يمر النظام العالمي بتطورات متسارعة، زادت حدتها في إقليم الشرق الأوسط منذ اندلاع ما أُطلق عليه الحراك الشعبي لبعض بلدان الدول العربية عام 2011، وما تلاها من اضطرابات إقليمية.
استغلت بعض القوى الإقليمية الفراغ الذي حدث نتيجة تغيّر بعض الأنظمة السياسية العربية، بل سقوط وانهيار دول أخرى، حيث استفادت إيران في مراكمة نفوذها الإقليمي مستغلة الفراغ الكبير في موازين القوى. كما ظهرت تركيا كقوة جديدة صاعدة تسعى إلى لعب أدوار إقليمية مؤثرة. وما زاد الوضع تعقيدًا ورفع مستويات الاحتقان على الصعيد الإقليمي ما سببه اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما أتبعها من اضطرابات هائلة، كان أهمها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الفلسطيني، وهو ما وُصف بجرائم حرب على الشعب الفلسطيني في غزة، ثم الحرب الإسرائيلية الإيرانية من 13 يونيو إلى 24 يونيو 2025.
وفي ظل حالة أشبه ما تكون بالسعار من تكالب القوى العالمية والإقليمية على تحصيل مزيد من النفوذ في عصر سيولة سياسية واقتصادية ومعلوماتية، تقف مصر على مفترق طرق هام وحساس، ساعيةً لحماية أمنها القومي مما يحدق به من أخطار. وقد أدت الاضطرابات الهائلة على المستويين الإقليمي والعالمي إلى تحميل مزيد من الأعباء على كاهل صانعي القرار في القاهرة في سبيل حماية الأمن القومي المصري.
الإشكالية البحثية:
في ظل ما يحيط بمصر من تهديدات، ظهرت للعلن وجهتا نظر مختلفتان تنطلق كل منهما من منظورين متمايزين. تتمثل وجهة النظر الأولى في اعتبار ما يمر به الإقليم والعالم من تغيرات فرصةً استثنائية يمكن لمصر استغلالها لتحصيل مزيد من النفوذ ومراكمة قدر أكبر من القوة، ومن ثم الخروج من خضم هذه الأحداث المتسارعة بصورة القوة الإقليمية ذات التأثير المتعاظم.
وعلى النقيض من ذلك، برزت وجهة النظر الأخرى في صورة أقل تفاؤلًا؛ إذ يرى أصحاب هذا المنظور أن ما يمر به الإقليم والعالم لا بد أن يؤثر سلبًا على مصر، باعتبارها إحدى القوى المتوسطة على الصعيد العالمي، كما أنها تقع في قلب الإقليم الأكثر اضطرابًا، ما يرفع مستوى الأخطار المحدقة بها.
وفي ظل هذين المنظورين المتقابلين، تسعى الدراسة إلى التحقق من مدى صواب أيٍّ منهما من عدمه عبر تتبع الخطوات البحثية السليمة والمحايدة، بما يؤدي إلى الوصول إلى نتائج أكثر قدرة على تفسير الأحداث، ويدفع إلى فهم أعمق للظواهر، يتبعه في النهاية بناء تصور أو مجموعة من التصورات المستقبلية الملائمة التي يمكن من خلالها تهيئة الاستعدادات لأسوأ السيناريوهات. وهو ما يؤدي بنا إلى التساؤل الرئيسي للدراسة:
«ما الآفاق المستقبلية للسياسة الخارجية المصرية في إقليم الشرق الأوسط؟»
وللإجابة على ذلك تم تناول أربعة محاور، يمثل كل منها تساؤلًا فرعيًا:
• ما عوامل القوة الناعمة لمصر إقليميًا؟
• ما عوامل القوة الصلبة لمصر إقليميًا؟
• ما آفاق القوة الذكية في الحالة المصرية؟
•ما مستقبل الدور المصري في ظل المتغيرات الإقليمية «رؤية استشرافية»؟
المحور الأول: عناصر القوة الناعمة المصرية
يمكن إيجاز عناصر القوة الناعمة المصرية في عنصرين رئيسيين، مع ضرورة التأكيد على كونهما ليسا الوحيدين ولكنهما الأهم، وهما عامل نموذج الجذب السياسي وعامل الجذب الثقافي، حيث يمكن لهذين العاملين أن يمثلا الرافعة الكبرى للقوة الناعمة المصرية في سياسة القاهرة الخارجية.
أولًا: نموذج الجذب السياسي:
تمثل القاهرة منارةً متفردة في إقليم يمور بالاضطرابات، وهو ما يمنحها القدرة على تقديم النموذج والمثال لكافة الشعوب في الإقليم. يُضاف إلى ذلك بُعدٌ آخر، وهو ما بذلته القاهرة على مدار السنين الماضية من احتضانٍ لكافة الجاليات والشعوب الفارّة من الأزمات والحروب في بلادها، مع معاملتهم بالشكل اللائق دون حجزهم في المخيمات، ما قد يدفع نحو تفعيل هؤلاء اللاجئين كأحد أذرع المجال الحيوي المصري في بلدانهم الأصلية. كما أن القاهرة قد دأبت على اتباع دبلوماسية رشيدة تقوم على احترام سيادة الدول كافة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي حالة قد تكون متفردة في إقليم اعتادت دوله على الخضوع للتدخلات والإملاءات الخارجية، ما يجعل القاهرة طرفًا مقبولًا من كافة الفاعلين الإقليميين للوساطة أو التسويات وحل النزاعات، ما يمكن القاهرة من التسويق لنموذجها السياسي في محيطها الإقليمي والحيوي.
ثانيًا: عامل الجذب الثقافي:
يتمثل العامل الآخر في عوامل القوة الناعمة المصرية ذات الفاعلية في الجذب الثقافي، والتي تتعدد أدواته، وأهمها قوة النموذج الحضاري. يمكن للقاهرة أن تعتمد على اللاجئين والمقيمين على أراضيها، إلى جانب الملايين من أبنائها في الخارج، للترويج للثقافة والحضارة المصرية، خصوصًا كونها تتمتع بحضارة متجذرة وثقافات متأصلة وجذابة.
كما تتمتع القاهرة بميزة الدراما والسينما ذات التأثير واسع النطاق. وبالرغم من وجود دراما قوية في عدد من الدول الإقليمية الأخرى، إلا أن تلك المصرية تتميز عن نظيراتها بميزة اللغة العربية التي تتشارك فيها غالبية شعوب الإقليم، ما يدفع نحو تعزيز النفوذ المصري في المجال الإقليمي والحيوي إلى حدٍّ بعيد.
المحور الثاني: عناصر القوة الصلبة المصرية
تمثل القوة الصلبة الرافعة المتينة لقوة الدولة ونفوذها على صعيد السياسة الخارجية. تتعدد عوامل القوة الصلبة في الحالة المصرية نظرًا لعمق دولة المؤسسات وقدرة المجتمع على مقاومة الأمراض والآفات والتغلب على الانقسامات. ويمكن استعراض أهم عوامل القوة الصلبة المصرية في البعد الديمغرافي، والبعد الاقتصادي، والبعد الأمني.
أولًا: البعد الديمغرافي:
على مدار عقود مثّل البعد الديمغرافي عبئًا على كاهل صانع القرار المصري نظرًا لما مثلته الزيادة السكانية من خطر يؤدي إلى تآكل كافة جهود التنمية، ولكن في الأعوام الأخيرة بدأ التوازن الديمغرافي في التشكل، ما يؤدي نحو انخفاض معدلات الزيادة السكانية ويفسح المجال نحو جني ثمار مساعي التنمية. وعلى الصعيد الديمغرافي أيضًا، فإن حجم السوق الكبير في مصر يضفي بُعدًا اقتصاديًا هامًا يعزز من قوة الاقتصاد ويمثل عامل إغراء للمستثمرين، خاصة بالنظر إلى الكفاءات البشرية الناتجة عن خبرات المصريين بالداخل والخارج. كما تمثل صفة المجتمع الشاب أحد العوامل الحاسمة في القدرات العسكرية والأمنية للبلاد.
ثانيًا: البعد الاقتصادي:
يمثل البعد الاقتصادي أحد أهم عوامل القوة الصلبة لأي بلد، وهو في الحالة المصرية قد يمثل أكثرها حيوية نظرًا لكونه يعد الشغل الشاغل للبلاد. لا يمكن لأمة أن تأمن غائلة الزمن إلا في ظل حالة اقتصادية مستقرة وقوية. وعلى مدار أعوام مضت، سعت القاهرة حثيثًا في جهود التنمية عبر الاستثمار في البنية التحتية، ما يمثل واحدًا من أهم عوامل الجذب الاقتصادي، خصوصًا إذا ما أُضيف إليها أبعاد حجم السوق الواعد والاستقرار النسبي مقارنة بالأسواق الإقليمية المحيطة التي تتهددها الأخطار الداخلية والخارجية.
ثالثًا: البعد الأمني:
يمثل أحد أهم عوامل التفوق المصري إقليميًا، فعلى كافة الصعد تحتفظ القاهرة بميزة الاستقرار الأمني التي ترتكز على أدوات متعددة. تتمثل الأداة الأهم في الحفاظ على توازن الردع الإقليمي في عنصر التحديث التسليحي المستمر للقوات المسلحة المصرية، كما يتحتم على القاهرة العمل على تعزيز التفوق المعلوماتي القادر على التنبؤ بالأزمات واحتوائها قبل وقوعها. كما يمثل البعد التوعوي أحد الأدوات الهامة القادرة على تعزيز العامل الأمني للقوة الصلبة لمصر، حيث يتحتم السعي نحو بناء الثقة وتعزيز مكافحة المعلومات المضللة والشائعات للوصول بالمجتمع نحو المناعة الكافية لمواجهة الأخطار غير المباشرة.
المحور الثالث: آفاق القوة الذكية
لا يمكن لأمة تسعى نحو تعزيز دورها الإقليمي أن تبني سياستها الخارجية على أيٍّ من القوتين الصلبة أو الناعمة منفردة، ولكن يتحتم المزاوجة بينهما. فإلى جانب الاستمرار في مراكمة مصادر القوة الصلبة المصرية، يبقى من الضروري أن يسعى صانع القرار في القاهرة نحو الحفاظ على النموذج المصري المتفرد إقليميًا، كما يتحتم الحفاظ على الاستعداد والجهوزية المصرية لمواجهة كل التهديدات الطارئة، ولكنه يبقى استعدادًا في نطاق توازن الرعب، ولا ينبغي أن يمثل دافعًا للانجرار خلف الاستفزازات.
قد تمثل الاضطرابات الإقليمية المتلاحقة عامل إغراء للقاهرة للانجرار خلف المنافسة المحمومة على النفوذ والمصالح بين القوى الإقليمية، أو الانجرار خلف الاستجابة للاستفزازات من بعض تلك القوى باستخدام القوة الصلبة، وهو ما قد يؤدي إلى إهدار ثمار التنمية التي تحملت القاهرة أعباءها على مر السنين في غير جدوى. ليس أمام صانع القرار المصري سوى الحفاظ على سياسة الكمون الاستراتيجي التي تتبعها القاهرة للوصول إلى استجلاء المصالح المصرية والوسائل الملائمة لتحقيق تلك المصالح في عالم وإقليم شديدي الاضطراب وسريعي التغير. كما أن الكمون الاستراتيجي والحفاظ على ضبط النفس مع استمرار التصارع المحموم بين القوى المتغيرة سوف يؤدي في المحصلة النهائية إلى الخصم من رصيد القوى المتصارعة، ما يعزز من فرص الدور المصري، أو يؤدي إلى لجوء العديد من تلك القوى إلى دور الوساطة المصرية، ما يراكم القوة الناعمة للقاهرة ويعزز دورها إقليميًا وأسهمها عالميًا.
المحور الرابع: السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور سيناريوهات مستقبلية عامة، من بينها:
تعددية قطبية مرنة (الصين – الولايات المتحدة الأمريكية – الهند – روسيا الاتحادية – التكتلات الإقليمية، أهمها الاتحاد الأوروبي وتكتل بريكس).
تراجع مفهوم الهيمنة المطلقة مقابل مفهوم النفوذ الوظيفي.
تصاعد دور القوى المتوسطة ذات الموقع الجيوسياسي والجيوبوليتيكي، ومن بينها مصر.
أولويات قضايا المياه، والغذاء، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمناخ، والهويات الحضارية.
وفي هذا السياق لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على إدارة التحديات الجيوسياسية والجيوبوليتيكية.
ولهذا يمكننا استشراف ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لاستجلاء ملامح مستقبل الدور المصري على صعيد السياسة الخارجية، وتلك السيناريوهات هي: تعزيز النفوذ المصري في الإقليم، تراجع الدور المصري إقليميًا، استمرار النفوذ المصري في بعض الملفات وتراجعه في ملفات أخرى.
أولًا: تعزيز النفوذ المصري:
تتعزز فرضية هذا السيناريو عند النظر إلى مستوى التصادمات الواقعة بين القوى الإقليمية المختلفة، ما يدفع بالقاهرة نحو ملء الفجوة الناشئة عن تراجع القوى الإقليمية وتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة نتيجة صعود التيارات الانعزالية في الداخل الأمريكي، التي تولي اهتمامًا أكبر بإقليم الإندو-باسيفيك مقارنة بالشرق الأوسط. إلا أن العقبات الكؤود التي تواجه هذا السيناريو تتمثل في حجم الاضطرابات والمخاطر المحدقة بالمجال الحيوي لمصر، والتي تضع مزيدًا من الأعباء وتمثل عامل تشتيت لصانع القرار في القاهرة.
ثانيًا: تراجع الدور المصري:
تدفع نحو هذا السيناريو العديد من العوامل، وأهمها الاضطرابات الاقتصادية العالمية التي تنعكس تأثيراتها بالغة السوء على الاقتصاد المصري، ما يضعف الرافعة الأهم للدور المصري ويمثل عامل تهديد لنفوذ القاهرة. يعزز تلك الفرضية أيضًا ما يشهده الإقليم من تصاعد الاضطرابات التي تمس المصالح المصرية الحيوية على الاتجاهات الاستراتيجية الثلاثة (شمالًا – غربًا – جنوبًا). إلا أن ما يدحض هذا السيناريو هو كفاءة مؤسسات الدولة المصرية وقدرة المجتمع المصري على مقاومة معاول الهدم.
ثالثًا: استمرار النفوذ المصري في بعض الملفات وتراجعه في ملفات أخرى:
يمكن أن تكون القاهرة في لحظة تاريخية ما عرضة للتخلي عن بعض الملفات في سبيل التخفف من الأعباء المتزايدة، وللتركيز على الملفات ذات الأولوية القصوى للمصالح الحيوية المصرية، وهو ما يمثل السيناريو الوسيط.
وعلى الرغم من العقبات التي تواجه الدور المصري إقليميًا وعالميًا، إلا أنه في بعض الأحيان تمثل المحن الإقليمية والدولية منحًا وفرصًا للقوى المتوسطة لاستغلال الخلخلة الحادثة في النظام الدولي والنفاذ عبرها للعب أدوار أكبر وأكثر تأثيرًا. كما يمكن للقاهرة أن تسعى نحو مراكمة نفوذها وتعزيز دورها الإقليمي والدولي عبر الحفاظ على سياساتها الخارجية المتوازنة وعدم الانجرار نحو التصادمات الناتجة عن الاستفزازات. كما يتحتم على القاهرة أن تسعى نحو بناء تحالفات متينة وفعالة مبنية على المصالح الوطنية لكافة الأطراف، في سبيل تعزيز توازن القوى الإقليمي والتغلب على العقبات التي تواجه النفوذ المصري وتتهدد أدوار القاهرة إقليميًا. تمثل تلك التحالفات أحد أهم الركائز للتغلب على التحديات.
وختامًا يمكننا القول إن الدور المصري في السياسة الدولية بعد خمسين عامًا لن يُقاس بحجم القوة الصلبة بقدر ما يُقاس بقدرة الدولة على تعظيم وإدارة مواردها الاقتصادية والبشرية، وتوظيف موقعها الجغرافي ورصيدها الحضاري، وأيضًا حسن إدارة التوازنات الإقليمية من أجل حماية أمنها القومي. فمصر بعد خمسين عامًا لا يمكن تجاوزها في معادلات الاستقرار الإقليمي.