رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عيد الميلاد رسالة تفاؤل اجتماعية ورؤية وطنية


7-1-2026 | 19:04

.

طباعة
بقلـم: الأسقف ذمسكينوس الأزرعى

يطلّ علينا عيد الميلاد المجيد من كل عام، لا بوصفه ذكرى دينية فحسب، بل باعتباره محطة إنسانية ووطنية عميقة المعنى، يتلاقى فيها الإيمان مع التاريخ، والروح مع المجتمع، والرجاء مع المستقبل، ففى ميلاد السيد المسيح، تتجدد قيم المحبة والسلام والكرامة الإنسانية، وهى القيم ذاتها التى قامت عليها الأمم الحية، وتنبت بها الحضارات الراسخة، وفى مقدمتها الحضارة المصرية العريقة التى علّمت العالم معنى الاستمرار والتجدد عبر آلاف السنين، وما تزال مصر، رغم تعاقب الأزمنة، قادرة على الجمع بين الأصالة والتجدد، بين الجذور العميقة والطموح المنفتح على المستقبل.

 

إن عيد الميلاد المجيد يحمل رسالة واضحة للمجتمع أجمع: أن النور يُولد من وسط العتمة، وأن الأمل يخرج من رحم الألم، وأن الإنسان قادر – متى تمسك بالقيم – على تجاوز أصعب التحديات، وهذه الرسالة فى عمقها، تتجاوز الإطار الدينى لتصبح رسالة وطنية واجتماعية، تخاطب كل مصرى، وتدعوه إلى الإيمان والتمسك بوطنه الضارب الجذور فى عمق التاريخ، وبذاته، وبقدرة المجتمع على النهوض مهما اشتدت الظروف.

ومع بداية عام جديد، لا يسعنا إلا أن نقف فى محطة الزمن أمام معنى ومسئولية اللحظة، فالعام الجديد ليس مجرد أرقام متجددة ضمن التقويم، بل فرصة حية للمراجعة والبناء، وفرصة لترسيخ روح الانتماء والعمل المشترك، فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، بل تُبنى بسواعد أبنائها، وبوعيهم، وبإدراكهم أن الاختلاف لا يُضعف الوطن، بل يُغنيه، وأن التنوع كان وسيظل أحد أسرار قوة مصر أرض الكنانة المباركة ووحدتها.

إن الروح الوطنية المصرية، التى تجلت عبر التاريخ فى أوقات الشدة قبل الرخاء، هى ذاتها روح اليوم؛ روح ترى فى العمل قيمة، وفى التضحية شرفًا، وفى خدمة الوطن واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون مسئولية قانونية، وهى روح لا تُستدعى فى الأزمات فقط، بل تتحول إلى ممارسة يومية فى الإتقان، واحترام القانون، وحفظ كرامة الإنسان، وعيد الميلاد المجيد يذكرنا بأن أعظم الأفعال تنطلق فكرتها من القلب، وأن بناء المجتمع يبدأ من الإنسان الصالح، الواعى، المحب لوطنه.

عندما نتطلع إلى مصر مع بداية عام 2026، فإننا لا نتحدث عن حلم، بل عن واقع مشرف ومسار وطنى يتشكل كل يوم بالصبر والعمل، تعى مصر تماما وتدرك قيمة الاستقرار، وتوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتضع الإنسان المصرى فى قلب كل مشروع وقرار، فمصر التى تستثمر فى التعليم الحقيقى، وتدعم الثقافة والفنون، باعتبارها القوة الناعمة التى شكّلت وجدان الأمة، وصانت هويتها عبر العصور.

مصر 2026، كما نراها، هى مصر التى تعطى لشبابها الثقة قبل التعليم، وتمنحهم الأمل قبل التوجيه، وتفتح أمامهم آفاق المشاركة لا التهميش، وهى مصر التى تعرف أن المرأة ليست عنصرًا مكمّلًا، بل ركيزة أساسية فى بناء المجتمع، وأن الأسرة المصرية ستظل الحصن الأول للقيم، والمدرسة الأولى للمواطنة والانتماء.

لا يمكن لأى رؤية وطنية أن تكتمل دون التأكيد على أن مصر كانت وستظل وطنًا للجميع، لا يفرق بين أبنائه على أساس الدين أو الانتماء أو الخلفية الاجتماعية. فالوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع فى المناسبات، بل ثقافة تُمارس كل يوم، وسلوك يتجسد فى الاحترام المتبادل، والتضامن الحقيقى، والشعور الصادق بأن مصيرنا واحد ومستقبلنا مشترك.

وفى زمن يموج بالقلق والاضطراب، تبقى مصر بحاجة إلى خطاب رجاء واعٍ، لا يُنكر التحديات، لكنه يثق فى الإنسان المصرى، وفى قدرة الوطن على العبور الآمن نحو الغد، إن الميلاد المجيد، وهو يفتح أمامنا باب الرجاء، يدعونا إلى أن نحمل هذا الرجاء إلى الشارع والمدرسة والبيت ومكان العمل أيضا، وأن نكون شركاء حقيقيين فى حماية الوطن، وفى دعم استقراره، وفى ترسيخ قيم العمل والانتماء والمسئولية، فالوطن ليس أرضًا نعيش عليها فقط، بل هو واحة حية تعيش فينا ونحيا بها.

فى عيد الميلاد، ومع إشراقة بداية عام جديد، نصلى من أجل مصر: من أجل قيادتها الحكيمة، من أجل جيشها ومن أجل أمنها واستقرارها، ومن أجل وعى أبنائها، ومن أجل مستقبل يليق بتاريخها وتضحيات شعبها، نصلى أن يبارك الله هذه الأرض الطيبة، وأن يمنح أبناءها القوة والحكمة، وأن يجعل من عام 2026 خطوة جديدة على طريق المنجزات والتقدم والازدهار، ومتجذرة فى هويتها.

كل عام ومصر بخير، كل عام وشعبها أقوى بوحدته، كل ميلاد وأنوار الرجاء تشرق فى قلوب أبنائها، كل عام جديد ومصر تمضى إلى المستقبل بثقة وإيمان.

 
    كلمات البحث
  • عيد
  • الميلاد
  • المجيد
  • محطة
  • وطنية