فقبل إعادة افتتاح المعبر من الجانبين المصرى والفلسطينى، أصرت مصر على أن يتم ذلك بمقتضى اتفاقية المعبر المبرمة قبل نحو خمسة عشر عاما مضت، والتى تقضى بعدم أى تواجد إسرائيلى فى الجانب الفلسطينى، وأن تتم عملية العبور فيه من الجانبين، وتحت إشراف مراقبين أوروبيين فى الجانب الفلسطينى.. وقد تحقق لمصر ما أرادته بالفعل، وتمت إدارة المعبر فى الجانب الفلسطينى من قِبل عناصر فلسطينية تحت إشراف السلطة الفلسطينية، ولذلك أقامت إسرائيل نقطة تفتيش أمنية بعيدا عن المعبر لإعادة تفتيش العابرين للمعبر فى منطقة محور صلاح الدين، المفترض أن تنسحب منه مع بقية المساحة المحتلة من أراضى القطاع تدريجيا، كما تقضى خطة ترامب فى مرحلتها الثانية.
وهكذا أصرت مصر على فتح المعبر من الجانبين معا، وأن يتم تنظيم العمل فيه بمعرفتها بمشاركة السلطة الفلسطينية وبمراقبة أوروبية، وكان لها ما أرادت بالفعل.. ولكن ذلك لم ينهِ معركة المعبر بعد، بل اتخذت هذه المعركة عنوانا آخر لإصرار حكومة نتنياهو على استخدام المعبر سبيلا لتنفيذ خطتها لطرد أهل غزة من أرضهم.. وهذا ما كشفته بشكل صريح صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية مؤخرا، حينما قالت إن حكومة نتنياهو تتمسك بأن تكون أعداد الخارجين من القطاع عبر المعبر أكبر من أعداد العائدين إليه يوميا.. وتحديدا أن يخرج من القطاع يوميا نحو 150 فلسطينيا مقابل 50 فلسطينيا فقط يدخلون إلى القطاع، وبشرط لن يكونوا قد خرجوا منه بعد السابع من أكتوبر، لكن مصر أصرت أن يتوازى رقم الخارجين من القطاع مع رقم الداخلين إليه، أى خمسين شخصا، وحتى هذا العدد ستحاول سلطات الاحتلال تخفيضه لأنها تحتفظ بحق بمراجعة أسماء الذين يستخدمون المعبر للعودة إلى القطاع مجددا، أى أنها ستضع عراقيل لتخفيض عدد الفلسطينيين العائدين إلى القطاع دون مستوى رقم الخمسين الذى يتضمنه القطاع، فضلا عن أنها تصر على استخدام المعبر فقط لدخول الأفراد فقط، وليس السلع، لتظل تحتكر حق تفتيش المساعدات الداخلة للقطاع عبر معبر كرم أبو سالم.
ومن المؤكد أن ذلك كله تدركه مصر وتتحسب له حتى لا تستغل إسرائيل المعبر للتخلص من أهالى غزة وتنفيذ خطة طردهم من أراضى القطاع، وهو الأمر الذى ما زال يراود ترامب ذاته، كما اعترف بذلك مؤخرا، فى أحد تصريحاته الإعلامية التى لا تتوقف يوميا.
إن التقديرات تشير إلى وجود نحو 30 ألف فلسطينى من أهل غزة هم من المصابين والجرحى وأسرهم، المفترض أن يعودوا إلى القطاع، رغم أنه غير جاذب بالمرة للعيش فيه بعد التدمير الذى ألحقته قوات الاحتلال به خلال حربها البشعة ضد أهالى غزة، وتصر مصر على عودة الفلسطينيين الذين خرجوا للدراسة ويتواجدون فى دول أخرى ويرغبون فى العودة للحاق بأهلهم وذويهم، ليتوازن عدد الخارجين الآن من القطاع مع عدد العائدين إليه.
أما ما تراهن عليه مصر بشكل أكبر لإفساد عملية استغلال حكومة نتنياهو المعبر فى تنفيذ خطتها للتخلص من أهالى غزة، فهو يتمثل فى تنفيذ كل بنود المرحلة الثانية من خطة ترامب التى لا تتضمن فقط نزع سلاح حماس، وإنما تشمل أيضا انسحابا تدريجيا لقوات الاحتلال من أراضى القطاع، والشروع فى تنفيذ إعادة إعمار القطاع بتنفيذ خطة التعافى المبكر لتثبيت أقدام أهالى القطاع فى أراضيهم.
إن إعادة افتتاح معبر رفح كانت إحدى خطوات المرحلة الأولى لخطة ترامب التى عطلتها حكومة نتنياهو، وبعد أن افتتح فإنه يتعين أن يدخل عبره أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، لتكون هذه هى البداية الفعلية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب.