رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ماذا حدث للمصريين؟


25-2-2026 | 19:19

.

طباعة
بقلـم: نجوان عبداللطيف

«رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه وبقاله زمان».. تتردد أغنية عبد المطلب فى الشوارع والمحال والفضائيات والإذاعات معلنة بداية الشهر الكريم، ينشغل البعض بالعبادات والبعض بمتابعة المسلسلات والبرامج الرمضانية، ولكن هذا العام هلَّ علينا رمضان بحوادث هنا وهناك، نقلتها وسائل التواصل الاجتماعى (سوشيال ميديا) عبر فيديوهات سجلتها لحظة بلحظة، خلاف بين عائلتين بينهما نسب فى القناطر بمحافظة القليوبية، يتربص أربعة من عائلة، بزوج قريبتهم ومعه طفل عمره 5 سنوات وينهالون عليهما بطلقات خرطوش أحدثت إصابات بالغة للطفل ووالده، لم تشفع براءة الطفل له، والذى من المؤكد لم يرتكب جرمًا، وليس طرفًا فى تلك العداوة بين العائلتين، أناس عاديون بينهم خلاف عادي، ولكن غير العادى طريقة التعامل مع هذا الخلاف على طريقة العصابات والبلطجية.

 

حادث آخر وقع فى كومباوند «فيليت سوديك» فى القاهرة الجديدة «التجمع» وهو أحد التجمعات الفاخرة التى يقطنها الأثرياء، رجل أعمال يمتلك مصنعًا للمنتجات الغذائية فى العاشر، وهو أحد سكان الكومباوند، يتشاجر مع فرد أمن تابع لإدارة الكومباوند يجلس أمام كابينة الحراسة القائمة فى هذا المكان، يعترض على كونه جالسا لا يقوم بواجبه من وجهة نظره، وطبقًا لروايات الشهود يبدأ فى سب فرد الأمن بأفظع الألفاظ، يتعدى لفظيًا على أمه ووالده وأسرته، بذاءة لا حدود لها، وفرد الأمن يقف صامتًا، بينما صاحب الفيلا المقابلة هو وابنته يصورون المشهد، وفى حالة أقل ما يوصف بها هذا الرجل من الهياج والعنف غير المبرر، يتعدى على فرد الأمن بالصفع على وجهه وباللكمات فى كل أنحاء جسمه، ويركله بقدمه فى مناطق حساسة، ولم تفلح تدخلات الجيران وإدارة الكومباوند فى وقفه عن هذا العدوان إلا بعد فترة، عندما تعالت الأصوات وطلب الاستغاثة.

مشهد مروّع لشخص يستغل وضعه الطبقى الأعلى على شخص أقل طبقيًا كثيرًا، شخص لا يستطيع رد الأذى عن نفسه، لأنه يحافظ على لقمة عيشه، وهو يعمل فى هذا الكومباوند منذ 5 سنوات وكان يعمل فى ذات النقطة أمام فيلا رجل الأعمال المعتدي، وتم نقله بسبب افتعال رجل الأعمال مشاكل معه ومع جاره صاحب الفيلا المقابلة، ولظروف العمل تم إعادته بعد 6 شهور.

الفيديو الذى انتشر للحادثة أثار غضب الغالبية، الذين اعتبروه كاشفًا لسلوك طبقة ترى من حقها -لمجرد أنها تمتلك المال الوفير- التعامل مع الفقراء بصلف وتعالٍ، بل وبازدراء وبكل الوسائل خاصة العنف اللفظى والجسدي، دون مراعاة لمشاعرهم وظروفهم.

نحن أمام مصر أخرى وحراك اجتماعى كبير، أدى لتعدد كبير فى الطبقات.. طبقة وسطى كانت يومًا هى الطبقة الأوسع التى تقود المجتمع بينما الآن تعرضت للانكماش، جزء منها يتشبث بمكانته بجهد كبير، وبعضها سقط فى بئر الفقر، وبينهما ما زال يقف على الحافة، أما الفقراء الذين هم الأغلب، فاتسعت رقعتهم وينقسمون بين من يدور حول الفقر، ومن يتعلق بسطح الطبقة أملا فيمن ينقذهم، وبين من استقروا فى القاع غير طامحين إلا فيما يجعلهم على قيد الحياة.

آما الأثرياء الذين كانوا يمثلون النصف فى المائة، ربما لم تزد نسبتهم، ولكنهم لم يعودوا طبقة واحدة متجانسة، ومعظم تلك الطبقة بتنوعها يعيشون فى دوائر من العزلة فى المجتمعات العمرانية الجديدة «آهل إيجيبت»، ينعزلون داخل أسوار الكومباوندات، والتى هى الأخرى تنقسم إلى مستويات حسب (الكوميونتي)، ولكل طبقة نظام تعليم خاص لأبنائها من الحضانات إلى المدارس إلى الجامعات، كما لها مطاعمها ومتنزهاتها الخاصة وأماكن أجازاتها فى العين السخنة والجونة وغيرها شتاءً، وفى الساحل الشمالى الشرير من بعد مارينا حتى رأس الحكمة صيفا، بخلاف رحلاتها إلى الخارج، وتسيطر الثقافة الغربية إلى حد كبير على لغتهم وثقافتهم وقيمهم، بخلاف خضوع المجتمع لسياسة السوق والتأثير على أنماطهم الاستهلاكية، التى تبدو استفزازية للآخرين، وللأسف تشعر تلك الطبقة بأنها الأعلى، وتمارس كثيرًا من صنوف العنف والأذى النفسى والجسدى على منْ هم أدنى، مما يؤثر على تلك الطبقة الدنيا التى تشعر بالقهر والغضب وغياب العدالة، حيث تستخدم تلك الطبقة نفوذها وأموالها فى الهروب من العقاب عند ارتكابها جرائم حتى القتل، فى أقصى الظروف تجبر الأشخاص الواقع عليهم الأذى على التنازل عن حقهم، بالترهيب أو بالتسوية المادية، وتعبر الطبقة الدّنيا عن ذلك بكراهية هؤلاء الأثرياء والمجتمع، ويتولد لدى البعض منهم الرغبة فى قهر الآخرين وممارسة العنف ضد بعضهم البعض.

لولا السوشيال ميديا وتأثيرها على الرأى العام، والتى نقلت وحشية رجل الأعمال تجاه فرد الأمن، الذى تحمل كل هذا الأذى صامتًا مقهورًا، ربما سارت الأمور فى اتجاه آخر، هذا التحرك السريع لإدارة الكومباوند والتى أكدت أنها تحافظ على كرامة موظفيها، وأصدرت بيانًا قويًا تؤكد فيه على مساندة فرد الأمن حتى يحصل على حقه، وقامت بتوكيل محامٍ شهير للدفاع عنه، كما قامت الداخلية بضبط وإحضار رجل الأعمال على الفور، وحبسته 4 أيام على ذمة التحقيق.

«ماذا حدث للمصريين؟».. كتاب لأستاذ الاقتصاد الاجتماعى الجليل د. جلال أمين رحمه الله، رصد فيه مظاهر الحراك الاجتماعى خلال 50 عامًا من 1945 حتى 1995، أعتقد أن ما حدث فى الأعوام الثلاثين التالية أكبر وأصعب وأخطر وبحاجة إلى أن يقوم علماء الاجتماع سواء السياسى أو الاقتصادى ببحث وتحليل (ماذا حدث للمصريين؟).

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة