في الذكرى الواحد والخمسين لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم، التي شكّلت بصوتها وفنها علامة بارزة فى وجدان الوطن العربي، تظل سيرتها الذاتية واحدة من أكثر السير ثراءً في تاريخ الفن، فعلى مدار العديد من السنوات حاول صناع الفن الاقتراب من هذه التجربة الإنسانية الفريدة، وتقديمها عبر قاعات السينما والدراما التلفزيونية والإذاعة والمسرح أيضا، كل وفقاً لرؤيته، سعيًا لتقديم صورة تليق بأسطورة لا تغيب.
وفى التقرير التالى نرصد أبرز الاعمال التى جسدت سيرة سيدة الغناء العربى «أم كلثوم».
يُعد مسلسل «أم كلثوم»، الذي عُرض عام 1999، أكثر الأعمال الفنية نجاحًا وتأثيرًا في تجسيد السيرة الذاتية لسيدة الغناء العربي، وهو العمل الذي قامت ببطولته الفنانة صابرين، وشكّل علامة فارقة في تاريخ الدراما العربية، وحقق نجاحًا جماهيريًا ونقديًا استثنائيًا ومازال الجميع يتابعه حتى أثناء عرضه الآن على الشاشات دون ملل.
وصل تأثير المسلسل إلى حد أن صابرين أعلنت اعتزالها التمثيل بعده، مؤكدة في تصريحات لاحقة أن العمل دفعها لاتخاذ قرار الابتعاد عن الفن لمدة ست سنوات، بعدما كتب النقاد آنذاك أنها لن تجد دورًا آخر يضاهي ما قدمته في «أم كلثوم»، وهو ما أدخلها في حالة من التخبّط النفسي، رغم محاولات الفنانين محمود عبد العزيز ويحيى الفخراني إقناعها بالعدول عن القرار.
قدّم العمل سردًا دراميًا متكاملًا لمسيرة أم كلثوم، بداية من نشأتها في قرية طماي الزهايرة التابعة لمركز السنبلاوين، مرورًا بطفولتها ودور والدها الشيخ البلتاجي في اكتشاف موهبتها ودعمها، ومشاركتها له في الإنشاد الديني بالموالد والأفراح، ثم انتقالها إلى القاهرة برفقة أسرتها، حيث واجهت منافسة شرسة ومعوقات عديدة، إلى أن نجحت في فرض موهبتها وتحوّلت إلى نجمة الغناء الأولى في العالم العربي.
شارك في بطولة المسلسل نخبة كبيرة من النجوم، أبرزهم حسن حسني في دور الشيخ البلتاجي (والد أم كلثوم) سميرة عبد العزيز في دور والدتها، أحمد راتب في دور القصبجي، رشوان توفيق في دور الشيخ أبو العلا محمد، كمال أبورية في دور الشاعر أحمد رامي، نادية رشاد في دور منيرة المهدية، والفنان عبد العزيز مخيون في دور الموسيقار محمد عبد الوهاب، كما جسدت الفنانة سهر الصايغ شخصية أم كلثوم في طفولتها والفنانة ريهام عبد الحكيم جسدت شخصيتها في فترة المراهقة، والعمل من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج أنعام محمد على..
كواليس الاختيار والإنتاج
كشفت المخرجة إنعام محمد علي أن الفنانتين نجلاء فتحي وسوسن بدر كانتا من بين المرشحات لبطولة العمل، وأنها كانت تبحث عن ممثلة ليست من نجمات الصف الأول لذا لم تتوافق رؤيتها معهما، حتى لا تكون صورتهما الذهنية كنجمات ذات مكانة كبيرة محفورة في ذاكرة الجمهور، ليستقر الاختيار في النهاية على صابرين، وقد استغرق التحضير للمسلسل ثلاثة أعوام، بينما استمر التصوير لمدة عام كامل، بتكلفة قاربت خمسة ملايين جنيه مصري آنذاك، ورغم اعتراض أسرة أم كلثوم وإرسالهم إنذارات قضائية لوقف العمل، عُرض المسلسل وحقق نجاحًا مدويًا.
فيلم «كوكب الشرق» (1999).. تجربة سينمائية تهتم بالجانب الاجتماعي
في العام نفسه، قُدّم فيلم «كوكب الشرق»، الذي تناول جانبًا محددًا من حياة أم كلثوم منذ عام 1944، مسلطًا الضوء على حياتها الاجتماعية بعيداً عن الفن، رغم أهمية الموضوع، لم يحقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا آنذاك.
جسدت الفنانة فردوس عبد الحميد شخصية أم كلثوم، ووصفت التجربة بأنها «صعبة»، مؤكدة أن الاقتراب من شخصية بهذه الكاريزما والحضور الطاغي لابد أن يثير الرهبة، وأوضحت أنها استغرقت وقتًا طويلًا في التحضير، استمعت خلالها لأغنيات أم كلثوم، وقرأت كل ما كُتب عنها، كما جلست مع الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين، الذي كانت تربطه علاقة صداقة قوية بأم كلثوم، وشارك في بطولة الفيلم محمود ياسين، ومحمود قابيل، وأحمد خليل، وهو من تأليف إبراهيم الموجي، وإخراج محمد فاضل.
أم كلثوم والعندليب
وإذا كانت أم كلثوم هى البطل الرئيسى فى هذه الأعمال، لكنها أيضاً كانت حاضرة بقوة فى أعمال أخرى لكونها ملهمة ومؤثرة على أبطال هذه الأعمال، ففى الدراما التليفزيونية، ارتدت الفنانة سلمى غريب عباءة أم كلثوم بتجسيد دورها فى مسلسل «العندليب حكاية شعب» الذى تم عرضه سنة 2006 ، والذى تناول السيرة الذاتية والفنية للفنان عبدالحليم حافظ ، وهو من تأليف مدحت العدل وإخراج جمال عبدالحميد، حيث كانت هناك العديد من الأحداث والمواقف التى ربطت بين «الست» و«العندليب»، ولنفس السبب ظهرت أيضاً عندما تم تقديم حياة العندليب على الشاشة الفضية من خلال فيلم «حليم» الذى قام ببطولته الفنان أحمد زكى، وجسدت دورها فى هذه المرة الفنانة سلوى عزب.
وعندما قدم التليفزيون السيرة الذاتية للفنانة ليلى مراد فى مسلسل بعنوان «أنا قلبى دليلى»، كان لكوكب الشرق حضورها أيضاً فيه، حيث قامت بتجسيد شخصيتها الفنانة فرح إسماعيل.
المسلسل الإذاعي «حُسن الحياة» (2016)
جسدت المطربة مروة ناجي شخصية أم كلثوم في إحدى حلقات المسلسل الإذاعي «حُسن الحياة»، الذي تناول السير الذاتية لعشر شخصيات نسائية مؤثرة في تاريخ مصر، وشارك في بطولته عدد كبير من الفنانات، من بينهن سوسن بدر، وهالة صدقي، وحنان مطاوع، وهو من إخراج فاطمة حسن.
منى زكي وتجسيد السيرة في «الست»»
قدّمت الفنانة منى زكي مؤخرًا السيرة الذاتية لأم كلثوم في فيلم «الست»، بمشاركة عمرو سعد، ومحمد فراج، وسيد رجب، وأحمد حلمي كضيف شرف، العمل من تأليف أحمد مراد، وإخراج مروان حامد.
وأشار مخرج العمل مروان حامد بأن هذا الدور الصعب يحتاج إلى ممثلة بقدرات منى زكي التمثيلية، مشيراً إلى أنها قدمت أداءً قوياً خلال الفيلم سيكون له تأثير عاطفي قوي على الجمهور. وصرح حامد أن الفنانة منى زكي خضعت لمدة عام كامل لدروس الغناء ودروس الحركة، وتدريبات اللهجة، والعديد من بروفات الماكياج، وكان عليها الجلوس على كرسي الماكياج لمدة ست ساعات كل يوم قبل أن تبدأ الكاميرات في التصوير.
العمل بطولة منى زكي وعدد كبير من الفنانين، منهم عمرو سعد، ومحمد فراج، وأحمد خالد صالح، وسيد رجب، وتامر نبيل، وأحمد داوود، وأحمد حلمي، كضيف شرف بالعمل، وتأليف أحمد مراد، وإخراج مروان حامد.
دايبين في صوت الست
في شهر نوفمبر عام 2025، تم اطلاق عمل مسرحي غنائي عن كوكب الشرق أم كلثوم، وحمل العرض اسم «أم كلثوم.. دايبين في صوت الست» لتُعيد إلى الأذهان سيرة كوكب الشرق في عمل فني مميز، جمع العرض المسرحي بين الدراما الغنائية والسرد في تجربة فنية تستعرض المحطات الأبرز في حياة سيدة الغناء العربي، منذ نشأتها في قريتها مرورًا برحلتها إلى القاهرة، وصولًا إلى تحولها إلى أيقونة عربية ذات تأثير عالمي في الموسيقى والطرب.
شارك في العمل نخبة من المبدعين، حيث كتب السيناريو والأشعار مدحت العدل، وتولى الإخراج أحمد فؤاد، بينما قدّم خالد الكمار وإيهاب عبد الواحد الألحان والموسيقى، وتولى تدريب الأصوات كل من الدكتورة جيهان الناصر والدكتورة إيمان حسني.