يأتي الاحتفاء بعيد الشرطة هذا العام محملا بدلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي للمناسبة ليعكس تصورا متكاملا لمعنى الأمن ودوره في صون الدولة وحماية المجتمع فالإشادة برجال الشرطة ونسائها لا تقدم بوصفها تحية عابرة بل باعتبارهم في صدارة الجبهة الداخلية وسياجا يحفظ الاستقرار، ودرعا تحمي الوطن من الأخطار في تأكيد على أن الأمن ركيزة وجود لا ترفا سياسيا أو أمنيا ويحتل شهداء الشرطة موقع القلب في هذا المشهد حيث تتحول ذكراهم إلى عهد متجدد بالوفاء لا يكتفي بالتقدير الرمزي بل يمتد إلى مسئولية مستمرة تجاه أسرهم وذويهم، والإشارة إلى الرعاية المؤسسية الممتدة عبر الزمن منذ حروب الدولة الوطنية الأولى وصولا إلى مواجهة الإرهاب تعكس تصورا للدولة بوصفها كيانا لا ينسى أبناءه ويحول التضحية إلى التزام دائم لا إلى ذكرى موسمية.
ومن هذا المنطلق يتسع المشهد ليشمل العالم من حولنا عالما مثقلا بالصراعات والانقسامات والتحديات غير المسبوقة، ووسط هذا الاضطراب تبرز مصر كحالة سعي دءوب إلى التوازن لا تنكر حجم المخاطر لكنها تراهن على تماسك مؤسساتها ووعي شعبها ويظهر هذا التمايز في تناول قضايا الهجرة غير الشرعية والصراعات الإقليمية، حيث تطرح الإنسانية لا كورقة مساومة بل كمسئولية أخلاقية لا تنفصل عن مقتضيات الأمن القومي وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في الموقف من القضية الفلسطينية التي تقدم باعتبارها اختبارا حقيقيا للضمير الدولي، فالدعوة إلى وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات ورفض التهجير لا تنطلق فقط من منطلق إنساني بل من قراءة استراتيجية تدرك أن تصفية القضية لن تفضي إلا إلى موجات عدم استقرار تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة، وفي السياق ذاته يتسم الموقف من محاولات تفكيك الدول وبناء الميليشيات بقدر عال من الحسم فالتجارب القريبة أثبتت أن غياب الدولة الوطنية لصالح قوى موازية لا ينتج أمنا بل يفتح أبواب الفوضى ويبدد مقدرات الشعوب.
ومن هنا يعاد التأكيد على أن المؤسسات الشرعية رغم ما قد تعانيه من تحديات تظل الضامن الوحيد للاستقرار والاستمرارية وعلى الصعيد الداخلي تتسع دائرة المسئولية لتشمل معركة الوعي خاصة في ظل تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة القادرة على تشويه الحقائق وصناعة سياقات زائفة وحماية الدولة في هذا التصور لا تختزل في الإجراءات الأمنية، بل تتطلب جهدا ثقافيا وتربويا تشارك فيه الأسرة والمؤسسات التعليمية، ودور العبادة بما يرسخ قيم الانتماء والوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة أما الحديث عن الإصلاح الاقتصادي وبناء الإنسان فيأتي بنبرة واقعية بعيدة عن التهوين أو المبالغة، فالإصلاح مسار طويل يتطلب صبرا ونقدا ذاتيا وتطويرا مستمرا لمؤسسات الدولة إدراكا بأن الانتقال من التعثر إلى التقدم لا يتحقق بين ليلة وضحاها بل عبر تراكم الجهود والسياسات الرشيدة.
وفي المحصلة تتشكل رؤية ترى في الأمن والاستقرار شرطا للتنمية وفي الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول وفي الدولة الوطنية إطارا لا غنى عنه لحماية الحاضر، وصناعة المستقبل رؤية تسعى إلى تثبيت الداخل بثقة وإيصال رسالة للخارج مفادها أن مصر ماضية في طريقها متماسكة بمؤسساتها ومحصنة بوعي شعبها وقادرة على مواجهة التحديات دون أن تتخلى عن ثوابتها أو مسئولياتها الإنسانية.