لا شك أن الدور المشهود الذي قام به الدكتور طه حسين في مراحل عصر التنوير كان، بجميع المقاييس الفكرية والعلمية الحديثة، دورًا غير مسبوق في حياتنا الفكرية والعلمية المعاصرة. فهو يُعد ظاهرة فريدة للمثقف العربي الحامل للواء ثقافة التمرد في قرننا العشرين، والثابت في هذه الظاهرة أنه كلما اقترب منه أي باحث أو كاتب بدا عالمه متسعًا ليس له حدود في أغلب مضامينه، فقد جسدت تجربة الدكتور طه الفكرية خلال أكثر من نصف قرن ما يمكن أن نطلق عليه البطل الإشكالي المثير للجدل في الثقافة والفكر وفلسفة التنوير.
ولعل التنوير المراد التعبير عنه في هذا الصدد هو المراحل الفكرية لهذه الحركة التي ظهرت في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر والثامن عشر، وكان أنصار هذه الحركة عددًا من المفكرين لعل أشهر من عُرف منهم "فرانسيس بيكون"، و"فولتير"، و"ديدرو"، و"فيردر". ولعل السمات الرئيسية لدور هذه الحركة هو جعل العقل الإنساني حاكمًا وإمامًا في أمور الحياة، وبعبارة أخرى إضاءة النور في البصائر والقلوب لتحقيق الإنسان المثالي في المجتمع الإنساني. ويخيل إليّ أن شعار هذه المدرسة في الفكر العربي هو الشعار الذي سبق أن رسمه الشاعر العربي الكبير أبو العلاء المعري بقوله:
يُرتجى الناسُ أن يقومَ أمــــــام
ناطقٍ في الكتيبة الخرســـــــــــاء
كذب الظنُّ لا إمامَ سوى العقلِ
مُجيبًا في صبحِه والمســــــــــاء
الإمامة في ظل هذا المفهوم عند أصحاب التنوير، وكما أشار إليها أبو العلاء، وكما هي في فكر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، هي التفكير العقلي المستنير المحقق للأمور عن طريق العقل والفكر. وشعار التنوير عند المفكرين هو الذي عبر عنه الفيلسوف "كانط" في عبارة "تشجع وفكر بنفسك"، ومعنى هذا أن لا تدع غيرك يفكر لك. كما كان من أثر هذه الحركة في أوروبا أن قامت أصوات قوية تنادي بالحرية والعدالة في جميع أنحاء القارة العجوز. وكان لفلسفة التنوير أثر عظيم في كتابات من يسمون بالاشتراكيين الطوباويين الداعين إلى تنوير الأذهان لتحرير النفوس من سلطان الحكام ورجال الدين، وبالتالي تحرير الناس من حالة تبعية التصور ومن أن يكونوا قاصرين.
وقد انتقل عصر التنوير إلى مصر التي أصبحت مركزًا له في العالم العربي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتولى ريادة هذه الحركة الإمام محمد عبده، فعلى يديه عادت الفلسفة في العالم الإسلامي والعربي إلى ما كانت ينبغي أن تكون عليه دائمًا. فأصبحت تأملًا روحيًّا في معنى الحياة التي يجب أن نحياها، وتحقيقًا لوعي الإنسان لذاته، وبحثًا عن دعائم العمل والأخلاق، وكان الإمام محمد عبده ينادي ويلح على أن الخطوة الأولى في كل مسعى فلسفي لهذا الاتجاه العقلي هي تنبيه الوجدان وإيقاظ الضمائر، وإثارة روح النقد تمهيدًا للفهم، ولذلك وجدناه في جميع أقواله ورسائله ومؤلفاته دائبًا على مهاجمة "التقليد"، ودون الالتفات إلى حق كل فرد في استقلال النظر والفحص أو في أن يفكر بنفسه لا أن يفكر له الغير، لأن التفكير من وجهة نظره فرض عين لا فرض كفاية، وذلك تحقيقًا للوعي من جهة، ومن جهة أخرى إيقاظ الضمير في أحوال الناس وأمورهم في كل الأحوال. ومن ثم كانت أفكاره الفلسفية تنطق بأن واجب المفكر الواعي أن يكون واعيًا حين يعمل، وعاملًا حين يفكر، لا ينفصل أحد ركني الناطقية عن الآخر وإلا كانت ناطقية عرجاء.
كانت هذه هي المعاني الجديدة التي بثتها الأفكار عن التنوير التي صاغها رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده صياغة جديدة نابعة من تراثنا وأصالتنا، ومتفتحة على العالم من جهة أخرى.
وعلى ذلك انتشرت مبادئ حركة التجديد التي قامت بها مدرسة الإمام في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتابعها مفكرو هذه الأمة بدءًا من سعد زغلول ممثلًا لهذه اليقظة في المجال السياسي، وقاسم أمين مناديًا بها في المجال الاجتماعي، ومصطفى عبد الرازق باحثًا عنها في الجانب الفلسفي، ومصطفى المراغي داعيًا لها في الجانب الديني، حتى إذا جئنا إلى العشرينيات من هذا القرن وجدنا استمرارية لهذه الحركة التنويرية على أيدي كل من الشيخ علي عبد الرازق والدكتور طه حسين، الأول في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي صدر عام 1925، والذي ناقش قضية الخلافة بحرية لا مثيل لها في أيامنا هذه، والثاني في كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي صدر عام 1926، والذي أثار ضجة كبيرة حول ما جاء فيه من آراء وأفكار في تقييم أدبنا القديم. والكتابان وغيرهما كان لهما أثر كبير في حركة التنوير الدائر الحديث عنها في ذلك الوقت، خاصة في تلك الفترة التي كانت مصر فيها تموج بالفكر وتضطرم بالعاطفة الوطنية والإنسانية، لأن هذه الفترة كانت هي الفترة التي أعقبت ثورة 1919، والتي شهدت أفكارًا متصارعة في جميع المجالات السياسية والثقافية والأدبية، كلها تصطرع في الفعل وردود هذا الفعل التي كانت تعم هذه المرحلة، كما قال عنها فيلسوف التاريخ المعاصر توينبي: "إن الثقافة والحضارة إنما تزدهر حين تكون استجابة أو رد فعل على تحدٍّ من التحديات، في موقف أو في وضع يتسم بالصعوبة والأزمة ويحتاج إلى مواجهة الناس والمفكرين كلٌّ بجهده الخاص الذي لم يسبق بذله قبل ذلك".
ومصر في ذلك الحين كانت تتقاسمها أفكار متعارضة ومتنوعة كثيرة، وكان كل صاحب فكر يقوم للدفاع عن فكره في حرية وقوة جعلت الرأي العام كله يهتم بالقضايا المطروحة، ويحاول أن يتخذ منها أولوية في مواقفه المحددة.
في هذا المعترك الكبير كان طه حسين مجبولًا بما آتاه الله من علم وفكر وقدرة وسط هذا المعترك الكبير على المشاركة في هذه الصراعات الفكرية السائدة بالدور الأدبي والفكري الذي اكتسبه في حياته العلمية في الداخل والخارج، فجعل مسرح نضاله في المعترك الأدبي ديدنه في كل شيء، وقد أدى الدكتور طه دوره الحقيقي في هذا المجال على أحسن ما يكون، من خلال مكانه الحقيقي وهو الأدب، وليست السياسة ولا الدين. وقد كان الدكتور طه حسين يمثل أيقونة مهمة للغاية في التمرد على ما طرحه الإرث القديم من مظاهر التخلف والجمود.
فقد كان لنشأته الريفية دورها الفعال في مسيرته التعليمية، فكما هو معروف في الريف المصري في ذلك الوقت، حيث كانت الكتاتيب هي المرحلة الأولى التقليدية في القرى، فقد نشأ طه حسين في أواخر القرن التاسع عشر نشأة ريفية فقيرة، وفقد بصره في حوالي الرابعة من عمره، وسلك أهله معه المسلك التقليدي في ثقافة القرية العربية الإسلامية. فكان القرآن الكريم كتاب العربية الأكبر أول ما نشأت عليه شخصيته وذوقه البياني واللغوي، وقد أتم حفظه وهو لم يتم التاسعة من عمره، وتعلم تجويده على رواية "حفص"، وحفظ طائفة من المتون الأزهرية التي كانت في تلك المرحلة تؤلف الأساس الأول لمناهج التعليم والتحصيل في الأزهر.
وكانت هناك عناصر أخرى في مناخ القرية الثقافي حصلها الفتى الصغير الكفيف بمجهوده الشخصي استجابة لمزاجه الخاص وميله العفوي، فقد حفظ كثيرًا مما كان مشاعًا في بيئة القرية من أغاني الأفراح والأحزان وأناشيد الأذكار وأوراد الصوفية، وأُغرم بالاستماع للمأثورات الشعبية كسيرة الظاهر بيبرس وقصص عنترة وسيف بن ذي يزن، وقد وضح ذلك من وقائع حياته وظروف نشأته وعناصر ثقافته ومراحل دراسته التي أودعها وسجلها في كتابه "الأيام" بأجزائه الثلاثة.
وفي سن الثالثة عشرة التحق الفتى "طه حسين" بالأزهر في رعاية أخيه الأكبر، وحضر على الشيوخ مختلف الدروس في العلوم الشرعية والعربية من أصول وفقه وتفسير وحديث ونحو وصرف وبلاغة ومنطق، وبدأ يسمع حديث الأدب بين أخيه الأكبر وزملائه من الطلاب حين كانوا يذكرون الشيخ "الشنقيطي" وما عُرف به من حفظ اللغة ورواية الحديث سندًا ومتنًا، ويتحدثون عن درسه الذي كان يقرأ فيه معلقات العرب لبعض الطلاب، وفي هذه المرحلة حفظ طه حسين مع أخيه معلقَتي "امرئ القيس" و"طرفة بن العبد"، وطائفة من خطب "الإمام علي" في "نهج البلاغة"، كما حفظ أيضًا أجزاء من "مقامات الحريري" وبعضًا من مقامات "بديع الزمان"، وقصيدة "أبي فراس" "أراك عصي الدمع.."، كما حضر مع بعض الطلاب من أصدقاء أخيه دروسًا أخرى في الأدب يلقيها بالرواق العباسي الشيخ "سيد المرصفي"، ترتبط بـ"ديوان الحماسة"، وقد اشترى أخوه نسخة من الديوان بشرح "التبريزي"، وجعل يحفظه وأخاه طه، وربما قرأ عليه شيئًا من شرح "التبريزي" أيضًا، وكان درسًا إضافيًّا من تلك الدروس التي أنشأها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، والتي كانت تسمى دروس العلوم الحديثة، وكان منها الجغرافيا والحساب والأدب، وحين أشيع ذات يوم أن الشيخ "المرصفي" سيخصص يومين من أيام الأسبوع لقراءة "المفصل" للزمخشري في النحو سعى إلى هذا الدرس، ولم يلبث أن أحب الشيخ وكلف به، وحضر له درس الأدب في أيامه من الأسبوع، ولزم الشيخ منذ ذلك الوقت، وكان الصبي كما يقول في "الأيام ج2" قوي الذاكرة، فكان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا حفظها، ولا رأيًا إلا وعاه، ولا تفسيرًا إلا قيده في نفسه، وقد بادله الشيخ ودًّا بود، فكان يوجه إليه الحديث في أثناء الدرس، ويدعوه إليه بعد الدرس ليصحبه إلى باب الأزهر، وربما دعاه إلى أن يصحبه في بعض الطريق.
لقد كانت دروس الشيخ المرصفي لها آثارها البعيدة في شخصية الفتى طه واستمساكه بحرية الفكر والفهم، وفي تعلقه بالأدب القديم، وكان تأثير الشيخ المرصفي عليه كبيرًا للغاية في تلك الفترة. تلك المرحلة كانت هي مرحلة التأسيس والتكوين عند الفتى طه، وبفعل هذه المرحلة المبكرة من التأسيس، الذي كان التنوير فيها ملمحًا صغيرًا في نفس الفتى طه، سرعان ما تحول إلى حقيقة كبرى حين ظفر الفتى طه ببعثته العلمية إلى فرنسا، على أنه حين عاد إلى الوطن بعد الانتهاء منها وأخذ مكانه في هيئة التدريس بالجامعة، كان الانفتاح بين القديم والحديث في كيانه الفكري قد قطع شوطًا كبيرًا على طريق الحوار، وكان هو قد تهيأ للقيام بدوره في مجال كلاسيكية الآداب المتجددة، فبدأ يشن حملته لاصطناع المنهج العلمي في الدراسات الأدبية بما يستلزمه ذلك من تحقيق للنصوص القديمة، ومن شك فيما يحتمل الشك فيه، ومن مناقشة ونقد لآراء من سبقوه من العلماء والمفكرين الذين أدلوا بدلوهم في مجالات الأدب وما يرتبط بها من نحل للمروي من الشعر القديم، مرتبطًا بالشك الديكارتي وفلسفته وطريقته التي تقوم على اصطناع الشك سبيلًا إلى اليقين.
وإزاء ذلك كان للخلفية الفكرية التي اكتسبها الدكتور طه حسين حيال دوره وأصالته تجاه حركة التنوير القائمة في ذلك الوقت، والتي تشبع منها من حيث هو مفكر وكاتب ورائد وصاحب مدرسة، أن تأثرت به الأجيال المتعاقبة إن توافقًا أو معارضة، وهذا لا يعيبه ولا يعيب هذه الأجيال، بل هو المطلوب، لأن شعار التنوير هو: تشجع وفكر بنفسك ولا تدع غيرك يفكر لك. ولم يكن الموضوع في ذلك الوقت بهذه البساطة، بل تعرض الدكتور طه حسين لكثير من المضايقات والهجوم على شخصه وآرائه نظرًا لحساسية الموضوعات التي تضمنها كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي تشير إلى انتحال شعر هذه الفترة والتشكيك في بعض المسلمات الدينية، وقد كان طه حسين يعرف ما سيواجهه بصدور هذا الكتاب، حيث أشار في مقدمته: "إن هذا البحث وإن أسخط قومًا وشق على آخرين، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل، وقوام النهضة الحديثة، وذخر الأدب الجديد، والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر، وهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر، وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينًا، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه".
وإزاء ما تضمنه كتاب "في الشعر الجاهلي" قامت الدنيا ولم تقعد، وأصيبت الأوساط الدينية والثقافية في مصر بصدمة كبيرة غير مسبوقة، تقدم على أثرها بعضهم ببلاغ إلى النائب العام ضد طه حسين متهمين إياه بالطعن الصريح في القرآن العظيم، مشفوعًا بتقرير لجنة من العلماء شكلت لهذا الغرض، وتمت محاكمة الدكتور طه، وانقسم الرأي العام ما بين مهاجم ومساند، وقد شنت صحيفة كوكب الشرق هجومًا عنيفًا عليه، بينما ساندته صحيفة السياسة وعدد من المفكرين في الشد من أزره، في طليعتهم الدكتور محمد حسين هيكل وأحمد لطفي السيد ومنصور فهمي وغيرهم، وصدر عدة كتب للرد على كتاب "في الشعر الجاهلي"، أبرزها كتاب "نقد كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، و"نقد كتاب في الشعر الجاهلي" للشيخ محمد الخضر حسين، و"تحت راية القرآن" لمصطفى صادق الرافعي.
ولعل ما درج عليه الدكتور طه فى أفكاره وآرائه التى كان لا يحيد عنها بأى حال من الأحوال يرجع إلى شخصيته العنيدة المتمردة التى بدت منذ الصغر، ولها دأبها الخاص فى المحافظة على الذات وما تطرحه من آراء وأفكار، والمكتسبة مما كان يغترفه من أوجه الحياة فى مسارها الذى كانت عليه منذ مرحلة الطفولة مع أسرته، ومع شيوخه الأزهريين، ومع ما واجهته به الحياة فى مراحل عمره المختلفة، حتى كتب مقالته الشهيرة "هذا مذهبى" فى عدد شهر مارس 1955 من مجلة الهلال، والذى قال فيها: "أكاد أعتقد أنى لم أعرف مذهبى فى الحياة إلا شيئا فشيئا؛ لأن هذا المذهب نفسه لم يتكوّن إلا قليلا قليلا. فرضته علىّ ظروف الحياة، وهى التى استخرجته من أعماق طبيعتى استخراجا بعد أن كان كامنا فيها كمون النار فى العود كما يقول الشاعر القديم. وأول ما استكشفت من هذا المذهب خصلة أرى أنها قد صحبتنى منذ الصبا، وهى الظمأ الشديد إلى المعرفة. الظمأ الذى لا يطفئه اكتساب العلم، وإنما يزيده قوة وشدة والتهابا؛ فأنا لا أحصل نصيبا من المعرفة إلا أغرانى بأن أحصل شيئا آخر أبعد منه مدى وأشد عمقا. وليس فى هذا نفسه شىء من الغرابة. فإذا كانت حاجة من عاش لا تنقضى، فحاجة من ذاق المعرفة أشد الحاجات إلحاحا وأعظمها إغراء بالتزيد منها والإمعان فيها. وأكبر الظن أن هذه الآفة التى ألمت بى فى أول الصبا هى التى أذكت فى نفسى هذه الجذوة؛ فهى قد صرفتنى عن كثير مما يشغل المبصرين، وحرمت على ألوانا من جدهم ولعبهم، ويسرتنى لما خلقت له من الدرس والتحصيل أنفق فيهما من القوة والجهد والنشاط والفراغ ما ينفقه غيرى فيما يضطربون فيه وما يختلف عليهم من ألوان الحياة وخطوبها. وما كلفت بمثل من الأمثال الثائرة قط كما كلفت بهذا المثل القديم: "لا بد مما ليس منه بد". وما أحببت بيتا من الشعر العربى كله كما أحببت بيت أبى العلاء:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه
فيخرج من أرض له وسماء
لم يكن بد إذن من أن أوطن نفسى على الفراغ لما أحسنه، أو لما ينبغى أن أحسنه من الدرس والتحصيل ما وجدت إليهما سبيلا. وقد فعلت أو حاولت أن أفعل فى آخر الصبا وأول الشباب. ولكن ما أسرع ما رأيت وسائل الدرس والتحصيل عسيرة على أشد العسر؛ فقد كنت مستطيعا بغيرى – كما يقول أبو العلاء – لا أذهب وأجئ، ولا أغدو ولا أروح، ولا أقرأ ولا أتعلم إلا أن يعيننى على ذلك معين. وكانت طريقى إلى الدرس والتحصيل فى تلك الأوقات ضيقة محدودة، تبدأ بى فى الأزهر وتنتهى بى إلى الأزهر، وكان على أن أنفق العمر فى هذا المدار المحدود من العلم الذى كان الأزهريون يبدأون فيه ويعيدون، ولا يضيفون إليه وقتئذ شيئا، ولا يستطيعون أن يضيفوا إليه شيئا.
وهنا ظهرت خصلة ثانية من هذه الخصال التى ألفت مذهبى فى الحياة، وهى الصبر والمغالبة واحتمال المكروه ما وسعنى احتماله. فقد صبرت وصابرت، واحتملت من ألوان المشقة فى الأزهر ما رضيت عنه وما سخطت عليه، ولكنى رأيتنى مدفوعا إلى شىء من المغامرة لم يكن يدفع إليها أمثالى فى تلك الأيام. فما لى لا أختلف مع بعض الصديق إلى دار الكتب لأقرأ فيها من العلم ما لم يكن الأزهر يسيغه؟ ولم أكد أستكشف علم القدماء من العرب وأدبهم حتى صرفت إليهما عن الأزهر صرفا. رأيتنى ثائرا على الأزهر ودروسه ثورة جامحة لم أحسب لعواقبها حسابا. ثم لا أكاد أتصل بالجامعة التى أنشئت فى تلك الأيام حتى أكلف بما كان يلقى فيها من درس أشد الكلف، وإذا خصلة ثالثة من مذهبى فى الحياة، وهى خصلة التصميم على اقتحام العقبات التى تعترض سبيلى إلى العلم مهما تكن، أو أموت دونها فى سبيل العلم مهما تكن. وإذا أنا مصمم على أن أحصل علم الجامعة، ثم أعبر البحر إلى أوروبا لأطلب العلم هناك. وما أكثر ما سألت نفسى: كيف السبيل لمثلى إلى عبور البحر وطلب العلم غريبا فى تلك البلاد التى لا أعرف من أمرها شيئا؟ ولكنى كنت أقول دائما: ومع ذلك فلا بد من عبور البحر وطلب العلم فى معاهد الغرب!". (هذا مذهبى.. للدكتور طه حسين، مجلة الهلال، ع 3، م 63، مارس 1955).
من هذا الفيض من الصبر والمثابرة على العلم واكتشاف ما وراءه بأى طريقة من طرق البحث والاستكشاف والتنقيب، مع إرادة حرة فى التعبير عن فكره وآرائه مهما كلفه ذلك، توصل طه حسين إلى ما وراء الحجب من ألوان العلوم الحاملة لرؤى وفكر لم يكن المشهد الثقافى والأدبى يعرفها أو يستسيغها أبدا، مما أوغر الصدور عليه من كافة الجوانب، وطالته أياد كثيرة فى شخصه وعلمه وثقافته. وكان تحصيله للعلم ينم على مغامرة كبيرة شاقة فى ظروفه الشخصية وقلة حيلته المالية. وإزاء ذلك ظلت شخصية العميد مثار جدل فى الدراسات والكتب والمقالات حتى وقتنا هذا.
وطيلة حياته المديدة فرض الدكتور طه حسين ظله على الحياة الثقافية العربية مفكرا ومؤرخا وأديبا، ولم يكن طه حسين رجل فكر معزولا عن الواقع، بل كانت مواقفه وأعماله وحدة متسقة مع مجريات الواقع بكل ما يحمل هذا الواقع من قضايا وإشكاليات خاصة وعامة، خاصة إذا كانت ملبية لاحتياجاته الفكرية والرؤيوية المثيرة للجدل. وحين أتيح له أن يكون مسئولا فى الجامعة وفى وزارة المعارف حاول أن يضع ما كان يؤمن به موضع التطبيق.
وقد عاش طه حسين طيلة حياته الطويلة الخصبة مؤمنا بقيم العقل والعلم والحرية، وخاض المعارك الطويلة المريرة ضد أعدائها، ولقى من الجامدين والحاقدين عنتا وإرهاقا، لكنه كما أشار سلفا فى مذهبه، لم يضعف ولم يهن، وحق له أن يقول عن نفسه فى آخر صفحات سيرته الذاتية إنه كان: "يعرف نفسه حين يشقى فى سبيل ما يرى أنه الحق، وينكرها أشد الإنكار، بل يبغضها أشد البغض إذا نعم بالخفض واللين؛ لأنه صانع أو داجى أو جهر بغير ما يسر، أو آثر رضا السلطان على رضا ضميره".
وسيقول التاريخ كلمته فى طه حسين، الرجل الصامد على كلمة الحق القوية العفية الصامدة الحاملة المؤثرة بما تحمله من فكر وفلسفة وعمق فى ذات الحياة. وقد اكتمل عطاؤه برحيله عن عالمنا فى الثامن والعشرين من أكتوبر 1973 بعد أن سدد دين تعليمه ثقافة وعلما وفكرا وفلسفة فى كل نواحى الحياة الفكرية والثقافية والأدبية. وما أكثر ما سيقال عنه، لكن فى أعناق المثقفين دينا ثقيلا لطه حسين؛ فما منهم إلا من استمد من نور عقله قبسا، بل إن أجيالا بكاملها كان يمكن أن تنفق حياتها فى غير جدوى لولا إيمان هذا الرجل العظيم بحق الإنسان فى العلم والحرية وحقيقة التنوير.