رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حسابات المكسب والخسارة فى حرب إيران


19-3-2026 | 15:21

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

تخطط الولايات المتحدة الأمريكية منذ عدة سنوات لكى تفرض أمرًا واقعًا على منطقة الشرق الأوسط.. يتركز فى جعل الكيان المحتل هو القوة الإقليمية الأكبر والمهيمنة على تلك المنطقة.. وذلك ليقوم هذا الكيان بحراسة المصالح الأمريكية فى الإقليم.. حتى تتخفف الإدارة الأمريكية من غالبية النفقات التى تنفقها.. لكى تقوم بحراسة هذه المصالح.. والأهم حتى تتفرغ أمريكا للصراع المنتظر مع كل من الصين وروسيا، وقد نجح المخطط الأمريكى فى إخراج كل من العراق وسوريا.. كقوى يمكن أن تهدد الكيان المحتل.. كما نجح ذلك المخطط فى ربط العديد من الدول العربية بعلاقات قوية واستراتيجية مع هذا الكيان.. خاصة منطقة الخليج والمملكة المغربية.. ولم يتبقَّ فى كل هذا الإقليم إلا مصر وتركيا وإيران.. ووجود تركيا فى حلف الناتو.. يجعل ما يربطها بالكيان المحتل.. أكثر كثيرًا من دواعى الصدام.. كما أن مصر ترتبط مع هذا الكيان بمعاهدة سلام تم توقيعها فى عام 1979 بعد انتصار مصر فى حرب أكتوبر.. وتعمل تلك المعاهدة على تقليل فرص الصدام.. إلا إذا حدث أى تهديد للأمن القومى المصرى.

 

 

ونتيجة لكل تلك الاعتبارات لم يتبقَّ إلا إيران.. كقوة إقليمية قادرة على إزعاج الكيان المحتل.. خاصة أنها تمتلك العديد من الأذرع (حزب الله فى لبنان - الحوثيون فى اليمن - حماس فى فلسطين).. كما تمتلك إيران قوة صاروخية هائلة.. والأهم أنها تمتلك القدرة على تصنيع القنبلة النووية.. ولذلك تحولت إيران إلى الهدف الأكبر للحلف الصهيوأمريكى.. ومن هذا المنطلق تعرضت إيران إلى عدوانين كبيرين من ذلك الحلف.. الأول فى يونيو من العام الماضى 2025.. واستمرت المعارك لمدة 12 يومًا.. ورغم أن إيران لم تستخدم كل قوتها الصاروخية.. فإن الكيان المحتل طلب وقف إطلاق النار.. وأعلنت أمريكا أنها قضت تمامًا على البرنامج النووى الإيرانى.. ورغم ذلك فوجئ العالم بالعدوان الجديد الذى بدأ نهاية شهر فبراير.. وجاءت المفاجأة لأن العدوان بدأ فى ظل مفاوضات جادة بين أمريكا وإيران حول البرنامج النووى.. ولكن الكيان المحتل أصرّ على أن يكون البرنامج الصاروخى ضمن قائمة هذه المفاوضات.. وكان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد ألغى الاتفاق الذى وقّعه الرئيس الأمريكى الأسبق أوباما مع إيران، ووافق عليه الاتحاد الأوروبى حول البرنامج النووى الإيرانى.. وجاء إلغاء هذا الاتفاق ليكون تكئة ومبررًا للعدوان على إيران.. التى تتحرك وفق فتوى أصدرها قائد ثورتها الخمينى بتحريم تصنيع القنبلة النووية.. كما أكد المرشد الثانى للثورة على خامنئى على تلك الفتوى.. وكان فى مقدور إيران امتلاك تلك القنبلة ولكنها لم تفعل.. رغم أن الكيان المحتل والعديد من دول العالم الثالث، مثل باكستان – الهند – كوريا الشمالية، تمتلك هذه القنبلة.

وجاء العدوان الجديد بالتنسيق الكامل بين أمريكا والكيان المحتل.. وقد أخطأ قادة المعتدين فى استهدافهم للمرشد على خامنئى وقتله رغم أن الرجل فى السادسة والثمانين من عمره ويعانى العديد من الأمراض.. وقتل المرشد أدى إلى التفاف الغالبية العظمى من الشعب الإيرانى حول النظام الحاكم.. رغم قطاعات كثيرة من الشعب كانت قبل أسابيع قد خرجت فى مظاهرات احتجاجًا على سياسة النظام.. تلك المظاهرات وطريقة مواجهتها التى تحولت إلى مبرر ساذج للعدوان على إيران.. ومع بداية العدوان تعددت المبررات الساذجة.. سواء من الرئيس ترامب أو قيادات إدارته.. أو من قيادات الكيان المحتل.. فمن ضرورة تغيير النظام.. إلى ضرورة اختيار مرشد معتدل.. إلى تهيئة الأوضاع لمولد نظام معتدل.. يقبل بالهيمنة الصهيو أمريكية.

وتؤكد كل وقائع هذا العدوان أن كل أطرافه سيخسرون.. وستكون أمريكا الأكثر خسارة نتيجة هذا العدوان.. فقد ظهرت القوة العظمى الأولى.. وكأنها تابع ذليل للكيان المحتل.. حيث تم توريطها فى عدوان لا ناقة لها فيه ولا جمل.. كما تحطمت صورة الرئيس الأمريكى.. الذى حاول تقديم نفسه كداعية للسلام.. ونازع لفتيل الحروب فى العالم.. كما تم كسر هيبة أمريكا بتدمير كل قواعدها فى المنطقة.. واستهداف عدد من سفاراتها بالصواريخ الإيرانية.. كما تعرض الكيان المحتل لموجات كبيرة وكثيرة من الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله.. وقد فرض هذا الكيان نوعًا قاسيًا من التعتيم.. ومنع تصوير آثار الدمار الذى ألحقته تلك الصواريخ بالمواقع العسكرية والمدنية فى العديد من المدن فى فلسطين المحتلة.. وفى المقابل تعرضت إيران لعمليات تدمير ممنهج ضد بنيتها التحتية.. ردت عليه باستهداف البنية التحتية فى الكيان المحتل.. والأهم أنها فرضت حصارًا خانقًا على مضيق هرمز.. مما جعل أضرار هذا العدوان تطال العديد من دول العالم.. بعد أن ارتفعت أسعار البترول بشكل كبير.. مما جعل العديد من الدول وفى مقدمتها أمريكا.. تطلب الإفراج عن احتياطياتها الاستراتيجية من البترول.. لتخفيف حدة هذه الأزمة.. كما تعرضت إيران إلى العديد من الهجمات.. التى استهدفت مقدرات حزب الله.. تلك المقدرات التى ظن الكيان المحتل أنه قد قضى عليها تمامًا.. بعد أن نجح فى اغتيال غالبية قيادات الحزب.. وفى مقدمتهم أمين عام الحزب حسن نصر الله.. ولكن الحزب فاجأ العالم كله.. بأنه ما زال يمتلك الكثير من المقدرات والصواريخ والمسيّرات.. التى أوجعت الكيان المحتل.

وقد كشف هذا العدوان عن قضية مهمة.. تكمن فى أن الأمن القومى لأى دولة لا يمكن حمايته عن طريق وكيل خارجى.. حيث اكتشفت كل دول الخليج أن القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها.. لم تكن إلا أوكارًا للتجسس مهمتها الأولى حماية مصالح أمريكا.. وحماية الكيان المحتل.. وقد أحسنت إيران عندما بدأت ردّها على العدوان بضرب الرادارات الأمريكية العملاقة.. مما جعل قوات الحلف الصهيوأمريكى تُصاب بحالة من العمى الجزئى.. ذلك العمى الذى أتاح الفرصة للصواريخ الإيرانية أن تصل إلى أهدافها بدقة شديدة.. وفى المقابل أحسنت دول الخليج بعدم إعلانها الحرب على إيران.. وذلك لأنها قد تأكدت من أن إيران تستهدف فقط القواعد الأمريكية.. وهى مثل السفارات.. تمثل جزءًا من جغرافية الدول التابعة لها.. مما يعنى أن إيران لم تستهدف دول الخليج فى ذاتها.. كما أحسنت دول الاتحاد الأوروبى عندما رفضت الاشتراك فى هذا العدوان غير المبرر وغير المفيد.. ولعبت إسبانيا دورًا فاعلًا فى هذا الإطار.. وكانت المفاجأة فى أن بريطانيا لم تسِر فى ركاب أمريكا كما تفعل دائمًا.

وقد يظن البعض أن كلاً من روسيا والصين غير مؤثرتين على مجريات هذا العدوان.. وهذا خطأ كبير؛ حيث تقدم كلتا الدولتين دعمًا لوجستيًا ضخمًا للدولة الإيرانية.. يتمثل فى معلومات مخابراتية وصورًا للأقمار الصناعية.. تمثل أهدافًا مهمة.. وتساعد الصواريخ الإيرانية على الوصول لأهدافها.. كما كشف العدوان على إيران أن الأكراد ورقة فى يد أمريكا.. فرأينا ترامب يأمر أكراد سوريا بالاندماج فى الدولة الوطنية.. وفى ذات الوقت يأمر أكراد إيران بالتمرد على الدولة الوطنية.. ويستخدم الأراضى الكردية فى العراق لبناء القواعد.

وبشكل عام، فإن العدوان الأخير على إيران حتمًا سيتوقف.. وذلك لأن الحرب –أى حرب– لا تستمر أبد الدهر.. ولكنها وسيلة من وسائل الوصول إلى السياسة والتفاوض.. ومن المؤكد أن الرأى العام الأمريكى لن يصبر كثيرًا على شطحات الرئيس ترامب.. كما أن الرأى العام فى الكيان المحتل لن يحتمل أبدًا الوجود داخل الملاجئ تحت تهديد الصواريخ الإيرانية.. خاصة أن الحرب على غزة لمدة عامين كاملين ثم العدوان على إيران مرتين فى أقل من تسعة أشهر.. قد أنهت إلى الأبد (الكومبوند الآمن) لليهود فى الكيان المحتل.. وحتمًا ستزداد معدلات الهجرة العكسية من هذا الكيان إلى دول المنشأ التى جاءوا منها.

ومن المؤكد أيضًا أن هذا العدوان غير المبرر سوف يعمل على تغيير الكثير من المفاهيم والاعتبارات.. وسوف يعمل الجميع بكل الجدية.. حتى لا ينزلق هذا العدوان إلى حرب عالمية ثالثة.. تأتى على الأخضر واليابس فى كل العالم.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة