فى عالم لا يتنفس إلا بالبيانات، لم تعد أشباه الموصلات مجرد رقائق صماء، بل هى خلايا عصبية تحرك مفاصل الحضارة الحديثة وبالتالى يأتى إن تحول مصر نحو هذا التصنيع ليس ترفا اقتصاديا بل استرداد لسيادة تكنولوجية تضع العقل المصرى فى قلب المحرك العالمي، فنحن لا نصنع المادة بل نصيغ المستقبل؛ حيث تتحول الرمال البيضاء إلى ثورة رقمية، تنهى عصر التبعية التكنولوجية وتفتح آفاقا لنمو عابر للحدود، إنها معركة الوجود فى زمن السيادة الرقمية؛ حيث يمتزج فيها الذكاء الاصطناعى بعبقرية المكان؛ لتصبح مصر رقما صعبا فى معادلة القوة الدولية محولة شغف شبابها بالابتكار إلى طاقة إنتاجية، توفر مليارات الدولارات، وتصيغ لمصر فجرا جديدا من الريادة التكنولوجية.
يأتى ذلك ليواكب دعوة متخذ القرار على أهمية توطين التصنيع الرقمى خاصة الاستثمار فى مجال إنتاج الرقائق الرقمية والاستفادة منها فى خفض الأسعار للأجهزة الذكية وزيادة الصادرات وتوفير فرص عمل، فحسب دراسة صادرة عن شركة جارتنر وWSTS للأبحاث لا تزال منطقة آسيا والمحيط الهادئ تهيمن على المشهد، حيث استحوذت على 51 فى المائة من الاستهلاك العالمى والإنتاج، وتسيطر تايوان على أكثر من 67 فى المائة من سوق «التصنيع للغير» (Foundry)، وتقريباً 90 فى المائة من الرقائق الأكثر تقدماً (تحت 7 نانومتر)، فيما تقود الولايات المتحدة فى «التصميم» وبدأت فى زيادة حصة التصنيع المحلى بفضل قانون «CHIPS Act»، حيث بلغت استثماراتها الرأسمالية فى 2025 نحو 185 مليار دولار. وتركز الصين على رقائق «الجيل الناضج» (Mature Nodes) لخدمة قطاع السيارات الكهربائية، وتستحوذ على حصة سوقية إجمالية تقترب من 15 فى المائة من حيث الاستهلاك والإنتاج المحلى المجمع. أما عن قطاعات النمو الواعدة فى 2025 فحققت ذواكر النطاق العريض (HBM) نموا بنسبة 70 فى المائة فى 2025 لتصل مبيعاتها إلى 21-30 مليار دولار. وعلى الرغم من تباطؤ الطلب فى بعض الأسواق، إلا أن زيادة «الرقمنة» فى السيارات الكهربائية جعلت هذا القطاع يحافظ على نمو مستقر بنحو 10 فى المائة.
وتلعب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ممثلة فى هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» دورا يتجاوز مجرد التدريب؛ ليلعب دوراً استراتيجياً فى توطين أشباه الموصلات عبر دعم التصميم كأولوية قصوى؛ حيث تدرك «إيتيدا» أن تكلفة بناء مصانع (Fabs) باهظة؛ لذا تركز على القيمة المضافة العالية فى تصميم الرقائق، كما تدعم الهيئة مراكز التصميم فى «مدينة المعرفة» بالعاصمة الإدارية، وتوفر للشركات الناشئة تراخيص برمجيات التصميم (EDA Tools) باهظة الثمن، والتى قد تصل تكلفة الرخصة الواحدة منها لمئات الآلاف من الدولارات، بالإضافة إلى أن «إيتيدا» تقدم حوافز تصديرية للشركات التى تقوم بتصميم الرقائق وتصدير خدماتها للخارج، مما يعزز تدفق العملة الصعبة.
وحسب مبادرة مصر تصنع الإلكترونيات؛ فإن بناء الكوادر المتخصصة وصناعة العقول يعد الدور الأبرز للهيئة، حيث تعمل على سد الفجوة بين التعليم الجامعى واحتياجات السوق، فمن خلال المبادرة تشرف الهيئة على تدريب آلاف المهندسين سنوياً على تقنيات النانو تكنولوجى وتصميم الدوائر المتكاملة بالتعاون مع جامعات عالمية (مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعات تقنية فى ألمانيا تايوان)، كما تتحمل الهيئة جزءاً كبيراً من تكلفة دعم الشهادات الاحترافية المتخصصة لضمان جودة الكادر البشرى المصرى أمام المستثمر الأجنبي، علاوة على سعى الهيئة إلى جذب الاستثمار الأجنبى وتوطين الشركات العالمية؛ حيث تعمل «إيتيدا» كوسيط ذكى لجذب العمالقة عبر استقطاب شركات الـFabless وإقناع هذه الشركات بفتح مراكز بحث وتطوير فى مصر مستغلةً توافر المهندسين بتكلفة تنافسية.
بجانب الترويج لفرص مصر الاستثمارية فى المحافل الدولية والربط بين البحث العلمى والصناعة؛ حيث تعمل الهيئة كحلقة وصل عبر تمويل المشروعات البحثية (ITAC)، برنامج يمول التعاون بين الأكاديميين والشركات لتطوير نماذج أولية لرقائق إلكترونية تخدم قطاعات محلية مثل (العدادات الذكية أجهزة الرى الحديث والسيارات الكهربائية).
تتسابق مصر لتعزيز جاذبيتها فى قطاع أشباه الموصلات عبر حزمة حوافز استراتيجية تهدف لخفض الأعباء الرأسمالية (Capex) وتعظيم القيمة المضافة. وتتصدر هذه الحوافز إعفاءات ضريبية تصل إلى 50 فى المائة من التكلفة الاستثمارية، مع إعفاء كامل للمعدات وبرمجيات التصميم (EDA Tools) من الرسوم الجمركية داخل المناطق التكنولوجية.
وعلى صعيد التشغيل، تتحمل هيئة «إيتيدا» تكلفة تدريب الكوادر ودعم إيجارات مراكز التصميم بمدينة المعرفة، مع منح حوافز نقدية لتصدير الخدمات الرقمية. ورغم هذه الجهود، يرى الخبراء أن المنافسة مع دول كالهند وفيتنام تتطلب «حوافز نوعية» إضافية، أبرزها ضمان استقرار أسعار الطاقة للصناعات الكثيفة، وتفعيل «الرخصة الذهبية» لتسريع إنشاء مصانع التغليف والاختبار (OSAT).
إن نجاح مصر فى هذا المضمار مرهون بتحويل هذه الحوافز من نصوص تشريعية إلى واقع إجرائى يقلص البيروقراطية، ويضمن للمستثمر الأجنبى بيئة عمل مستقرة تضاهى مراكز التصنيع العالمية.
كشف أحمد الجندى مدير عام إحدى الشركات المتخصصة فى إنتاج الأجهزة المنزلية أهمية التوجه نحو الاستثمار فى مجال إنتاج الرقائق الإلكترونية لدعم عملية التصنيع وتلبية متطلبات الأسواق من الأجهزة المختلفة، خاصة أنه قبل انتشار كورونا كانت سلاسل التوريد تعتمد على دول معينة كالولايات المتحدة والصين، ساهم فى تفاقم أزمة نقص الرقائق فى العالم وبالتبعية ارتفاع الأسعار، وأضاف الجندى فى تصريحات خاصة لـ»المصور» أن صناعة الرقائق تتماشى مع استراتيجية الحكومة المصرية الهادفة نحو توطين صناعة الإلكترونيات، وذلك بهدف سد حاجة السوق وتصنيع منتج محلى يعزز خفض الأسعار، ويتيح فرصة لتنمية الصادرات الصناعية والرقمية، فضلاً عن توفير كم هائل من فرص العمل بمجال واعد، ويشجع الشركات العالمية على الاستثمار فى مصر، مشيرا إلى أن تلك الصناعة تحتاج إلى تكنولوجيا متطورة واستثمارات ضخمة، متابعا أن المبادرة الرئاسية «مصر تصنع الإلكترونيات» تمثل حجر الزاوية فى 2026. وصرح بأن مصر لا تستهدف حالياً بناء «Fabs» (مصانع رقائق) متقدمة تنافس TSMC (التى يتطلب المصنع الواحد فيها نحو 20 مليار دولار)، بل تركز على تصميم الدوائر المتكاملة (IC Design)؛ حيث تمتلك مصر ميزة تنافسية كبرى بوجود أكثر من 60 شركة متخصصة فى التصميم، مع نمو سنوى بنسبة 15 فى المائة. وذلك بالتزامن مع توسع عمليات شركات عالمية فى مصر فى 2025/2026 للاعتماد على الكوادر الهندسية المصرية الأقل تكلفة والأعلى كفاءة فى المنطقة، علاوة على تعزيز إنتاج الأنظمة المدمجة (Embedded Systems)؛ حيث أصبحت مصر مركزاً إقليمياً لتصميم برمجيات السيارات والرقائق المشغلة لها.
وقال الجندى لـ«المصور»: القيمة المضافة فى 2026، تستهدف الوصول إلى إنتاج «الويفر» وهى أسطوانات الخام التى تُطبع عليها الرقائق، مما يضع مصر كلاعب فى «سلسلة الإمداد» وليس فقط كصانع نهائي. مشيداً بالتوجه حكومى القوى لتقليل تصدير الرمال البيضاء (السيليكا) كمادة خام، والبدء فى مشروعات استخلاص «السيليكون المعدني» ثم «بولى سيليكون».
ومن جانبه كشف أحمد سالم مدير مصنع متخصص فى إنتاج الدوائر الإلكترونية عن أن الفجوة بين «التصميم البرمجي» و«التصنيع الفعلي» لا تزال تتطلب استراتيجيات عابرة للحدود لافتاً فى هذا الصدد، إلى خمس عقبات رئيسية تعوق الانطلاق الكامل خلال عام 2026: أولاها فجوة التمويل الرأسمالى (Capex) حيث تُعد تكلفة إنشاء مصنع واحد للرقائق (Fab) من الجيل المتوسط عقبة كبرى، حيث تتراوح الاستثمارات المطلوبة بين 5 إلى 10 مليارات دولار. وفى ظل التحديات الائتمانية العالمية، مع الاعتماد على الاستثمار الأجنبى المباشر (FDI) لأنه هو المسار الوحيد، وهو ما يتطلب ضمانات سيادية وحوافز ضريبية غير مسبوقة للمنافسة مع أسواق مثل فيتنام والهند. أما المعضلة الثانية «المياه الفائقة» والطاقة المستدامة؛ حيث تتطلب صناعة الرقائق كميات هائلة من المياه فائقة النقاء (UPW) وكهرباء مستقرة دون انقطاع لثانية واحدة (Zero Latency Power). ورغم الطفرة فى الطاقة المتجددة بمصر، إلا أن توطين هذه الصناعة يتطلب بنية تحتية هندسية «متخصصة جداً» لم تكتمل بعد فى المناطق الصناعية الحالية.
أكد سالم أنه نقص الكوادر البشرية يعد ثالث العقبات، فرغم امتلاك مصر لآلاف المهندسين المهرة فى تصميم الدوائر المتكاملة (IC Design)، إلا أن السوق المحلى يعانى من «نزيف الكفاءات» نحو الشركات العالمية فى أوروبا وأمريكا متابعا أن التحدى فى 2026 يكمن فى خلق نظام بيئى (Ecosystem) يبقى على هذه المواهب داخل الحدود عبر رواتب تنافسية ومراكز بحثية متطورة، كما نوه سالم إلى سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المتخصصة، فصناعة الرقائق لا تعتمد على السيليكون فقط، بل على غازات كيميائية نادرة ومعدات تصوير ضوئى تحتكرها شركات معدودة فى العالم (مثل ASML) لافتاً إلى أن قيود التصدير الدولية والصراعات الجيوسياسية تجعل تأمين هذه المدخلات لمصنع داخل مصر تحدياً دبلومساً وتقنياً معقداً، مشدداً على أن غياب الصناعات المغذية يعتبر خامس العقبات؛ حيث لا يمكن بناء مصنع رقائق من فراغ؛ فالقطاع يحتاج إلى شبكة من الشركات الصغيرة والمتوسطة التى توفر التغليف والاختبار وصناعة اللوحات المطبوعة (PCB)، مبيناً أن هذه «الحلقة المفقودة» تجعل تكلفة الإنتاج المحلى حالياً أعلى من الاستيراد من شرق آسيا، وأوضح سالم أهمية تبنى الحكومة مشروع ضخم لتصنيع الرقائق الإلكترونية داخل مبادرة مصر تصنع، على أن يمد كافة مراكز تجميع الأجهزة أو مصانع الشركات بالمكونات الداخلية والمواد الخام اللازمة لاستكمال عملياتها بأقل الأسعار الممكنة، الأمر الذى يدعم توطين الصناعات المغذية من دوائر اإلكترونية والأسلاك والصاج من جهة، ومن جهة أخرى بناء ذراع تصديرية قوية للدولة المصرية يعظم من جذب الاستثمارات الأجنبية.
من جانبه قال المهندس يسرى عتلم، خبير تكنولوجيا المعلومات إن أشباه الموصلات هى نفط القرن الحادى والعشرين، وعقول شبابنا هى المصافى التى ستكرر هذا النفط؛ فإذا أحسنا الاستثمار فى تدريبهم سنقود القاطرة التكنولوجية فى المنطقة بأكملها، مؤكداً أن مصر تقف أمام فرصة تاريخية لاقتناص حصة عادلة من سوق أشباه الموصلات العالمي، مشدداً على أن العنصر البشرى ليس مجرد ترس فى آلة التصنيع، بل هو الركيزة الأساسية والميزة التنافسية الأقوى التى تمتلكها الدولة المصرية فى ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، لافتاً إلى أن المهندس المصرى أثبت كفاءة استثنائية فى مجالات التصميم والبرمجة المعقدة، وهى الكفاءة التى تترافق مع ميزة التنافسية السعرية؛ حيث تُعد تكلفة التشغيل فى مصر أقل بكثير من نظيراتها فى أوروبا وشرق آسيا، ما يجعل القاهرة الوجهة الأكثر جذباً لعمالقة التكنولوجيا الباحثين عن مراكز تصميم وتطوير عالية الجودة وذات تكلفة اقتصادية محفزة.
وأوضح عتلم فى تصريحات خاصة لـ«المصور» أن الاستثمار فى تدريب الكوادر المصرية على تصنيع وتصميم الرقائق الذكية سيعود على الدولة بمكاسب اقتصادية هائلة أبرزها تقليل فاتورة الاستيراد التكنولوجى التى تستنزف العملة الصعبة، وتحويل مصر من مستهلك نهائى للتقنية إلى مصدر للحلول المبتكرة، مضيفاً أن توطين هذه المعرفة سيوفر على موازنة الدولة المليارات، ليس فقط عبر الإنتاج المحلى بل من خلال جذب استثمارات أجنبية مباشرة تسعى للاستفادة من جيش مصر الرقمي.
وعن الآليات المطلوبة، حدد عتلم خارطة طريق ترتكز على ثلاثة محاور: أولاً إطلاق «أكاديميات تخصصية» بالشراكة مع رواد الصناعة العالميين لنقل المعرفة (Know-how) فى تقنيات النانو، أما المحور الثانى فيشمل توسيع نطاق المختبرات الافتراضية التى تتيح للمهندسين الشباب التعامل مع أدوات التصميم العالمية، ويرتكز المحور الثالث على صياغة برامج تعليمية «بينية» تجمع بين علوم الحاسب وهندسة الإلكترونيات لضمان تخريج جيل قادر على محاكاة لغة المستقبل.