ارتبط المسلمون بالابتهالات الدينية و«التواشيح» في بقاع العالم بأسره، وانتشر تقديمها من قِبل المبتهلين والشيوخ في شهر رمضان المبارك وقت السحور، وخاصة في الثلث الأخير من الليل وحتى قبل رفع أذان الفجر، ميقات «الإمساك» عن الطعام لبدء صوم يوم جديد، وأصبحت مَلمحًا أصيلًا من ملامح شهر الصيام؛ إذ تُهَدِّئ النفس وتمنحها السكينة والاطمئنان.
وكانت مصر سبّاقة في هذا الاتجاه، إذ كانت أول من قدّم ونقل عبر الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري إلى جمهورها ثم إلى العالم الإسلامي أجمع، ذلك المزيج الفريد من الابتهالات الدينية والتواشيح التي تضم أدعيةً وتضرعًا بصوتٍ عذب لكبار المشايخ والقراء، لتصبح منارةً لهذا الفن وروّادَه في مختلف الأقطار.
الابتهالات والتواشيح
و«التواشيح» تمثل أناشيد دينية ملحنة ومنظومة «شعر» تصاحبها عادة آلات موسيقية وإيقاعات محددة، وتركز على المدح النبوي والابتهال، بينما تمثل «الابتهالات» أدعية وتضرع إلى الله خاشعة وتكون غالبًا مرتجلة وبدون آلات موسيقية «أكابيلا»، تعتمد على صوت المبتهل ومقاماته الصوت
فروقات أساسية بين التواشيح والابتهالات
في الموسيقى والإيقاع.. «التواشيح» هي إنشاد ديني له إيقاع ولحن ثابت ومنتظم، وغالبا بمصاحبة آلات موسيقية، و«الابتهالات» مرتجلة، تعتمد على المقامات الصوتية دون إيقاع موسيقي محدد، وتركز على إظهار الخشوع.
المحتوى والأداء.. «التواشيح» قصائد منظومة في مدح النبي ﷺ أو مواضيع دينية، ويتم أداؤها بشكل جماعي أو فردي مع لزمة موسيقية، و«الابتهالات» دعاء وتضرع وتوسل إلى الله عز وجل بكلمات مؤثرة، تهدف لإثارة مشاعر التضرع (البكاء والخشوع).
الأصل.. «التواشيح» فن شعري مستحدث ومغنى، و«الابتهالات» جزء من آداب الدعاء، واشتهر بها رواد من القراء والشيوخ مثل «النقشبندي» ونصر الدين طوبار وطه الفشني، محمد عمران، عبد الباسط عبد الصمد، محمد الطوخي»، وغيرهم، والتواشيح فن إنشادي موسيقي، بينما الابتهالات دعاء وتضرع صوتي ارتجال.
وتقدم «دار الهلال»، في رمضان 1447 هجريًا، مارس 2026 ميلاديا، كل يوم وليلة سلسلة حلقات متتابعة من «الابتهالات»، و«التواشيح» تحت عنوان «تواشيح السحور»، لأهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا.
ونستمع اليوم ومع سحور الليلة، وفي ليلة جديدة من ليالي رمضان 1447م هجريًا والموافق 7 مارس 2026 م إلى الابتهال الشهير «يا أيها المختار» للشيخ طه الفشني
الشيخ طه الفشني.. من التفرد لنوط الامتياز
كان الشيخ طه الفشني ثالث قارئ للقرآن الكريم في الإذاعة المصرية، وهو صاحب مدرسة متفردة في التلاوة والإنشاد، وكان على علم كبير بالمقامات والأنغام، وانتهت إليه رئاسة فن الإنشاد في زمنه فلم يكن يعلوه فيه أحد.
والشيخ طه الفشني من مواليد 1900م مركزالفشن، ارتبط اسمه باسم مدينته «الفشن»، بمحافظة بني سويف بدأ حياته عندما ألحقه والده بكتاب القرية بجانب دراسته في المدرسة الابتدائية، واستطاع أن يتم حفظ كتاب الله وهو في سن الخامسة عشرة من عمره .
وتميز الفشني بين أقرانه بالصوت الجميل في التلاوة، وهذا ما شجع أسرته على مساعدته لتعليم فنون التلاوة وعلوم القراءات وأحكام التجويد، ثم التحق بالمدرسة الإعدادية ثم معهد المعلمين الذي حصل منه على شهادة الكفاءة عام 1919 م.
وكانت بدايته الاحترافية في قراءة القرآن في المآتم والحفلات وإنشاد الإبتهالات والمدائح النبوية في الموالد والأفراح، وبعدها انتقل من بني سويف إلى القاهرة.
والتحق بمعهد القراءات التابع للأزهر الشريف، وتتلمذ على يد كبار المشايخ أمثال: الشيخين السحار والمغربي، كما لازم رائد الإنشاد الديني الشيخ علي محمود الذي أعجب بموهبته، وبدأ يقدمه في حفلاته الدينية.
تعلم الموسيقى وعلم النغمات على يد الشيخ درويش الحريري، وبدأ يتعامل مع كبار الملحنين أمثال: زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب، كما كوّن فرقة الإنشاد الديني والتواشيح إلى جانب حرصه على قراءة القرآن الكريم.
طه الفشني.. المؤذن الأول لمسجد الحسين
وكان طه الفشني المؤذن الأول لمسجد الحسين، واشتهر بقراءته لسورة الكهف يوم الجمعة.
والتحق بالإذاعة، واجتاز جميع الاختبارات وأصبح مقرئًا للإذاعة المصرية ومنشدا للتواشيح الدينية بها على مدى ثلث قرن، وعقب التعاقد معه في الإذاعة عين كمقرئ للقرآن الكريم، وقدم للإذاعة المصرية العديد من التسجيلات للسور القرآنية إضافة إلى تقديمه ساعة من الإنشاد الديني يوم الأحد من كل أسبوع، وعندما بدأ إرسال التلفزيون كان من أوائل المقرئين الذين ظهروا على شاشته.
وعمل طه الفشني كقارىء رسمي لمسجد السيدة سكينة في عام 1940م، واستمر عمله في هذا المسجد إلى أن توفاه الله.
وعرف عن الشيخ طه الفشني طول النفس، فكان يستطيع أن ينشد القصيدة الواحدة لمدة أربع ساعات متتالية، وكان عشاق الشيخ طه الفشني يسهرون حتى الفجر يستمعون إليه، وهو يؤدي الابتهالات والآذان من المسجد الحسيني، وكانوا يحرصون على الاستماع إليه وهو ينشد التواشيح في مولد السيدة زينب – رضي الله عنها، ولكن إصابة الشيخ طه الفشني بمرض القلب، في مراحل عمرية متقدمة، منعته من تسجيل المصحف المرتل كاملًا بصوته.
تكريم وجوائز.. نوط الامتياز في العلوم والفنون من الطبقة الأولى
ومنحت مصرالشيخ طه الفشني نوط الامتياز في العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وكرمته العديد من الدول الإسلامية مثل أندونيسيا وماليزيا وباكستان.
وتوفي القارىء والشيخ طه الفشني في 10 ديسمبر 1971م، وسيبقى صوته وأثؤرخ خالدا فينا ومعنا ما حيينا.
ابتهال «يا أيها المختار».. إبداع وتجلي لايوصف للشيخ طه الفشني وبطانته