رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عُمان وصناعة السياحة عبر الاستثمار فـي التراث والطبيعة


16-3-2026 | 14:35

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية

تستثمر سلطنة عُمان بقوة في التراث والطبيعة كركيزتين أساسيتين لصناعة سياحة مستدامة، ضمن رؤية عُمان 2040، بخطة استثمارية تبلغ 31 مليار دولار أمريكي، تهدف إلى تطوير الوجهات السياحية، ترميم الحارات القديمة، وتعزيز السياحة البيئية والمغامرات، مما رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى 691 مليون ريال عُماني عام 2024.

.

وقد حقّق قطاعا التراث والسياحة في سلطنة عُمان خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025م أداءً متقدّمًا ليؤكّد على دورهما المحورين في دعم مسيرة التنويع الاقتصادي وترسيخ مكانة سلطنة عُمان باعتبارها وجهة ثقافيّة وسياحيّة مستدامة تجمع بين الأصالة والحداثة، وتعكس نجاح وزارة التراث والسياحة في تنفيذ خططها التطويريّة وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص بما يواكب مستهدفات رؤية "عُمان 2040"..

وبلغت القيمة المُضافة المباشرة لقطاع السياحة نحو 873 مليون ريال عُماني، فيما وصل إجمالي الإنتاج السّياحي إلى حوالي 1.99 مليار ريال عُماني، لتسهم السّياحة بنسبة 2.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان، وهي نسبة تعزز موقع القطاع باعتباره إحدى ركائز الاقتصاد غير النفطي. .

والواقع أن سلطنة عُمان شهدت في السنوات الأخيرة تحوُّلًا لافتًا في طريقة توظيف مُقوِّماتها السياحيَّة، حيثُ تتَّجه السياسات التنمويَّة إلى تحويل التراث الثقافي والطبيعي إلى قِيمة اقتصاديَّة مستدامة تُعزِّز مكانة السَّلطنة على خريطة السياحة العالميَّة. .

ويُمكِن قراءة اتفاقيَّة تطوير وتشغيل متنزَّه سمهرم الأثري في موقع خور روري بمحافظة ظفار بوصفها نموذجًا لهذا التوَجُّه، إذ يُمثِّل الموقع أحد أهم المعالم التاريخيَّة المرتبطة بطريق تجارة اللبان القديم والمسجَّل ضِمن قائمة التراث العالمي لمنظَّمة اليونسكو، حيثُ يهدف المشروع إلى تطوير المدينة التاريخيَّة وتحويلها إلى وجهة سياحيَّة متكاملة تجمع بَيْنَ أصالة التاريخ وروعة الطبيعة، عَبْرَ إنشاء مَرافق ضيافة وتجارب ثقافيَّة وبيئيَّة وأنشطة سياحيَّة تعكس الهُوِيَّة العُمانيَّة. .

كما يكشف هذا التوَجُّه العُماني عن رؤية تنمويَّة تُدرِك أنَّ التراث الثقافي يُمكِن أنْ يُصبحَ موردًا اقتصاديًّا يثري تجربة الزائر ويُعزِّز حضور السَّلطنة في سوق السياحة الثقافيَّة العالميَّة، خصوصًا في ظلِّ تزايد اهتمام السيَّاح حَوْلَ العالم بالوجهات الَّتي تقدِّم تجربة أصيلة تجمع بَيْنَ التاريخ والبيئة والثقافة المحليَّة. .

وإذا كان الاستثمار في المواقع التاريخيَّة يعكس أحد أوْجُه تطوير السياحة الثقافيَّة في السَّلطنة، فإنَّ المُقوِّمات الطبيعيَّة تُمثِّل بُعدًا آخر في معادلة تنويع المنتج السياحي الوطني، وهو ما يظهر بوضوح في المشروعات التنمويَّة الجاري تنفيذها في جبل شمس بولاية الحمراء بمحافظة الداخليَّة، حيثُ يشهد الموقع تنفيذ حزمة من المشروعات تتجاوز تكلفتها واحدًا وثلاثين مليون ريال عُماني، تستهدف الارتقاء بالبنية الأساسيَّة وتطوير المَرافق السياحيَّة بما يُعزِّز تجربة الزائر ويرفع من جاذبيَّة الجبل كوجهة سياحيَّة متميِّزة، حيثُ يشمل مشروع واجهة جبل شمس إنشاء مَرافق ترفيهيَّة وثقافيَّة متنوِّعة، من بَيْنها ممشى زجاجي يطلُّ على الأخدود الجبلي ومسرح مفتوح وحديقة ثقافيَّة. .

إلى جانب تطوير الطُّرق المؤدِّية إلى الجبل وتحسين مستوى الخدمات والإنارة، وهي عناصر تُسهم في تعزيز سهولة الوصول إلى الموقع وتوفير تجربة سياحيَّة أكثر تكاملًا، كما تعكس هذه المشروعات إدراكًا متزايدًا لأهميَّة توظيف المُقوِّمات الطبيعيَّة المتفردة الَّتي تتمتع بها سلطنة عُمان، حيثُ تُمثِّل الجبال والوديان والسواحل رصيدًا سياحيًّا مهمًّا يُمكِن أنْ يُسهمَ في استقطاب الزوَّار الباحثين عن تجارب طبيعيَّة ومغامرات نوعيَّة، خصوصًا في ظلِّ تزايد الاهتمام العالمي بالسياحة البيئيَّة وسياحة الطبيعة والمغامرات. ولعلَّ هذه التحرُّكات المتزامنة في تطوير المواقع السياحيَّة داخل السَّلطنة، وتعزيز حضورها الترويجي في الأسواق العالميَّة، تعكس توجُّهًا واضحًا نَحْوَ ترسيخ السياحة كأحد الروافد الاقتصاديَّة المهمَّة في مسار التنويع الاقتصادي، وهو ما يظهر أيضًا في مشاركة سلطنة عُمان في معرض موسكو الدولي للسياحة والسفر بصفتها الشَّريك الرَّسمي، في خطوة تستهدف توسيع الحضور في الأسواق السياحيَّة الواعدة، وفي مقدِّمتها السوق الروسي الَّذي يشهد نموًّا متسارعًا في أعداد الزوَّار إلى السَّلطنة. .

فالترويج السياحي لم يَعُدْ يقتصر على التعريف بالمُقوِّمات الطبيعيَّة والتراثيَّة، وإنَّما يَقُوم على بناء شراكات مع شركات السَّفر ومنظِّمي الرحلات وتطوير منتجات سياحيَّة تتناسب مع طبيعة الأسواق المستهدفة، مستفيدًا من تسهيلات السَّفر وتعزيز الرَّبط الجوِّي المباشر، وهو ما يُسهم في زيادة التدفُّقات السياحيَّة ورفع العوائد الاقتصاديَّة للقِطاع، ويُعزِّز حضور عُمان كوجهة سياحيَّة أصيلة ومتنوِّعة على الخريطة السياحيَّة العالميَّة .

إنَّ هذه التحوُّلات المتسارعة في قِطاع السياحة العُماني تعكس ملامح مرحلة جديدة تسعى فيها سلطنة عُمان إلى توظيف تنوُّعها الطبيعي وتراثها الثقافي ضِمن رؤية تنمويَّة متكاملة تضع السياحة في موقع متقدم داخل منظومة الاقتصاد الوطني .

فالمشروعات العُمانية الَّتي تجمع بَيْنَ تطوير المواقع التراثيَّة مثل سمهرم، وتعزيز الوجهات الطبيعيَّة مثل جبل شمس، إلى جانب توسيع الحضور في الأسواق السياحيَّة العالميَّة، تُشير إلى توجُّه عُماني يَقُوم على بناء صناعة سياحيَّة متكاملة ترتكز على جودة التجربة وتنوُّع المنتج واستدامة الموارد، ومع استمرار تطوير البنية الأساسيَّة وفتحِ آفاقٍ جديدة للاستثمار السياحي، تتعزز قدرة هذا القِطاع على الإسهام في تنشيط الاقتصاد المحلِّي وخلق فرص العمل ودعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، بما يجعل السياحة أحد المسارات الواعدة لتعزيز التنويع الاقتصادي في عُمان، وترسيخ حضور سلطنة عُمان كوجهة سياحيَّة تجمع بَيْنَ الأصالة والطبيعة والتجربة الإنسانيَّة المتفرِّدة. .

وفي إطار التوظيف الإستراتيجي للمقومات الطبيعية في عُمان من أجل خدمة القطاع السياحي، شهدت الحارات العُمانية القديمة اهتمامًا مُتزايدًا بترميمها وتطويرها لتكون وجهات سياحية تمزج بين الأصالة والتجديد، حيث تحكي تاريخ المجتمع العُماني وتفاصيل حياته عبر الأزقة الضيقة والبيوت الطينية التي تحمل نقوشًا معمارية عريقة، لتتحول إلى فضاءات سياحية نابضة بالحياة تستقطب الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها .

يأتي هذا التوجه عبر الجهود المشتركة بين وزارة التراث والسياحة والأفراد من المجتمع العُماني المهتم بالحفاظ على الهوية الثقافية وإحياء الموروث العمراني، إذ تحرص وزارة التراث والسياحة على أن تكون الحارات العُمانية القديمة فضاءات حية نابضة بالحياة، تعكس عمق الهوية العُمانية وتاريخها العريق، وليست مجرد شواهد عمرانية صامتة، ومن هذا المنطلق، تقوم خطط الوزارة على مبدأ التوازن بين صون القيمة التاريخية والمعمارية لهذه الحارات وتفعيل دورها في التنمية السياحية والاقتصادية" .

تعمل وزارة التراث والسياحة على توثيق الحارات التاريخية وحمايتها، ودعم تنفيذ مشروعات الترميم والصيانة وفق منهجيات تراعي أصالة النسيج العمراني التقليدي، كما يجري تشجيع استثمار المباني التراثيّة في أنشطة سياحية وثقافية متنوعة، مثل النزل التراثية، والمقاهي التقليدية، ومساحات الحرف والصناعات الإبداعيّة، بما يُسهم في إعادة توظيف هذه المواقع وإحياء حضورها في الحياة اليومية .

تعمل وزارة التراث والسياحة على توثيق الحارات التاريخية وحمايتها، ودعم تنفيذ مشروعات الترميم والصيانة وفق منهجيات تراعي أصالة النسيج العمراني التقليدي، كما يجري تشجيع استثمار المباني التراثيّة في أنشطة سياحية وثقافية متنوعة، مثل النزل التراثية، والمقاهي التقليدية، ومساحات الحرف والصناعات الإبداعيّة، بما يُسهم في إعادة توظيف هذه المواقع وإحياء حضورها في الحياة اليومية.

تسعى هذه الجهود العُمانية في مجملها إلى تحويل الحارات العُمانية إلى وجهات مستدامة تجمع بين الأصالة والمُعاصرة، وتوفّر فرصًا اقتصاديّة للمُجتمع المحليّ، بما يدعم تنشيط الحركة السياحيّة ويعزز مُساهمة التراث في التنمية الوطنية. .

وأحد أبرز الحارات القديمة التي تم تطويرها مؤخرًا هي حارة الحمراء، والتي تمتاز بموقعها الفريد؛ إذ بنيت على سفحٍ جبلي مطل على الواحة الزراعية، ويعبر خلالها فلج الحمراء في مشهد متكامل يعكس تناغم العمارة التقليدية للإنسان العُماني، وبراعته في تسخير مقومات المكان والتكيف مع طبيعته. .

وهنا تم تأسيس اللجنة الأهلية لتطوير ولاية الحمراء، حيث استهلت مشروعاتها في عام 2014 بصيانة ساقية الرس المصممة لتصريف المياه في الواحة الزراعية المتاخمة لحارة الحمراء، ثم تلتها مشروعات تأهيل المسارات الزراعية التي تربط بين الحارة والمزارع، ورصفها بالأحجار والإسمنت .

وقد أسهمت هذه المشروعات في إثراء التجربة السياحية في المكان عبر أنشطة مصاحبة مثل التجوال بالدراجات الهوائيّة، والسيارات الكهربائيّة السياحيّة، وركوب الخيل، كما عززت النمط الصحيّ للمُجتمع من خلال الاستمتاع بالمشي بين معالم الحارة وعبر المسارات الزراعية في الواحة. .

ولعل المشروعات المحورية التي نفّذتها اللجنة الأهلية في حارة الحمراء التي تسهم في الحفاظ على هوية الحارة وتراثها العمراني عديدة، من أبرزها إعادة تأهيل عريش السدرة عند المدخل الشرقي للحارة، وترميم سبلة الصلف والصباحات "صباح النعب وصباح المغري"، وهي من أبرز المعالم التاريخية في الحارة، وفي عام 2023 أسهمت الشركة العُمانية لنقل الكهرباء بدعم سخي تمثل في تركيب 400 مصباح يعمل بالطاقة الشمسية، أضفت جمالًا وإنارة على مسارات الحارة والطرق الزراعية، وأسهمت في تعزيز جاذبيتها.

تمثلت رؤية اللجنة الأهلية لتطوير ولاية الحمراء من خلال هذه المشروعات التطويرية في تأسيس مرافق أساسية تُبنى عليها لاحقًا مشروعات الجذب السياحي، وإعادة استثمار المزايا الطبيعية والتراثية التي تزخر بها الحارة، وقد أسهم ذلك في تطوير عدد من النُّزل التراثيّة والاستراحات والمقاهي، وانتعاش الأنشطة الخدمية المصاحبة لها، بما يعزّز القيمة المُضافة ويوجد فرصًا واعدة للعمل .

المؤكد أن هذا الحراك التنمويّ يُمثل نقلة نوعيّة تعزز النشاط الاقتصادي للمواطنين، وتشجع الاستثمار المحلي والأسر المنتجة، وتعيد الحياة إلى الحارات التي كانت شبه مهجورة، مما يثبت أهمية الحفاظ على الإرث الحضاري والموروث التاريخي، وإعادة إحياء هذه الحارات التي تجسّد التاريخ العُماني وتشكل رافدًا اقتصاديًا مستدامًا .

أخبار الساعة

الاكثر قراءة