أحسست برهبة حقيقية وأنا أستعد للكتابة عن العلَّامة التاريخي رفاعة الطهطاوي، والرهبة سببها السنوات الطويلة التي تفصلنا عن تجربته المهمة والعظيمة، فنحن نعيش الآن في القرن الحادي والعشرين، وهو يسبقنا بقرون في مشروعه ونهضته وأفكاره التي توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل.
لقد خلَّد اسمه واسم البلد التي ينتمي إليها في قلب صعيد مصر، وأصبح علامة من علامات التاريخ المصري الحديث، ولا يمكن كتابة تاريخ الفكر المصري الحديث في القرون الثلاثة الأخيرة من عمرنا إلا ويكون للشيخ رفاعة الطهطاوي مكان مهم ومكانة سامية وذِكر لا يمكن أن يُغفل عنه أحد. فنحن نعيش بفضل أفكاره ورؤاه واجتهاداته ربما حتى الآن، ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي والإسلامي، وربما العالم كله.
ورفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) هو رفاعة بك بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع، ويُلحقون نسبهم بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحُسين بن فاطمة الزهراء، وهو من قادة النهضة العلمية في مصر في عهد محمد علي باشا. وُلد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801 بمدينة طهطا، إحدى مدن محافظة سوهاج، ويتصل نسبه بالحسين.
نشأ في عائلة ملحوظة من القضاة ورجال الدين، فلقي رفاعة عناية من أبيه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتمامًا كبيرًا، حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم النصوص الأساسية في التراث العربي والإسلامي التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئًا من الفقه والنحو. التحق رفاعة وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر الشريف عام 1817، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف وغير ذلك. خدم بعدها إمامًا في الجيش النظامي الجديد عام 1824.
يبدأ المنعطفُ الكبير في سيرة رفاعة الطهطاوي مع سفره خارج مصر لأول مرة سنة 1826 إلى فرنسا ضمن بعثة عددها أربعون طالبًا أرسلها محمد علي على متن سفينة حربية فرنسية في 13 أبريل 1826 لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة، وكان عمره 24 عامًا.
كان الشيخ حسن العطار وراء ترشيح رفاعة للسفر مع البعثة إمامًا لها وواعظًا لطلابها، وكان بينهم 18 فقط من المتحدثين بالعربية، بينما كان البقية يتحدثون التركية، وذهب بصفته إمامًا للبعثة، ولكنه إلى جانب كونه إمام الجيش اجتهد ودرس اللغة الفرنسية هناك وبدأ بممارسة العلم، وبعد خمس سنواتٍ حافلة أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطة كتابه الذي نال بعد ذلك شهرة واسعة: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
عاد رفاعة إلى مصر سنة 1831 مفعمًا بالأمل، منكبًّا على العمل، فاشتغل بالترجمة في مدرسة الطب، ثم عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية. وافتتح سنة 1835 أول مدرسة للترجمة في تاريخ مصر، التي صارت فيما بعد مدرسة الألسن، وعُيِّن مديرًا لها إلى جانب عمله مدرسًا بها، وفي هذه الفترة تجلَّى المشروع الثقافي الكبير لرفاعة الطهطاوي، ووضع الأساس لحركة النهضة التي صارت في يومنا هذا، بعد عشرات السنين، إشكالًا نصوغه ونختلف حوله يسمى الأصالة أم المعاصرة. كان رفاعة أصيلًا ومعاصرًا من دون إشكالٍ ولا اختلاف، ففي الوقت الذي ترجم فيه نصوص الفلسفة والتاريخ الغربي ونصوص العلم الأوروبي المتقدِّم، نراه يبدأ في جمع الآثار المصرية القديمة ويستصدر أمرًا لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع.
وظل جهد رفاعة يتنامى ترجمةً وتخطيطًا وإشرافًا على التعليم والصحافة، فأنشأ أقسامًا متخصِّصة للترجمة: الرياضيات، والطبيعيات، والإنسانيات، وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد، ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية.
وكانت ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية، وهي العلوم والمعارف التي تُدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية، وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلًا من التركية، هذا إلى جانب عشرين كتابًا من ترجمته، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها.
ولكن هذه الشعلة سرعان ما انطفأت مع تولِّي عباس باشا حكم مصر، فقد أغلق مدرسة الألسن وأوقف أعمال الترجمة وقَصَرَ توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك، وتم نفي رفاعة إلى السودان سنة 1850م، وهكذا اكفهرَّ وجه الثقافة، وتم تعويق رفاعة عن مشروعه النهضوي الكبير، ولكن رفاعة لم يتوقف، فواصل المشروع في منفاه، وترجم هناك مسرحية «تليماك» لفرانسوا فنلون، وجاهد للرجوع إلى الوطن، وهو الأمرُ الذي تيسَّر بعد موت عباس باشا وولاية سعيد باشا، وكانت أربعة أعوام من النفي قد مرَّت.
عاد رفاعة أنشط مما كان، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس، وعاود عمله في الترجمة المعاصرة، ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربي الأصلية. وقضى رفاعة فترةً حافلة أخرى من العمل المستمر بين الأصالة والمعاصرة، حتى انتكس سعيد فأغلق المدارس وفصل رفاعة عن عمله سنة 1861.
تولى الخديوي إسماعيل الحكم بعد وفاة سعيد سنة 1863، فعاود رفاعة العمل وقضى العقد الأخير من عمره في نشاط مليء بالأمل، فيشرف مرة أخرى وأخيرة على مكاتب التعليم، ويرأس إدارة الترجمة، ويصدر أول مجلة ثقافية في تاريخنا: «روضة المدارس»، ويكتب في التاريخ: «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل»، وفي التربية والتعليم والتنشئة: «مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية»، و«المرشد الأمين للبنات والبنين»، وفي السيرة النبوية: «نهاية الإيجاز في تاريخ ساكن الحجاز»، ومن مؤلفاته أيضًا: «القول السديد في الاجتهاد والتجديد»، وتعريب القانون المدني الفرنساوي، و«مغامرات تليماك»، و«قلائد المفاخر»، و«المعادن النافعة».
بعد أن أمضى رفاعة في الأزهر ست سنوات، جلس للتدريس فيه سنة 1821، وهو في الحادية والعشرين من عمره، والتف حوله الطلبة يتلقون علوم المنطق والحديث والبلاغة والعروض، ثم ترك التدريس بعد عامين والتحق بالجيش المصري النظامي الذي أنشأه محمد علي إمامًا وواعظًا لإحدى فرقه، واستفاد من هذه الفترة الدقة والنظام.
في سنة 1826 قررت الحكومة المصرية إيفاد بعثة علمية إلى فرنسا لدراسة العلوم والمعارف الإنسانية، وقرر محمد علي أن يصحبهم ثلاثة من علماء الأزهر الشريف لإمامتهم في الصلاة ووعظهم وإرشادهم. وكان رفاعة الطهطاوي واحدًا من هؤلاء الثلاثة، ورشحه لذلك شيخه حسن العطار. بدأ رفاعة في أثناء ذلك تعلم اللغة الفرنسية، ولذلك قررت الحكومة المصرية ضم رفاعة إلى بعثتها التعليمية وأن يتخصص في الترجمة، وقبل أن يتقدم رفاعة للامتحان النهائي كان قد أنجز ترجمة اثني عشر عملًا إلى العربية.
أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في الخانقاة، وكانت تبلغ 36 فدانًا، وأهداه محمد علي 250 فدانًا بمدينة طهطا، وأهداه الخديوي سعيد 200 فدان، كما أهداه الخديوي إسماعيل 250 فدانًا، واشترى الطهطاوي 900 فدان، فبلغ جميع ما في ملكه إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما اشتراه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة.
كان رفاعة الطهطاوي يأمل في إنشاء مدرسة عليا لتعليم اللغات الأجنبية، وإعداد طبقة من المترجمين المجيدين يقومون بترجمة ما تنتفع به الدولة من كتب الغرب، وتقدم باقتراحه إلى محمد علي ونجح في إقناعه بإنشاء مدرسة للمترجمين عُرفت بمدرسة الألسن، مدة الدراسة بها خمس سنوات، وافتُتحت المدرسة بالقاهرة سنة 1835، وتولى رفاعة الطهطاوي نظارتها، وكانت تضم في أول أمرها فصولًا لتدريس اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية والفارسية، إلى جانب الهندسة والجبر والتاريخ والجغرافيا والشريعة الإسلامية.
وقد بذل رفاعة جهدًا عظيمًا في إدارته للمدرسة، وكان يعمل فيها عمل أصحاب الرسالات، ولا يتقيد بالمواعيد المحددة للدراسة، وربما استمر في درسه ثلاث ساعات أو أربعًا واقفًا على قدميه دون ملل أو تعب، يشرح لهم الأدب والشرائع الإسلامية والغربية. وقد تخرجت الدفعة الأولى في المدرسة سنة 1839، وكان عددها عشرين خريجًا، وكانت ترجمات هؤلاء الخريجين قد طُبعت أو في طريقها إلى الطبع. وقد اتسعت مدرسة الألسن، فضمت قسمًا لدراسة الإدارة الملكية العمومية سنة 1844 لإعداد الموظفين اللازمين للعمل بالإدارة الحكومية، وقسمًا آخر لدراسة الإدارة الزراعية الخصوصية بعد ذلك بعامين.
كما ضمت قسمًا أُنشئ سنة 1847 لدراسة الشريعة الإسلامية لإعداد القضاة، وأصبحت بذلك مدرسة الألسن أشبه ما تكون بجامعة تضم كليات الآداب والحقوق والتجارة. وكان رفاعة الطهطاوي يقوم إلى جانب إدارته الفنية للمدرسة باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذ المدرسة ومراجعتها وإصلاح ترجمتها.
لم يكتف رفاعة بهذه الأعمال، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بـ«مفاتيح الغيب»، و«معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» في البلاغة، و«خزانة الأدب» للبغدادي، و«مقامات الحريري»، وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود وقتها.
غير أن هذا النشاط تعرَّض للتوقف سنة 1861، حيث خرج رفاعة من الخدمة، وظل عاطلًا عن العمل حتى تولى الخديوي إسماعيل الحكم سنة 1863، فعاد رفاعة إلى ما كان عليه من عمل ونشاط على الرغم من تقدمه في السن، واقتحم مجالات التربية والتعليم بروح عالية يحاول أن يأخذ بيد أمته إلى مدارج الرقي والتقدم، فأشرف على تدريس اللغة العربية بالمدارس، واختيار مدرسيها وتوجيههم، والكتب الدراسية المقررة، ورئاسة كثير من لجان امتحانات المدارس الأجنبية والمصرية.
ومن أبرز الأعمال التي قام بها رفاعة في عهد الخديوي إسماعيل نظارته لقلم الترجمة الذي أُنشئ سنة 1863 لترجمة القوانين الفرنسية، ولم يكن هناك من عباقرة المترجمين سوى تلاميذ الطهطاوي من خريجي مدرسة الألسن، فاستعان بهم في الترجمة، وكان مقر قسم الترجمة حجرة واحدة بديوان المدارس، ولم يمنع ذلك من إنجاز أعظم الأعمال، فترجموا القانون الفرنسي في عدة مجلدات وطُبع في مطبعة بولاق، ولم تكن هذه المهمة يسيرة، إذ كانت تتطلب إلمامًا واسعًا بالقوانين الفرنسية وبأحكام الشريعة الإسلامية لاختيار المصطلحات الفقهية المطابقة لمثيلاتها في القانون الفرنسي.
حين عهد المسؤولون إلى الطهطاوي إصدار مجلة «روضة المدارس» سنة 1870 جعل منها منارة لتعليم الأمة ونشر الثقافة بين أبنائها، فقد نظمها أقسامًا وجعل على رأس كل قسم واحدًا من كبار العلماء. وكانت المجلة تنشر مقالات تاريخية وجغرافية واجتماعية وصحية وأدبية وقصصًا وأشعارًا، كما كانت تنشر ملخصًا لكثير من الدروس التي كانت تُلقى بمدرسة دار العلوم.
اعتادت المجلة أن تُلحق بأعدادها كتبًا أُلِّفت لها على أجزاء تُوزع مع كل عدد من أعدادها بحيث تكون في النهاية كتابًا مستقلًا، فنشرت كتاب: «آثار الأفكار ومنثور الأزهار» لعبد الله فكري، و«حقائق الأخبار في أوصاف البحار» لعلي مبارك، و«الصحة التامة والمنحة العامة» للدكتور محمد بدر، و«القول السديد في الاجتهاد والتجديد» للطهطاوي.
كان رفاعة قد اقترب من السبعين حين تولى أمر مجلة الروضة، لكنه ظل مشتعل الذكاء، لم تنل الشيخوخة من عزيمته، فظل يكتب فيها مقالات حتى توفي في 27 مايو 1873م.
من أهم كتبه:
«مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، و«المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»، و«أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل»، و«نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز»، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكًا جديدًا في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه الآخرون.
أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد على خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذَّبه. وكان كتاب «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» (باريس 1826) أول كتاب يُترجم من لغة أوروبية حديثة ويُنشر باللغة العربية بالقاهرة سنة 1833.
رحمه الله رحمة واسعة.الشيخ رفاعة.. رائد الترجمة