رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أم كلثوم وتر التصوف في الشعر العربي

3-2-2026 | 12:13

أيمن رجب طاهر

طباعة
أيمن رجب طاهر

بدءًا، لا تسمق شجرةُ الفنان وتورق وتظلّل ما حولها دون أن تستقي جذورها من جداول ترفد من نهرٍ كبير يفور علمًا وأدبًا وثقافةً وتربيةً لها أصولها، فتتفرد التجربة وتصبح ظاهرةً يندر جدًا تكرارها، وهذا هو الحال مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم في مجمل أعمالها العظيمة، ونختص في سيرتها تجربتها في تقديم القصائد المترعة بالوجد الصوفي.

فالمولد والنشأة في عائلةٍ راعيها الشيخ إبراهيم البلتاجي، وهو شيخ مسجد، حافظٌ للقرآن ومنشدٌ للتواشيح، فحفظت القرآن في كُتّاب الشيخ عبد العزيز بقرية طماي الزهايرة، وكُتّاب الشيخ إبراهيم جمعة بقرية الحوّال المجاورة، بالإضافة إلى مرافقة أبيها وشقيقها خالد في إنشاد المدائح النبوية في المناسبات وموالد الأولياء، فاستقام لسانها على النطق السليم، ونهل وجدانها بمدائح مشبّعة بمحبة الله ورسوله وآل بيته.

فقال عنها عبد الوهاب: سرّ تفردها هو القرآن. وإذا أضيف ما تعلمته من أبيها الشيخ إبراهيم البلتاجي من إنشاد تواشيح مختارة من شعراء المتصوفة كبردة البوصيري، أو ما كان يكتبه بنفسه على النَّفَس نفسه والشكل والمضمون، فقد تقدّمت التخت وبقي الشيخ إبراهيم يقود البطانة التي تردّد وراءها، وذاع صيتها في القرى المجاورة ومحافظات مصر، وطرقت أبواب العاصمة متمسكةً بعقالها تنشد المدائح والتواشيح من كتب التراث، أو التي كان يكتبها أبوها الشيخ إبراهيم، وأبرزها قصيدة «من الله نرجو الغفران»، أو من تأليف معارفه كالشيخ إبراهيم جمعة، شيخ كُتّاب الحوّال، محفظ أم كلثوم القرآن الكريم، أو التي كانت تكتبها هي بنفسها في الحب الإلهي والمديح النبوي، وكان عمرها خمسة عشر عامًا، ومطلعها:

تبارك من تعالى في علاه

يقول للعبد اطلبني تجدني

أنا المطلوب فاطلبني تجدني

وإن تطلب سواي لم تجدني

كما كتبت موشحًا في مدح النبي:

صلِّ يا رب وسلم

على النبي بدر التمام

يا حبيبي يا محمد

أنت مصباح الظلام

وحدث التدرّج الأكبر في حياة أم كلثوم بلقائها بالشيخ أبي العلا محمد، وهو من مجيدي الغناء والطرب والإنشاد الديني. فإذا كانت أغاني الشيخ أبي العلا من المدرسة المحافظة، فله تأثيرٌ بارز في حياة أم كلثوم، فقد علّمها تذوق الشعر وتفهّم معنى الكلمة قبل أن تغنيها، وهو ما يظهر في كلمات ولحن أشهر أغانيه:

وحقك أنت المنى والطلب

وأنت المراد وأنت الإرب

ولي فيك يا هاجري صبوة

تحيّر في وصفها كل طب

وكان الشيخ أبو العلا محمد سببًا في لقائها بأحمد رامي…

شاعر الشباب القدير أحمد رامي، لا أحد يجهل دوره في حياة ومسيرة أم كلثوم، وهو الرفيق المحب لها، والأوفر حظًا في كلمات أغانيها، وله الدور الأعمق في تكوينها الثقافي، وربّانها الآخذ بيدها في محيط الثقافة والفكر وبحور الشعر، وأستاذها الذي رشّح لها ما قرأت من عيون الشعر العربي وأمهات كتب التراث. واعترافًا بدوره قالت:

«…على يدي رامي قرأت كتاب “الأغاني” في أحد عشر جزءًا، وقرأت “كليلة ودمنة”، وقرأت كل الشعراء القدامى حتى تمنيت يومًا أن أكون شاعرة، وأحسّ رامي بهذا وكان يقول لي: لا عليك إن لم تكوني شاعرة، إن تذوق الشعر وحده موهبة…»

هذه النشأة الدينية الأدبية والمعرفية الهائلة ظهرت في إتقان أم كلثوم اللغة ونطقها؛ كل حرفٍ وكلمةٍ موزونة وفي مكانها الصحيح، ولا شك أن هذا الإتقان، بتأثير القرآن، جعلها تجمع بين الأداء القوي ورهافة الإحساس، فصوت أم كلثوم القوي فيه إحساسٌ يمسّ القلوب، ويتجلّى في تجربتها في الغناء الصوفي. تلك التجربة لا يمكن أن نتخطّى معالم وعلاماتٍ في طريقها، ومنها أربع قصائد كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي، ولحّنها رفيق دربها الفني الموسيقار رياض السنباطي. إجمالًا غنّت أم كلثوم عشر قصائد لشوقي بك، جميعها غنّتها بعد رحيله لا في حياته، وجميعها لحنها السنباطي، وهو اختيار أم كلثوم الأول في تلحين القصيدة، والدينية بالذات. وكان السنباطي منشرحًا بالتعبير الصوفي، سابحًا بين حنايا النغم، وتشعر أن ألحان قصائده الصوفية تتنزّل عليه كوحيٍ يتلبّس روحه، فتنساب وتأخذ أرواح المستمعين وتزيدهم طربًا على طرب.

ومن بين القصائد العشر التي جمعت بين كلمات شوقي ونغم السنباطي وصوت أم كلثوم تتألق أربع قصائد، يعدّها المنصفون من النقاد والسميعة أعظم ما قُدِّم في الغناء الصوفي. كان أولها قصيدة «سلوا قلبي»، وغنّتها عام 1946 في حديقة الأزبكية، واختارت منها أم كلثوم 21 بيتًا من بين 71 عدد أبياتها:

سلوا قلبي غداة سلا وتابا

لعل على الجمال له عتابا

ويُسأل في الحوادث ذو صوابٍ

فهل ترك الجمال له صوابا

وكنت إذا سألت القلب يومًا

تولّى الدمع عن قلبي الجوابا

وفي العام نفسه غنّت «نهج البردة»، وهي أطول قصائد شوقي الصوفية، وتصل أبياتها الأصلية إلى 190 بيتًا، اختارت منها أم كلثوم 30 بيتًا بمشاركة السنباطي:

صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مرجعُهُ      فقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقمِ

والنفسُ من خيرِها في خيرِ عافيةٍ    والنفسُ من شرِّها في مرتعٍ وخِمِ

إن جلَّ ذنبي عن الغفران لي أملٌ      في الله يجعلني في خيرِ معتصمِ

وغنّت «ولد الهدى»، واختارت 34 بيتًا من إجمالي أبياتها الـ129،

والتي ما إن تستمع إلى مطلع ألحانها حتى تدعوك للطواف حول العزف المضفور بكلماتها:

وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ

وفمُ الزمانِ تبسّمٌ وثناءُ

الروحُ والملأُ الملائكُ حولهُ

للدينِ والدنيا به بشراءُ

وكان مسك الختام مع «إلى عرفات الله»، التي كتبها شوقي في عام 1910، وبعد خمسين عامًا شدَت بها أم كلثوم لأول مرة في 6 ديسمبر 1951.

ومن الجدير بالذكر أن سيدة الغناء العربي حين كانت تتخيّر أبياتًا من قصيدة طويلة لا يشعر المستمع بأنها مجتزأة منقوصة أو غير مترابطة، أو أن هناك قفزة فصلت المعاني عن بعضها، بل تتواتر الأغنية منسجمة مع اللحن وتوزيعه، مقدّمةً شيئًا فريدًا من نوعه.

ونأتي إلى ثلاث قصائد، لكل منها شاعرٌ مختلف، ويجمعها ألحان الموسيقار المتفرّد السنباطي. أولها «رباعيات الخيام» للشاعر الفارسي الفذ عمر الخيام بترجمة أحمد رامي، وغنّتها عام 1949، وعلى مسرح حديقة الأزبكية في 3 مارس 1955م:

سمعتُ صوتًا هاتفًا في السحر        نادى من الغيب غفاةَ البشر

هبوا املأوا كأسَ المنى قبل

أن تملأ كأسَ العمر كفُّ القدر

لا تشغل البالَ بماضي الزمان

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته

فليس في طبع الليالي الأمان

القلبُ قد أضناه عشقُ الجمال       الصدرُ قد ضاقَ بما لا يُقال

والقصيدة الثانية «حديث الروح» للشاعر الباكستاني الكبير محمد إقبال، التي ترجمها من الأوردية الشاعر الصاوي شعلان، وغنّتها أم كلثوم عام 1967:

حديثُ الروحِ للأرواحِ يسري  

وتدركه القلوبُ بلا عناءِ

هتفتُ به فطارَ بلا جناحٍ

وشقَّ أنينه صدرَ الفضاءِ

ومعدنه ترابيٌّ ولكن

جرتْ في لفظِه لغةُ السماءِ

لقد فاضت دموعُ العشقِ مني        حديثًا كان علويَّ النداءِ

فحلّق في رُبى الأفلاك حتى

أهاجَ العالمَ الأعلى بكائي

وجاوبتِ المجرّةُ علَّ طيفًا

سرى بين الكواكب في خفاءِ

والأخيرة «القلب يعشق كل جميل» كانت الوحيدة بالعامية المصرية، كتبها بيرم التونسي عن تجربته في أداء شعائر الحج، حيث تمثل روعة الكلمات وتجلي المعاني وسحر اللحن الصادق، فتتحاور فيها الكلمات بين العبد وخالقه، وهي آخر ما غنّت أم كلثوم من كلمات بيرم وألحان السنباطي عام 1972.

أما تجربتها مع أغنيات أوبريت «رابعة العدوية»، فهي عبارة عن ست أغنيات كتبها الشاعر الصوفي طاهر أبو فاشا ضمن الأوبريت الذي يروي سيرة أشهر سيدات التصوف الإسلامي، أم الخير رابعة العدوية، والتي كانت رسالتها لكل إنسان: أن نحب من أحبنا أولًا، وهو الله سبحانه.

ونجح أبو فاشا في إقناع أم كلثوم بأن تشارك كمؤدية ومغنية في الأوبريت الذي صار حدثًا فنيًا جليلًا اهتزت له أسماع محبي الفن الأصيل في الخمسينيات، وشارك فيه نخبة من ألمع ممثليه: حسين رياض، علوية جميل، عباس فارس، فاخر فاخر، صلاح منصور، فؤاد شفيق، عايدة كامل، عبد الرحيم الزرقاني، وحسن البارودي، وأخرجه عثمان أباظة.

وعندما قرأت أم كلثوم الأغنيات الست، رأت بخبرتها مع زمرة الملحنين وبفطرتها ذات الحس الرهيف أن توزّع الأغنيات على ثلاثة ملحنين اختارتهم بنفسها، وحددت لكل منهم أغنيتين؛ فلحّن رياض السنباطي (يا صحبة الراح، وعرفت الهوى)، وأسندت إلى الموجي (حانة الأقدار، وأوقدوا الشموع)، ومن نصيب الموسيقار كمال الطويل أغنيتا (غريب على باب الرجاء، ولغيرك ما مددت يدًا).

ورُوي أنه أثناء تسجيل الأغنيات أوعز مخرج الأوبريت عثمان أباظة بملاحظة ذكية لأم كلثوم؛ فالمقطع الأخير من قصيدة «غريب على باب الرجاء» لا يتناسب لحنه، بما فيه من دفوف ومزاهر، مع الحالة الدرامية المحزنة التي تدخل فيها الأغنية، وهي حالة التعذيب الوحشي التي تتعرض لها رابعة العدوية من سيدها ليجبرها على مواصلة حياة اللهو والمجون التي قررت أن تودعها بلا رجعة إلى طريق التوبة، ولا تتراجع عن الطريق الذي سارت فيه إلى الله.

فاتخذت أم كلثوم قرارًا بحذف الأغنية، وطلبت من أبي فاشا كتابة أغنية جديدة مناسبة للحالة الدرامية المعيشة في تعذيب رابعة العدوية، لكنه لم يقتنع بمنطقها، وكان من رأيه إجراء تعديلات في لحن الأغنية الجاهزة، وأصرّ على رأيه، وتوقف العمل لمدة ثلاثة أشهر، وأم كلثوم تلحّ عليه ليكتب الأغنية الجديدة، إلى أن استجاب وكتب «على عيني بكت عيني»، التي أسندت أم كلثوم تلحينها إلى السنباطي، فجاءت أروع من لحن الأغنية الصوفية.

كانت أم كلثوم تعتز وتفتخر برصيدها من الأغاني الصوفية، ومن أجمل لحظات حياتها ذلك الموقف الذي عاشته في الإسكندرية ذات ليلة، وتروي تجربتها:

«عندما غنيتُ قصيدة “ولد الهدى فالكائنات ضياء” كنت مترددة لأنها قصيدة صعبة، ولكني غنيتها لأنها أخذتني بمعانيها الصوفية العميقة، وذات ليلة كنت في الإسكندرية وذهبت إلى كازينو الشاطبي، وهناك تتناثر الملاهي التي تقدم فنونًا مختلفة، وبلغ مسمعي من ميكروفون مرتفع الصوت ذلك المقطع من القصيدة: “أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك”، ولحظتها شعرت بسعادة لا تُوصف، لأن معنى ما سمعت أن القصيدة وصلت إلى الناس».

وعلى كثرة ما نالت سيدة الغناء العربي أم كلثوم من تكريم وأوسمة ونياشين وألقاب، وما كُتب عنها وفيها من مقالات وقصائد، فإنها كانت تعتز بتلك التي تنصف دورها في رفع راية اللغة العربية، وبينها ذلك الوصف الذي خلعته عليها مجلة «لايف» الأمريكية الشهيرة: إن ما قدمته أم كلثوم على امتداد خمسة وثلاثين سنة يجعل منها الوتر الحسّاس للإسلام.

وما كتبه عنها عميد الأدب العربي

د. طه حسين:

«…إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه، سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية، ساهمت عندما غنّت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها، حتى في أصعب الكلمات، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة…».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة