثر من 170 مليون برميل، وهذا ما لن يوافق عليه «ترامب» أيضا، وذلك لأنه فى موقف صعب بين ارتفاع الأسعار ونقص إمدادات البترول عن الدول الحليفة، كالاتحاد الأوروبى واليابان وغيرها.
وأكد رخا أن «ترامب» لم يخطئ فقط فى تقديرات الحرب على إيران بل أخطأ أيضا فى تقديره للشركات الأمريكية على أنها تستطيع أن تغطى النقص الحاد فى إنتاج الطاقة، وقد اجتمع بالفعل بهذه الشركات الأسبوع الماضى، ورغم أنه لم يعلن عن النتائج إلا أن رد الفعل يوضح ما آلت إليه الأمور فى هذا وعدم قدرة الشركات الأمريكية على تغطية العجز الحاصل فى السوق.
كما لفت «رخا»، إلى أن «هذه الأزمة ستستمر طالما الحرب مستمرة، ويتوقع أن يتم تمديد رفع العقوبات، رغم أن تحديد موعد لرفع العقوبات حتى أبريل قد يبشر بانتهاء الحرب قبل هذا الموعد، إذا كانت هناك رغبة أمريكية، لكن فى النهاية ستلقى هذه الأزمة بظلالها على دول الخليج بنقص العملة الصعبة من النفط الذى يمثل تسعين فى المائة من صادراتها، وستؤثر بالتأكيد على دول أوروبا واليابان والصين والهند، التى تعتمد على 20 فى المائة من احتياجاتها من النفط فى هذه المنطقة»، مضيفًا أنه «بالنسبة لروسيا فهى هدية على طبق من ذهب، وتمثل هزيمة سياسية كبيرة بالنسبة لترامب، فهو تنازل بلا مقابل».
ورجح «رخا»، أيضا أنه «إذا طالت الحرب قد تلجأ أمريكا أيضا الى بعض الدول ذات الإنتاج المتوسط والمنخفض، على رأسها فنزويلا إذا استطاعت الشركات الأمريكية إصلاح البنية الأساسية للبترول التى قد انهارت تقريبا، هناك وقد تلجأ أيضا لأنجولا ونيجيريا وغينيا بيساو، لكن يبقى السؤال هل زيادة الإنتاج ستتم بدون موافقة الأوبك، أم ماذا سيحدث بالضبط؟.. ويبقى الأمل فى أن تنتهى هذه الحرب قريبًا».