رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قراءة في التصعيد العسكري ضد إيران :كيف يحدد النفط ملامح المرحلة المقبلة


4-3-2026 | 00:40

.

طباعة
د. زينة منير - دكتوراه السياسات البيئية جامعة فرايبورغ بألمانيا

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية منسقة ضد إيران، في تصعيد حاد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مع تداعيات تتجاوز حدود الإقليم. استهدفت العملية مئات المواقع داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك منشآت عسكرية ونووية، وأسفرت – وفق تقارير – عن مقتل قيادات إيرانية بارزة. وردّت طهران سريعًا عبر إطلاق صواريخ على قواعد عسكرية أميركية وإسرائيلية في دول خليجية مجاورة، ما عزز المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع. 

ورغم أن المسؤولين الأميركيين قدموا العملية بوصفها خطوة لاحتواء التهديد النووي الإيراني والحد من نفوذ طهران الإقليمي، فإن قراءة أعمق تكشف أن المسألة لا تنفصل عن اعتبارات استراتيجية أوسع، تتعلق بأسواق الطاقة العالمية وبالتنافس بين القوى الكبرى.

إيران ومكانتها في سوق الطاقة العالمي
لا تزال إيران لاعبًا مهمًا في سوق الهيدروكربونات العالمي. فبرغم عقود من العقوبات التي حدّت من قدرتها الإنتاجية، تمتلك إيران واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز المؤكدة في العالم. وتشير التقديرات حتى نهاية عام 2024 إلى أن احتياطياتها النفطية تبلغ نحو 209 مليارات برميل، أي ما يعادل 12% من الاحتياطي العالمي، ونحو 24% من احتياطيات الشرق الأوسط.

في كانون الثاني/يناير من هذا العام، بلغ إنتاج إيران نحو 3.4 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب 3% من الإمدادات النفطية العالمية. ويعبر جزء كبير من هذا النفط عبر مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، ويُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط الخام المنقول بحرًا. وفي عام 2024، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميًا، بقيمة سنوية تقارب 500 مليار دولار، ما يبرز مكانته المحورية في الاقتصاد العالمي.

وكان رد فعل الأسواق فوريًا على الضربات، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، وصعد خام برنت إلى أعلى مستوياته منذ أشهر متجاوزًا 72 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات. ويحذر محللون من أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، وهو ما سيترك أثرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي.

الصين ورهانات الطاقة في إيران
أحد الأبعاد التي غالبًا ما يتم إغفالها هو تعمّق العلاقة الطاقوية بين الصين وإيران. فقد أصبحت الصين خلال السنوات الأخيرة المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، إذ ارتفعت حصتها من 25% عام 2017 إلى نحو 90% عام 2023. ويذهب معظم هذا النفط إلى المصافي الصينية المستقلة الصغيرة، التي تُعرف في أسواق الطاقة باسم “Teapot Refineries” ، والمتركزة في إقليم شاندونغ.

وتُظهر البيانات أن صادرات إيران واصلت النمو، بمتوسط بلغ 1.5 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024. وفي عام 2025، اتجه أكثر من 80% من النفط الإيراني المصدر إلى الصين، بمتوسط 1.38 مليون برميل يوميًا، أي نحو 13% من إجمالي واردات الصين البحرية من النفط. وتمثل هذه المصافي نحو ربع القدرة التكريرية الصينية، وهي تنجذب إلى النفط الإيراني بسبب أسعاره المنحفضة المرتبطة بالعقوبات، رغم هوامش الربح الضيقة.

أي اضطراب في الإمدادات الإيرانية لن يقلص فقط قدرة طهران التصديرية، بل سيؤثر أيضًا في تدفقات الطاقة إلى الصين، ويزعزع استقرار الأسواق العالمية. وستضطر بكين في هذه الحالة إلى البحث عن موردين بديلين بأسعار أعلى، وربما إعادة توجيه الشحنات عبر مسارات أطول وأكثر كلفة، مع اللجوء إلى احتياطياتها الاستراتيجية.

ويتمثل الأثر الأكثر مباشرة في فقدان النفط الإيراني منخفض السعر. ومع فارق سعري يتراوح بين 10 و14 دولارًا للبرميل الواحد ، قد ترتفع فاتورة واردات الصين اليومية بنحو 13 إلى 18 مليون دولار، وهو عبء ستكون له تداعيات تضخمية على الاقتصاد الصيني وأمنه الطاقوي.


أمن الطاقة والتنافس الاستراتيجي: الولايات المتحدة في مواجهة الصين
بالنسبة لواشنطن، يظل أمن الطاقة عنصرًا مركزيًا في سياستها الخارجية، وقد عاد بقوة إلى الخطاب السياسي خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي شدد على مفهوم “هيمنة الطاقة”، داعيًا إلى توسيع إنتاج الوقود الأحفوري والطاقة النووية والمعادن الحيوية لتعزيز النفوذ الأميركي في الأسواق العالمية.

كما تحافظ الولايات المتحدة منذ عقود على حضور عسكري واسع في الخليج، عبر شبكة من القواعد الجوية والبحرية والبرية. ولا يهدف هذا الانتشار فقط إلى ردع إيران، بل أيضًا إلى ضمان انسياب تدفقات الطاقة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.

في المقابل، تبنت الصين مقاربة مختلفة، ركزت على التعاون الاقتصادي والتنموي، متجنبة الانخراط السياسي المباشر. غير أن شراكتها مع إيران تقوم أساسًا على اعتبارات أمن الطاقة، إذ يوفر النفط الإيراني المخفض دعمًا لقاعدتها الصناعية، ويساعد طهران في الصمود اقتصاديًا أمام العقوبات الغربية. ومن خلال الحفاظ على هذه العلاقة رغم الضغوط الأميركية، تسعى بكين إلى تعزيز موقعها كقوة عالمية قادرة على موازنة النفوذ الأميركي في جنوب غرب آسيا.

لكن هذه العلاقة تكشف أيضًا عن هشاشة الموقف الصيني، إذ إن كونها أكبر مستورد للنفط في العالم يجعلها شديدة الاعتماد على استقرار إمدادات الخليج، لا سيما من إيران. وأي تصعيد عسكري سيجبرها على تحمل تكاليف إضافية، ما يربط الأزمة مباشرة بالتنافس الاستراتيجي الأوسع بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ والسيطرة في أسواق الطاقة العالمية.

خاتمة: كيف يشكل النفط ملامح المرحلة الجيوسياسية المقبلة؟
رغم أن الإدارة الأميركية تقدم الحملة العسكرية ضد إيران بوصفها خطوة لمنع الانتشار النووي، فإن فهم هذه المواجهة يتطلب النظر إليها ضمن سياق أوسع من الصراع على أمن الطاقة والتنافس بين القوى الكبرى.

تكشف الأزمة الراهنة أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة لا يزال بعيدًا عن تحقيق الاستقلال الفعلي عن الوقود الأحفوري. فطالما ظلت القرارات الاستراتيجية رهينة لسلاسل إمداد النفط، ستبقى أهداف المناخ عرضة لاضطرابات جيوسياسية متكررة.

إن ما نشهده ليس مجرد أزمة أمنية إقليمية، بل تعبير عن توتر بنيوي في صميم النظام الطاقوي العالمي، حيث يتشابك الاعتماد على النفط مع الهشاشة المناخية وصراعات القوى الكبرى، في معادلة تزداد تعقيدًا، وتكشف هشاشة النظام الطاقوي العالمي أمام صدمات الجغرافيا السياسية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة