شهد الصالون الثقافي في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 ندوة ثرية بعنوان «تحديات التحرير الأدبي»، وذلك ضمن محور «جيل يكتب العالم بطريقته»، جمعت نخبة من المشتغلين بصناعة الكتاب، وهم: الشاعر العُماني خميس قلم، والروائي علاء فرغلي، وهدى فضل المتخصصة في التحرير بدار العربي، وأدار الجلسة الكاتب أحمد أسامة.
دار النقاش حول مهنة «المحرر الأدبي» التي ما تزال غير واضحة بشكل مكتمل في المكتبة العربية، والفرق الجوهري بينها وبين التدقيق اللغوي التقليدي.
استهل أحمد أسامة الندوة بالإشارة إلى الفقر المعرفي الذي تعاني منه المكتبة العربية في تعريف مهنة المحرر، والتحديات التي تواجه تحرير الرواية والشعر والترجمة، وأشاد في هذا الصدد بكتاب علاء فرغلي «كيف نحرر الروايات» كمرجع رائد في هذا المجال.
ومن جانبه، أوضح علاء فرغلي أن المدقق اللغوي هو «حارس القواعد» الذي يعمل ضمن مرجع لغوي صارم دون التدخل في بنية العمل أو أسلوبه.
أما المحرر الأدبي، فهو بمثابة «مهندس النص»، الذي يتوغل في اللغة والألفاظ، والناقد السياقي الذي يضاهي العمل بالواقع. ويمتلك المحرر حق التدخل في عناصر العمل كافة، بما في ذلك الحذف والتعديل، شريطة أن يتم ذلك بالتنسيق الكامل مع المؤلف.
وأكد فرغلي أن بناء الثقة بين الطرفين هو الشرط الأساسي لنجاح هذه العملية، حيث تتحول العلاقة من «رقابة» إلى «شراكة إبداعية» تهدف في النهاية إلى رفع جودة النص، لافتًا إلى أن بعض الكُتّاب المعروفين في العالم، مثل الكاتبة التركية إليف شافاق، يوجهون الشكر للمحرر ضمن رواياتهم المنشورة، لكنه يرفض تمامًا أن يُكتب اسمه كمحرر لغوي لأي رواية يقوم بتحريرها، قائلًا: «هي مهنة أتقاضى عنها مقابلًا ماديًا وكفى».
وبصفته روائيًا ومحررًا في الوقت نفسه، كشف فرغلي عن كواليسه الخاصة، حيث قال: «أنا لا أتجاوز فقرة في روايتي إلا بعد تحريرها». وأشار إلى أنه يستدعي ثلاث ذهنيات أثناء العمل: ذهنية الناقد الذي يحلل البناء، والمدقق الذي يضبط اللغة، والروائي الذي يحافظ على روح النص وحيويته.
ثم انتقل النقاش إلى هدى فضل، التي تناولت تعقيدات تحرير النصوص المترجمة خلال عملها في دار العربي. وأوضحت أن التحدي الأكبر يكمن في نقل الثقافة وليس الكلمات فقط، خاصة عند استخدام المؤلفين الأجانب لهجات محلية أو سياقات غريبة عن القارئ العربي. وأكدت أن المترجم المتمكن هو من يمتلك الشجاعة للابتعاد عن «الحرفية» بحثًا عن مخارج لغوية تلائم الذائقة العربية الواسعة، معتبرة أن «الخيانة المشروعة» للترجمة أحيانًا تتطلب إذن المؤلف أو تحديد تصنيفات عمرية. كما أشارت إلى مفهوم «القارئ الحساس» الذي يساعد في رصد الحساسيات الثقافية قبل النشر.
ومن جانبه، طرح الشاعر خميس قلم زاوية مختلفة تتعلق بـ«تحرير الشعر»، مؤكدًا أن الشعراء يمتلكون حساسية ونرجسية مفرطة تجاه لغتهم تجعلهم أقل تقبلًا للتحرير مقارنة بالروائيين. ومع ذلك، لاحظ أن الأجيال الجديدة من الشعراء أكثر مرونة ورغبة في التطوير. ووصف قلم العلاقة بين المحرر والمؤلف بأنها «ورشة عمل مستمرة»، حيث تظل سلطة المحرر «استشارية» تنبه وتضيء جوانب النص دون فرض رأي، مؤكدًا أن العمل الحقيقي للمحرر يكون مع الكاتب مباشرة وليس كوسيط لدار النشر.
وأجمع المشاركون على أن الذكاء الاصطناعي، رغم دخوله القوي كأداة مساعدة في الترجمة والتحرير، فإنه يفتقر إلى «كيمياء الإنسان». وبحسب خميس قلم، فإن البريق الخاص والروح التي يضفيها المحرر البشري على النص منطقة ممتنعة على الآلة، مهما بلغت درجة تطور برامجها.