ما زال صوت الراحل محمود الجندي يرن في أذني وهو يردد في فيلم الفرح "جمعية ودايرة يا أبا" ، هناك في ساعة ونصف سينمائية لم يكن الجندي مجرد متعهد حفلات تقليدي، بل رجل قرر "يعمل لنفسه شفت كارير"، ليس بدافع الشغف وحده بل لأن النقطة أصبحت مشروعاً قابلاً للاستثمار.
حول مهنته طوال أحداث العمل إلى ما يشبه مكتب ريجيسير مفتوح يستقبل مواهب صاعدة ويقرر هذا يصلح لدور العريس وتلك لدور العروسة، ولإكمال الحبكة الدرامية لابد من راقصة، كل شيء جاهز فقط من أجل فيلم قصير هدفه الأساسي جمع النقطة.
ولم يكن هذا العمل الدرامي الوحيد الذي اقترب من الفكرة، ففي فيلم اللمبي كانت الكراسة الصفراء رمزاً شديد الذكاء، حيث يبحث البطل عن الدفتر الذي دون فيه والده أسماء كل من جاملهم حتى لا يضيع رد الجميل.
حتى تحولت النقطة من مجرد عادة اجتماعية إلى دين مؤجل، يستدعى في الوقت المناسب، وبالفائدة المعنوية الكاملة، أما في الدراما التليفزيونية، فلا يمكن نسيان أحد المشاهد في مسلسل بالطو حين ذهب رئيس الوحدة إلى فرح أحد أبناء القرية، وحاول أن ينقط بمبلغ بسيط، فإذا بالمصيبة تقع وهي الإعلان عن قيمة النقوط في الميكروفون لحظة كاشفة، تُعري العلاقة الملتبسة بين المجاملة والوجاهة، وبين الكرم الخفي وكرم على الملأ، وفي الأصل النقطة ليست اختراعاً درامياً، بل عادة متجذرة في الفلكلور المصري، شكل من أشكال التكافل الاجتماعي، يقدم الأقارب والأصدقاء هدايا تتنوع بين النقود والذهب والأجهزة وحتى المؤن، خاصة في المناطق الريفية والشعبية، لمساعدةالعروسين على تأسيس بيت الزوجية، وللتأكيد على أن الزواج ليس شأناً فردياً بل احتفال جماعي ببداية حياة جديدة.
ورغم أن هذه العادة بدأت في الاندثار تدريجيا، أو تحولت إلى أشكال أكثر هدوءاً مع تغير الزمن وتطور أساليب الحياة، فإنها وللأسف عادت إلينا في صورة مشوهة، حين تحولت نقطة العريس إلى عرض مبتذل، خصوصا على أيدي بعض شباب التواصل أصحاب المحتوى الفارغ، وهنا لا نتحدث عن فرح، بل عن مسرحية هزلية مكتملة الأركان بذخ مصطنع، وطرابيش رقمية، وزومبي متشابهون في هيئة بشر، يرتدون أغرب الملابس وأرخص البواريك، وكأننا أمام عرض تنكري لا يعرف هل هو فرح أم إعلان تخفيضات.
أما المكياج الصاخب، فيبدو وكأنه وضع على عجل، لا لإبراز الملامح، بل لإخفاء أي ملامح إنسانية باقية، والسخرية هنا أن هذه الحفلات لا تقام احتفالا بالزواج، بل تصنع خصيصا لجمع النقود لا عريس حقيقي، ولا عروسة حقيقية فقط مشروع نقطة مفتوح، يُدار بمنطق اللايفات، وعدد المشاهدات، وعيون تترقب الرقم لا الفرح.
فتحولت النقطة من قيمة اجتماعية نبيلة، إلى نقطة سوداء في سجل العادات، ومن رمز للتكافل إلى وسيلة ابتزاز عاطفي مغلفة بالضحك والرقص واللايكات.
والأسوأ أن النقطة لم تَسؤ سمعتها بسبب أصلها، بل بسبب من أساء استخدامها حين تحولت إلى محتوى وأصبحت تقاس قيمتها بعدد المشاهدات، وتعلن أرقامها على الملأ كأنها مزاد علني، ففقدت معناها الإنساني، وخرجت من خانة الجدعنة إلى منطقة رمادية لا تشبه العادات ولا تمط بصلة لتراث أجدادنا الشريف.