"الدور الهام للقضاة يتمثل في إرساء مبادئ العدالة، وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وضمان سيادة القانون، ويتطلب ذلك تحقيق مواجهة فعالة وسريعة لكافة التحديات والعقبات التي تعوق خدمات التقاضي".. هذا ما أرساه رؤساء المحاكم والمجالس الدستورية والمحاكم العليا الدستورية، في فعاليات اجتماع القاهرة التاسع رفيع المستوى، وأصدر جموع قضاة أفريقيا المشاركين في الاجتماع 24 توصية استراتيجية تهدف إلى تعزيز التعاون القضائي القاري، وترسيخ دعائم الدولة الديمقراطية الحديثة، وأعرب القضاة الأفارقة عن تقديرهم للرئيس عبد الفتاح السيسي لرعايته لهذا المحفل القضائي الدولي.
وعن استقلال القضاء ودوره العريق، وعن دور هذا الاجتماع التاريخي بين قضاة أفريقيا، صرّح المستشار عدنان فنجرى، وزير العدل، أن هذا الاجتماع يمثل إطارًا قاريًا مهمًا توليه الدولة أهمية خاصة، حرصًا على الشراكة الأفريقية نحو ترسيخ القضاء الدستوري بوصفه ضمانة الاستقرار للمجتمعات، مشيرًا إلى أن توقيت عقد الاجتماع يأتي في ظل تزايد التحديات والتغيرات المتسارعة، بما يزيد من أهمية التعاون القضائي، وأن تلك التحديات المتسارعة تنعكس على الشأن القضائي، بوصفه ليس شأنًا وطنيًا خالصًا، بل يستلزم تبادل الخبرات والتعاون من أجل تحقيق المشروعية الدستورية والقانونية.
وأوضح أن المؤتمر يتناول العديد من الجوانب الجوهرية، وعلى رأسها استقلال القضاء الدستوري بما يحفظ التوازن والاستقرار في المجتمعات، وأن الوعي الدستوري، وإيجاد منصة للحوار وتبادل الخبرات، وتطوير الأداء القانوني والدستوري، يمثل فرصة مهمة تنعكس على استقرار مجتمعات وشعوب القارة، وضمانة لتحقيق عدالة ناجزة.
وصرّح المستشار بولس فهمي، رئيس المحكمة الدستورية العليا، أن القضاء الدستوري الأفريقي ساهم في تحقيق السلم الاجتماعي لدول القارة، وترسيخ مفاهيم الديمقراطية والحكم الرشيد والاستقرار المجتمعي، وتأسيس مبادئ الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية، معربًا عن تطلعه إلى أن يساهم اجتماع القاهرة في تحقيق المزيد من الاستقرار لدول القارة الأفريقية وتنمية أوطاننا.
وقال إن القضاة الدستوريين هم من يقومون على صيانة الدساتير وحماية الحقوق والحريات، وأن الأمم تتباهى بمدوناتها القانونية وتحتفي بها، ليمتد ذلك الأثر إلى الاحتفاء بالمؤسسات القضائية كعقل للمنظومة الدستورية، وعلى هداه تتربع العدالة ويتصدر الحق.
وأوضح بولس أن استقلال القضاء الدستوري لم يكن يومًا درسًا نظريًا أو رفاهية مؤسسية، ولكنه وليد حاجة بشرية عبر تجارب متنوعة، بأن الدساتير مهما ارتفع شأنها لا تستطيع تحقيق مرادها ما لم يكن هناك قاضٍ مستقل قائم على شؤونها، وأن استقلال القضاء الدستوري ليس حصانة للقضاة القائمين على شؤونه، وإنما هو حق للشعوب، موضحًا أن القاضي الدستوري هو الذي يفكك الأزمات، ويحمي حقوق المواطنين، ويوازن الاختصاصات بين سلطات الدولة عبر فهم عميق للنصوص الدستورية.
وانتهى الاجتماع إلى 24 توصية هامة، كالتالي:
أولًا: توفير الحماية الدستورية والقانونية للحقوق والحريات لا يقوم إلا بوجود قضاء مستقل، وعلى جميع سلطات الدولة الالتزام بضمان هذا الاستقلال والدفاع عنه.
ثانيًا: استقلال القضاء حق من حقوق الإنسان، لا ينفك عن حقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، وحقه في محاكمة قانونية عادلة ومنصفة، وحقه في توفير الحماية القانونية المتكافئة.
ثالثًا: جوهر استقلال القضاء يحققه قيام المحاكم بالفصل في المنازعات المعروضة عليها بعدالة وحياد، بعيدًا عن أية ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، أيًا كان سببها أو مصدرها.
رابعًا: استقلال القضاء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشفافية وعلانية الإجراءات القضائية، بما لا يخل بمقتضيات النظام العام والآداب العامة.
خامسًا: استقلال القضاء يُلزم منتسبيه بالابتعاد عن الأنشطة والأعمال السياسية والإعلامية.
سادسًا: استقلال القضاء يوجب تعيين واختيار وترقية القضاة وفق معايير قضائية راسخة، تقوم على أسس من الكفاءة والنزاهة والخبرة والحيادية، بغير تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو غير ذلك من صور التمييز غير المبررة.
سابعًا: القضاة غير قابلين للعزل، ويتمتعون بضمان البقاء في وظائفهم لحين بلوغ سن التقاعد أو انتهاء المدة، للأسباب التي يعينها الدستور أو القانون للمنصب القضائي، ولا يجوز فصلهم إلا تأديبيًا من خلال إجراءات عادلة ومستقلة ومحايدة، يتولاها القضاة وحدهم.
ثامنًا: للسلطة القضائية، دون غيرها، ولاية الفصل في المنازعات ذات الطابع القضائي، وتنفرد بتحديد المسائل الداخلة في ولايتها وفقًا للدستور والقانون، وتتولى أمر إسناد القضايا إلى القضاة، ولا تخضع أحكامها للرقابة أو الطعن أمام أية سلطة أو جهة أخرى.
تاسعًا: استقلال القضاء يتطلب توفير الموارد الكافية التي تُمكّن السلطة القضائية من أداء وظيفتها الدستورية بصورة كاملة، كما يرتبط بتهيئة المنشآت والمباني والمرافق الحديثة اللازمة لتقديم خدمات التقاضي للأفراد، وتكفل الدولة تحقيق الاستقلال المالي اللازم للهيئات القضائية.
عاشرًا: أهمية التدريب الدوري للقضاة، خاصة في المسائل القانونية المستحدثة، كأحد العناصر الرئيسية لضمان استقلال القضاء وأدائه لدوره الدستوري، ونُشدد على أهمية التعاون الدولي في وضع وصياغة برامج التدريب وبناء القدرات.
حادي عشر: إن بطء إجراءات التقاضي والزيادة الكبيرة في أعداد القضايا وتأخر الفصل فيها من العقبات التي تقوض الثقة في منظومة العدالة، وتعوق تطور المبادئ القضائية، وتمس الأمن القانوني واستقرار الأوضاع المجتمعية، وهو ما يوجب اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهتها، بما لا يخل بالتوازن بين جودة العمل القضائي من ناحية، وبين سرعة الفصل في القضايا من ناحية أخرى، ونوصي في هذا الشأن بدراسة الأخذ بنظام غرفة المشورة، ونظام هيئات التحضير أو لجان الفحص الداخلية للدعاوى الدستورية، ودراسة ومراجعة الضوابط الإجرائية المنظمة لرفع وإحالة الدعاوى الدستورية.
ثاني عشر: توفير الترضية القضائية بصورة ميسرة ومنجزة ومنصفة، يؤدي إلى خلق بيئة تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وتدعيم سيادة القانون، والمحافظة على الأمن والنظام العام والسلامة والصحة العامة، وحماية حقوق الإنسان وحرياته.
ثالث عشر: ملاءمات التشريع والبواعث عليه من إطلاقات السلطة التشريعية، ولا تتدخل فيها السلطة القضائية أو تُخضعها للرقابة القضائية، ما لم يقيدها الدستور أو القانون بحدود وضوابط معينة، كما لا تمتد الرقابة القضائية إلى أعمال السيادة، وفي القلب منها الأعمال السياسية.
رابع عشر: إن الإعلام يلعب دورًا حيويًا في مخاطبة الرأي العام، ونشر المعلومات والأخبار المتاحة للعامة، والتعبير عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية، ويقع على وسائل الإعلام الالتزام باحترام استقلال القضاء وأحكامه، والابتعاد عن محاولات التأثير المباشر أو غير المباشر في الفصل في القضايا.
خامس عشر: التأثير البالغ للتطورات التقنية والرقمية على المجتمع، ودور هذه التطورات في تحقيق التنمية، مما يرتبط بضرورة توفير بيئة سيبرانية ورقمية آمنة، وإصدار التشريعات وتبني السياسات التي تواكب هذه التطورات، ووضع تدابير وأطر قانونية وتنفيذية لضمان الحفاظ على الأمن القومي والنظام العام والصحة والآداب العامة، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، خاصة في مجال حماية البيانات الشخصية.
سادس عشر: إن استفادة الهيئات القضائية من التطورات التقنية والرقمية المختلفة غدت ضرورة لتوفير خدمات التقاضي بصورة آمنة وميسرة وناجزة.
سابع عشر: الاستعانة بآليات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في هيئاتنا القضائية، وإن كان وسيلة مساعدة ومكملة للعمل القضائي، إلا أنه ليس بديلًا عن العامل البشري إطلاقًا، إذ يتعين أن يكون تحت الإشراف الكامل لأعضاء الهيئات القضائية.
ثامن عشر: إن الشفافية، وحماية الحق في الخصوصية، وصون البيانات الشخصية، وعدم تعريض حقوق الأفراد وحرياتهم للخطر، من أهم المبادئ الرئيسة الحاكمة لاستعانة الهيئات القضائية بالتطورات الرقمية الحديثة، وفي القلب منها الذكاء الاصطناعي.
تاسع عشر: إن التحديات والإشكاليات التي تواجه الاستعانة بالتطورات المعلوماتية والرقمية في مجال العمل القضائي، تتطلب التوافق على معايير ومبادئ مشتركة، والاستفادة من التجارب الدولية في تحقيق المواجهة التشريعية والتنفيذية، وصياغة وتطوير التدابير والإرشادات والسياسات الوطنية، وتلافي السلبيات التي أسفرت عنها هذه التجارب.
عشرون: إن وضع أطر قانونية وتنفيذية للتعامل مع التطورات التقنية والرقمية ضرورة في مجال العمل القضائي، بما يحقق التوازن بين الاستفادة منها وبين احترام مبادئ وقواعد الشفافية والمحاسبة والعدالة، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم.
واحد وعشرون: إن الاستمرار في رفع كفاءة المؤسسات القضائية الإفريقية لمواكبة التطورات التقنية والرقمية، يوجب رفع كفاءة بنيتها التحتية.
اثنان وعشرون: إن تضمين الآليات والتطبيقات الرقمية الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، في العمل القضائي يجب أن يكون مرحليًا ومتدرجًا، ويتعين إجراء الأبحاث والدراسات في كل مرحلة حول آثارها على منظومة العدالة.
ثلاثة وعشرون: نُشيد بأعمال وأنشطة مركز البحوث والدراسات الدستورية الأفريقية خلال العام الماضي، ونوصي الهيئات القضائية الأفريقية باستمرار التعاون مع المركز، والاستعانة بالدراسات والأبحاث والأنشطة العلمية التي يضطلع بها، خاصة برامج تدريب وإعداد القضاة.
أربعة وعشرون: اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الفساد، وضمان حيادية وشفافية ونزاهة العمل القضائي، من أجل تعزيز الثقة في المؤسسات القضائية، وهو ما يعد أحد العناصر الرئيسية لضمان استقلال القضاء.