منذ مئة عام، إذا كنت صادفت وسألت أي شخص ممن يعتبرون متقدمين ويحظون بفرصة التطور والرقي أكثر من غيرهم من سكان العالم البالغ عددهم حوالي ٢ مليار نسمة، فربما تجد لديه كهرباء وسيارة ويستمع إلى الراديو ويقرأ الصحف كثيرًا، وربما تجد لديه بعض الأخبار عن انتقال السينما من مرحلة السينما الصامتة إلى الناطقة، التي ستبدأ في عرض أول فيلم كامل في السادس من أغسطس من نفس العام تحت اسم “دون جوان”، وستشعر أن هذا الشخص ما زال محتفظًا بالقيم الأسرية ولديه رصيد كبير من العلاقات الإنسانية والاجتماعية، شخص ينظر إلى السفر على أنه أمر شاق ليس متاحًا للجميع، وأن السفر بالباخرة هو الشائع، والطائرات ربما يكون محظوظًا لامتلاكه هاتفًا منزليًا ضمن 25 مليون مشترك حول العالم كله.
وإذا بدأت الحديث معه وحاولت أن تحدثه عن شكل العالم بعد مئة عام فإنه لن يصدق ما تقول، لن يستطيع استيعاب معنى الحاسب الشخصي ولا شبكة الإنترنت ولا تطبيقات التواصل الاجتماعي ولا الهاشتاج ولا التريند. ربما يستطيع استيعاب معنى الهاتف المحمول والسيارة السريعة والطائرة النفاثة، ولكنك ستتعرض للكثير من المعاناة لشرح واستعراض الميتافيرس والذكاء الاصطناعي، كما سيكون الأمر عسيرًا أن تشرح له ما وصلت إليه المشاعر والعلاقات الإنسانية، أما عن الحروب والصراعات فإن الأمر لن يكون صعبًا فذاكرته ما تزال محتفظة بما حدث في الحرب العالمية الأولى.
وإذا حاولنا اليوم ـ الأول من يناير 2026 ـ أن نتخيل شكل المستقبل بعد مئة عام، فأمامنا طريقتان: الأولى أن نمد الخط على استقامته، خط التكنولوجيا وخط الصراعات وخط عدد السكان وغير ذلك من المجالات، والطريقة الثانية أن ندع كل هذا جانبًا ونطلق لخيالنا العنان متحررين من قيود الحاضر بأن نتوقع أشياء لا نستطيع فهمها أو استيعابها الآن، تمامًا مثلما كان الحال قبل مئة عام مع الشخص الذي بدأنا المقال بالحديث عنه ومعه.
في جميع الأحوال، بحلول هذا العام سيتخطى عدد سكان الكرة الأرضية حاجز العشرة مليارات إنسان، مقارنة بالحال اليوم حيث يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية حوالي 8.2 مليارات. وهنا يجب أن نتساءل: كيف زاد السكان أربعة أضعاف خلال القرن الماضي ولن يزيد عددهم إلا بمقدار الربع عما هم عليه الآن؟ البعض يُرجع ذلك إلى انخفاض معدلات الخصوبة، وخروج المرأة إلى سوق العمل، وارتفاع مستوى التعليم والوعي والثقافة، وإلى ارتفاع متوسط عمر الإنسان وزيادة أعداد كبار السن مقارنة ببدايات القرن العشرين، وهو ما يظهر أثره اليوم في العديد من البلدان التي يقل فيها عدد السكان سنويًا بمعدلات آخذة في النمو. وبغضّ النظر عن الأسباب والمبررات، فإنه وحتى وصول البشرية إلى هذا العام ليس أمامنا إلا تقارير الأمم المتحدة، ومنها التقرير الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الحادي عشر من يوليو عام 2024، والذي يشير إلى تلك التقديرات.
نعود إلى الأول من يناير عام 2126: سيكون الذكاء الاصطناعي قد وصل إلى مستويات قياسية، سيكون الذكاء الاصطناعي العام موجودًا، وفي هذا الوقت سيقل اعتماد الإنسان على قدراته العقلية تاركًا المجال للتطبيقات وللروبوتات. ستكون المدن ذكية والمنازل ذكية ووسائل النقل المختلفة، بما فيها الطائرات والسيارات بلا قائد من البشر. وفي مجال التوظيف سيختفي عدد منها تمامًا، وستأخذ الآلة أغلب الوظائف الأخرى، فلن نجد على سبيل المثال "معلمًا" ولا مدارس؛ سيتعلم الأطفال كلٌّ في منزله، وسيتلقى كل طالب منهجًا دراسيًا مختلفًا عن زملائه يعتمد على مهاراته وقدراته وميوله. وستختفي التخصصات الدقيقة إلا في يد قلة تستطيع أن تعمل خارج سيطرة الروبوتات، تقوم معها بالتخطيط لباقي البشر الذين سيحصلون على تعليم عام يجعلهم على دراية بمجالات كثيرة. أما الأطباء والجراحون فسينحسر عددهم، فالآلة ستشخص وتعالج وتُجري العمليات الجراحية، وستكون حاضرة في جلسات العلاج النفسي لتعطي الإنسان النصح وخطة التعافي. وستتقدم علوم الأدوية واللقاحات، فسيتم القضاء على السرطان تمامًا من خلال تعديلات جينية ومن خلال أدوية للوقاية والعلاج، وسيطول عمر الإنسان إلى 120 عامًا أو يزيد. أمر مشابه سيحدث في المجال الزراعي، فسيتقلص عدد المزارعين، وستقوم الآلات والروبوتات بالعمل، وسيتم استحداث بذور وأنماط جديدة من التربة، وستتغير الدورات الزراعية تمامًا؛ فعلى سبيل المثال سيتقلص زمن زراعة القمح من أربعة أشهر إلى عشرة أيام.
سيشعر الإنسان بفداحة الإهمال في معالجة قضايا تغيّر المناخ، وهو ما سيدفعه ولأول مرة إلى اتخاذ إجراءات جدية للتخلص من مصادر التلوث واللجوء إلى الطاقة الجديدة والمتجددة، ويتخلص تمامًا من الوقود والفحم وغيرها من الملوثات، بل سيصل إلى مرحلة التخلص تمامًا من الأكياس البلاستيكية، ويعود إلى المواد الصديقة للبيئة كجزء من منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري، حيث كل شيء قابل لإعادة التدوير، كل شيء بمعنى كل شيء.
ستختفي تمامًا العملات الورقية والمعدنية، وسيتحول العالم إلى نظام هجين بين العملات الإلكترونية التقليدية والعملات المشفرة التي سيزيد الاعتراف بها من الدول وبنوكها المركزية الواحدة تلو الأخرى، حتى إن عددًا كبيرًا من الدول سيقوم بإصدار عملات رقمية مشفرة. وسيقل اعتماد قوة الاقتصاد على الزراعة والتصنيع في مقابل التكنولوجيا والمعرفة، أي البيانات والمعلومات وتحليلها.
أما العلاقات الإنسانية فستتأثر كثيرًا، ستكون العلاقات هجينة بين البشر والروبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد يصل الأمر إلى التزاوج الافتراضي أيضًا. وعلى الجانب الآخر فإن مفهوم الأسرة سيتأثر كثيرًا؛ سيقل الإقبال على النمط التقليدي، ستكون الأسر أصغر حجمًا وأقل ترابطًا، سيتعلم الأبناء بواسطة الروبوتات، وهو ما قد يحدث تحت إشراف الأهل في بعض المجتمعات. أما أنماط الثقافة والسياحة والتسلية فستتغير تمامًا؛ الميتافيرس سيكون حاضرًا وبقوة، فلا داعي ولا معنى للرحلات السياحية إلى المناطق الأثرية أو المتاحف أو المعارض الفنية، فالحضور افتراضي. فسيتم إغلاق دور السينما وعدد كبير من المسارح التي قد تصمد لبعض الوقت، فيما ستختفي الصحافة المطبوعة تمامًا ويتم استبدالها بالمنصات. وجهاز التلفزيون سيتحول إلى بوابة للمنصات الرقمية، وسيختفي المذيع التقليدي ويُستبدل بروبوت من الذكاء الاصطناعي يستطيع المشاهد تغيير شكله وصوته أو حتى استبداله بشكل وصوت من يحب. أما في الدراما فالوضع أكثر تغيرًا؛ ستختفي الأفلام الطويلة والمسلسلات، ويُستبدل كل هذا بمقاطع قصيرة لا تزيد على خمس دقائق لتعطي جرعة مكثفة ورسائل كثيرة. سيتم أيضًا استدعاء الماضي وإعادة إنتاجه بصورة متداخلة؛ فقد نرى فيلمًا قصيرًا يظهر فيه إسماعيل ياسين مع أحمد زكي مع جريجوري بيك، ويشاركهم العمل عدد من الروبوتات. وفي الوقت نفسه سيتم إعادة كتابة التاريخ بعدة صور مختلفة بناءً على وجهات نظر، وقد يتم تزييفه أيضًا، وهو ما سيجعل عددًا من الجمعيات تنشط بقوة في مجال الحفاظ على التراث، ولكن صوتها لن يكون مسموعًا في ظل انتشار المحتوى الجديد وسيطرة الخوارزميات.
عودة إلى عدد السكان المتوقع، لم يذكر التقرير عدد الروبوتات التي ستكون في كل مكان وستصبح شديدة الإتقان في الصنع، حتى إن إمكانية التفرقة بين الإنسان الطبيعي وبين الروبوت ستكون في غاية الصعوبة، ولذلك سيتم ابتكار أجهزة للكشف؛ ستبدأ كبيرة الحجم، ومع الوقت ستصبح صغيرة ودقيقة إلى درجة أن يرتديها الشخص في إصبعه ويقوم بتوجيهها ناحية الشخص الذي يشك فيه، وفي ثوانٍ معدودة ستخبره إذا ما كان الشخص الواقف أمامه إنسانًا حقيقيًا أم روبوتًا شديد الإتقان.
للأسف الشديد، فإن الصورة السابق الإشارة إليها لن تعم العالم كله، حيث إنها تعتمد كثيرًا على قوة الدول اقتصاديًا ومدى امتلاكها للتكنولوجيا والقدرة على توظيفها وتطويرها. لذلك سنجد مجتمعات ما تزال تعيش في بدايات القرن الحادي والعشرين أو حتى قبل ذلك قليلًا أو كثيرًا، ولذلك سيحدث انقسام كبير بين البلدان. لن يكون بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب مثلما كانت التقسيمات السابقة، بل سيكون متناثرًا حول العالم كله؛ فقد تجد دولة من الفئة الأولى تجاورها دولة من الفئة الثانية أو الثالثة، وعند هذا الحد لن يكون التقدم يسيرًا، بل سيحتاج إلى جهود مضاعفة، خاصة بعد قلة اعتماد الإنسانية على الموارد الطبيعية مثلما كان الوضع مستقرًا بدرجة كبيرة في العصر الصناعي، وبدرجة أقل نوعًا ما في المئة عام الأولى من عصر المعلومات.
ونتيجة أنه لم يعد الإنسان هو المركز كما كان يتخيّل نفسه أو يود أن يكون دائمًا، وبالرغم من الرفاهية غير المسبوقة، أحسّ كثيرون بأن شيئًا جوهريًا يتفلّت من بين أصابعهم، تلك الروح التي كانت تمنح الوجود معنى. ومن هنا بدأت تظهر، في صمت أولًا ثم في صخب، حركات وجمعيات تحمل شعارًا بسيطًا لكنه غاية في العمق، تنادي بالعودة إلى الإنسانية المفقودة.
الأمر الملفت للانتباه أن هذه الدعوات لم تكن نابعة من خوف بدائي من التكنولوجيا كما حدث في أوائل القرن الحادي والعشرين، بل نشأت من قراءة واعية للتاريخ القديم والحديث أيضًا. فما حدث خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين كان كافيًا لاستشعار الخطر؛ فالبشر، عبر آلاف السنين، عاشوا دورة متكررة: يبتكرون ما يعينهم، ثم يخضعون لما صنعوه دون أن يشعروا. وفي عام 2126 بدا أن الدورة بلغت ذروتها؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة، بل مسيطرًا في الحياة، موجّهًا للقرارات، ومفسرًا للمشاعر، ومصممًا لمسارات المستقبل الفردي والجماعي.
كانت أول حركة من هذا النوع تُعرف بـ"رابطة الوعي البشري"، وهي جماعة تؤمن أن الإنسان مهما تطور تظل لديه مساحة داخلية لا يمكن تقليدها أو محاكاتها ولا يجب الاقتراب منها، ومن الواجب الحفاظ عليها، وهي مساحة الشك والتأمل والخطأ. ثم تبعتها جماعات أخرى، لكل منها رؤيتها، لكنها تتفق على سؤال واحد: ماذا يبقى من الإنسان إن أُزيلت منه حدوده ونقائصه وسيطرت عليه الآلات؟ وقد لاقت تلك الحركات إقبالًا من فئات لم يكن متوقعًا أن تنضم إليها مثل علماء البيانات ومطوري الأنظمة المستقلة، وحتى بعض إداريي الشركات الكبرى الذين صحت ضمائرهم وشعروا بفداحة ما تروج له شركاتهم. هؤلاء رأوا بأعينهم كيف صار الإنسان بلا إنسانية، وكيف ظهرت أعراض جديدة لم تُعرف في الأزمنة السابقة مثل فقدان الحافز وضبابية الهوية، وتقلّص قدرة الفرد على اتخاذ قرار دون دعم آلي.
ولذلك، كانت دعوات تلك الحركات تدور حول إعادة الإنسان إلى مركز الكون، لا بإلغاء الذكاء الاصطناعي، بل بتحجيمه وإعادة تعريف دوره. كانوا ينادون بأن يعيش الإنسان لحظة الخطأ ولحظة الاكتشاف بصفائهما، وأن يستعيد حقه في التردد والشك، وأن يمارس وحده فعل الاختيار دون وسيط يرشّح له الأفضل دائمًا. ربما لم تغيّر تلك الحركات العالم كله، لكن يكفي أنها أعادت للبشر سؤالًا بدا مهددًا بالاختفاء، سؤالًا بدأ يتردد بقوة: ما هو تعريف الإنسانية وأين نجد الإنسان؟.