على مدى عقود، ارتكز النهج الرسمي للصين تجاه كوريا الشمالية على مبدأ "نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية".
وذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن هذا المبدأ تكرر في كتب الدفاع البيضاء (الوثائق الرسمية الخاصة بسياسة الدفاع الصينية) والبيانات المشتركة والتحركات الدبلوماسية، بوصفه الدليل الخطابي الذي تقدمه بكين على معارضتها لطموحات بيونج يانج النووية.
غير أنه في أواخر نوفمبر الماضي، أصدرت الصين أحدث كتاب أبيض لها بشأن ضبط التسلح ونزع السلاح ومنع الانتشار.
وللمرة الأولى منذ سنوات، خلا هذا المستند من أي إشارة صريحة إلى نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية. وبدلا من ذلك، تضمن دعوات عامة إلى "السلام" و"الاستقرار" وحل القضايا عبر "الوسائل السياسية"، مع إعادة التأكيد على ما وصفته الصين بـ"موقفها المحايد" من القضية.
وقد انعكس هذا النهج في مجمل التفاعلات الدبلوماسية الصينية الأخيرة. فحتى بعد إطلاق كوريا الشمالية صاروخين على الأقل في البحر الفاصل بين الكوريتين واليابان في 4 يناير الجاري، قللت البيانات الرسمية الصادرة عن القمة التي عقدت قبل أيام في بكين بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، من شأن هذه التطورات. ورغم أن "لي" طلب، بحسب التقارير، من الصين الاضطلاع بدور وساطة في شبه الجزيرة الكورية، إلا أن غياب هذا الطلب عن البيانات الرسمية اللاحقة من الجانبين أوضح أنه لم يكن محور اللقاء، كما أن القمة نفسها لم تسفر عن بيان مشترك.
وبحسب "فورين بوليسي" ، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول ذي مغزى، فبكين باتت تقلل من أولوية هدف (نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية) تنظر إليه حاليا وعلى نحو متزايد باعتباره غير واقعي وغير مريح استراتيجيا.
ويعكس هذا الانفصال الهادئ عن هدف نزع السلاح النووي حسابات جديدة للصين تتعلق بتخوفات من عدم الاستقرار الإقليمي، واحتمالات انهيار النظام في بيونج يانج، وبالتالي خطر فقدان أرضية استراتيجية لصالح الولايات المتحدة.
وتؤكد المجلة الأمريكية أن لغة وثائق السياسة الخارجية الصينية نادرا ما تكون عشوائية، وغالبا ما تكون الجزئيات المحذوفة كاشفة بقدر الإضافات. ففي بيانات سابقة لضبط التسلح والأمن، بما في ذلك موقف الصين خلال محادثات "الأطراف الستة" بشأن القضية النووية في شبه الجزيرة الكورية عام 2005، أكدت بكين بوضوح التزامها بشبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووي. وأعيد التأكيد على هذا الالتزام في سياسات التعاون الأمني في آسيا والمحيط الهادئ لعام 2017، وفي بيانات القمم الثلاثية بين الصين وكوريا الجنوبية واليابان أعوام 2015 و2018 و2019. وحتى عام 2021، كان الرئيس الصيني يطرح نزع السلاح النووي كهدف مشترك في لقاءاته مع القادة الكوريين الجنوبيين، بل إن مسؤولين صينيين أكدوا هذا الالتزام في محافل دبلوماسية متعددة، من بينها الأمم المتحدة، حتى يوليو 2023.
أما الكتاب الأبيض الصادر في نوفمبر 2025، فيغير المسار، إذ يركز على الاستقرار بدلا من نزع السلاح، وعلى الحوار بدل الضغط، وعلى التوازن بدل الإنفاذ. ورغم أن هذه الأولويات ليست جديدة، إلا أن غياب نزع السلاح النووي كهدف صريح يمثل قطيعة مع خطاب امتد لعقود.
وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن هذا التحول يتسق مع سلوكيات حديثة للصين. فقد دعت بكين إلى تخفيف تنفيذ العقوبات الأممية على كوريا الشمالية، وأعادت تنشيط التجارة العابرة للحدود، وحمت بيونج يانج من إجراءات عقابية إضافية في مجلس الأمن عبر استخدام الفيتو أو الامتناع عن التصويت.
ورغم استمرار الدعوات الصينية إلى السلام، فإنها لا تظهر رغبة حقيقية في استخدام النفوذ الكبير الذي تمتلكه، بوصفها شريان الحياة الاقتصادية لكوريا الشمالية بما يمثل 98% من تجارتها الخارجية، للضغط باتجاه تقليص البرنامج النووي.
وأوضحت المجلة أنه في قمة الصين–كوريا–اليابان عام 2024، التي عقدت بعد توقف دام قرابة خمس سنوات، خلا البيان المشترك من موقف موحد بشأن نزع السلاح النووي الكامل. كما تجنب وزير الخارجية الصيني وانغ يي الإشارة إلى هذا الهدف خلال لقاء ثنائي مع نظيره الكوري الجنوبي في سبتمبر الماضي. وتكرر الغياب نفسه في لقاء شي ولي على هامش قمة "أبيك" في كيونغجو، ثم مجددا في قمة بكين قبل أيام.
ووفقا لمجلة "فورين بوليسي"، ففي جوهر الأمر، لم يعلن الكتاب الأبيض سياسة جديدة بقدر ما اعترف بواقع قائم: نزع السلاح النووي لم يكن يوما على رأس أولويات بكين العملية. فالهاجس الأساسي لصناع القرار الصينيين ظل منع نشوب صراع عسكري قد يجلب الولايات المتحدة إلى المنطقة، ويزعزع شمال شرق آسيا، ويدفع بموجات لاجئين عبر نهر يالو إلى داخل الصين. كما أن انهيارا مفاجئا لنظام كوريا الشمالية قد يفضي إلى شبه جزيرة موحدة متحالفة مع واشنطن.
ولفتت إلى أن هذه الحسابات تتجسد في إطار "اللاءات الثلاثة" الصينية الشهيرة: لا حرب، لا فوضى، لا سلاح نووي. غير أن اللاء الأخيرة يبدو أنها أقل أهمية من الأولى والثانية. فمن منظور بكين، تشكل الأسلحة النووية الكورية الشمالية تهديدا ثانويا يردع سيول وواشنطن أكثر مما يستهدف الصين، ما يجعل هذا الوضع غير المريح قابلا للإدارة طالما بقي النظام الكوري الشمالي مستقرا وقابلا للاحتواء.
ونبهت المجلة إلى أن قبول هذا الواقع ينطوي على مخاطر جسيمة للصين نفسها. فترسانة نووية آخذة في التوسع تزيد من احتمالات الحوادث وسوء التقدير، وتدفع سيول وطوكيو إلى تعزيز تعاونهما الأمني مع الولايات المتحدة، بما يقوض مصالح الصين. كما أن التسامح مع الوضع النووي لكوريا الشمالية يضعف نفوذ بكين على بيونج يانج، ويشجعها على تجاهل النصائح الصينية والتوجه أكثر نحو موسكو.
لذا، فإن ابتعاد الصين عن هدف نزع السلاح النووي، رهان ولد، في رأي "فورين بوليسي"، من رحم الإحباط إزاء هدف بعيد المنال، والخشية من بدائل أسوأ، لكنه في كل الأحوال يظل مقامرة قد لا تؤتي ثمارها، وترتد على بكين.