قالت الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن استخدام الهواتف المحمولة لدى الأطفال من القضايا الخطيرة، فمخاطر الاستخدام المفرط للهاتف تفوق بكثير ما قد نتخيله، إذ يدخل الأطفال من خلاله إلى عالم يشبه «حقل ألغام»؛ لا يعرفون أين تكمن المخاطر، ولا يمتلكون الوعي الكافي الذي يساعدهم على التمييز بين ما ينبغي مشاهدته وما يجب تجنبه.
وأوضحت زكريا، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن العديد من الدول المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تفرض قيودًا صارمة على استخدام الأطفال للتكنولوجيا، انطلاقًا من إيمانها بأن الطفل يحتاج إلى فترة زمنية كافية للنضج العقلي والفكري والوجداني، مضيفة أن هذا الأمر في مجتمعاتنا تُرك دون ضوابط، حيث أصبح الهاتف وسيلة لإشغال الأطفال، في مقابل انشغال الكبار به أيضًا، مما أدى إلى تراجع التواصل الاجتماعي المباشر داخل الأسرة، وأصبح كل فرد منعزلًا في عالمه الخاص، ينفتح من خلاله على عوالم غير معروفة الحدود أو التأثيرات.
وأضافت أن التعامل مع هذه الفوضى يتطلب اتخاذ مسارين متوازيين: الأول هو سن تشريعات تنظم استخدام الهواتف، والثاني – وهو الأهم – نشر الوعي، مشيرة إلى أنه يجب أن تبدأ حملات التوعية داخل المدارس منذ المراحل الابتدائية، من خلال متخصصين ومدربين، وليس المعلمين فقط، لتوعية الأطفال بالمخاطر المحتملة، وتقديم أمثلة واقعية للمحتوى الضار، بما يتناسب مع أعمارهم.
وأشارت إلى أن الاستخدام الآمن للهاتف المحمول، لا يتعلق بالسن وحده بقدر ما يتعلق بنوعية الاستخدام، فالهاتف يمكن أن يقتصر على المكالمات أو الرسائل الضرورية فقط، دون الانفتاح على الإنترنت أو التطبيقات المفتوحة، مشددة على أهمية إعادة تنظيم علاقتنا بالوقت، وتحديد ساعات خاصة للراحة والنوم، وعدم الشعور بضرورة الاستجابة الدائمة لكل اتصال أو رسالة، فذلك يسبب ضغطًا نفسيًا بالغًا للكبار قبل الصغار.
وأكدت أهمية استخدام الأجهزة الإلكترونية مثل الهاتف المحمول والحاسوب في أوقات محددة لأن ذلك يقلل من التعرض المستمر للإشعاع والإجهاد العصبي، مشددة على أن إن ترك الأطفال دون ضوابط أسرية أو مدرسية يعرضهم لمستقبل مجهول ومخيف، ويجعلهم فريسة سهلة للإدمان الرقمي، واضطرابات النوم، وضعف العلاقات الاجتماعية، ومن ثم، فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التربوية، والإعلام.
وأضافت أن الأمر لا يقتصر على التشريع والرقابة الأسرية فقط، بل يجب أن يصاحبه توجيه إعلامي وتربوي ذكي، باستخدام لغة يحبها الأطفال، ومنصات يتفاعلون معها، مشددة على أهمية إحياء وسائل تربوية قديمة أثبتت نجاحها، مثل القصص والحكايات التي تحمل قيماً أخلاقية وتربوية، والتي طالما كانت وسيلة فعالة في تنشئة الأطفال، إلى جانب المجلات الورقية المخصصة لهم، أو تطويرها في صورة إلكترونية جذابة وآمنة.
وأكدت أن حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا مسؤولية جماعية، تتطلب وعيًا وتشريعًا وتنظيمًا وتربية مستمرة، لضمان إعداد جيل واعٍ وقادر على بناء مستقبل آمن وسليم.