ليست الموسيقى فنًّا يقف عند حدود زمانٍ أو مكان بعينه، بل كائنٌ حيّ يتغيّر مع تغيّر الإنسان، فكلما نضج الوعي وابتكرت الحضارة أدوات جديدة للتعبير، نمى الفن وتفتحت أزاهيره. ولعلّ السؤال عن حال الموسيقى بعد مائة عام هو في جوهره سؤال عن صورة الإنسان في المستقبل: كيف سيشعر؟ وكيف سيسمع؟ وكيف سيتخاطب مع العالم من حوله؟
وإذا كانت العقود الأخيرة قد شهدت تحولات هائلة من الموسيقى الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن انتشار خدمات البث إلى الغرف الصوتية المصمَّمة نفسيًا ـ فإنّ القرن القادم سيحمل دون شكّ انقلابًا أعمق، قد يعيد تعريف الموسيقى ذاتها: ما هي؟ وممّ تتكوّن؟ ولمن تُوجَّه؟
يهدف هذا المقال إلى رسم لوحة استشرافية دقيقة، تستند إلى التحولات التقنية والثقافية والاجتماعية التي تلوح ملامحها منذ الآن، وتتعمّق أطيافها كلّما تقدّم الزمن خطوة نحو المستقبل.
أولًا: الموسيقى بوصفها خبرةً لا صوتًا:
في واقعنا المعيش ما زالت الموسيقى تعتمد، في جوهرها، على وسيط صوتي يُبَثّ عبر آذان المستمع. أمّا بعد مائة عام، فمن الراجح أن تتحوّل الموسيقى إلى خبرة شاملة متعددة الحواس، لا تقف عند حدود السمع، بل تمتد إلى اللمس والرؤية، وإلى مستويات أكثر دقّة في الجهاز العصبي.
فمن المنتظر أنه ستنتشر -على نطاق واسع- أجهزة التحفيز العصبي اللاسلكي التي تُمكّن الفنان من بثّ لحنٍ لا يُسمَع فقط، بل يُشعَر في صورة نبضٍ دافئ أو اهتزازات دقيقة تسري في الجسد وفق إيقاع مُبرمَج. وسيغدو بمقدور المستمع أن "يدخل" العمل الموسيقي دخولًا كاملًا؛ أي أن يعيش في داخله، وأن يتجوّل بين طبقاته، وأن يتفاعل مع نغمة أو مقام أو صوت كما يتفاعل اليوم مع عناصر لعبة افتراضية.
إنّ الموسيقى، بهذا المعنى، ستكفّ عن كونها مجرد أثر، وتصبح فضاءً يعيش فيه الناس لحظات محددة: للحزن، وللتركيز، وللعبادة، وللعلاج.
ثانيًا: ولادة "الموسيقي المزدوج" الإنسان والآلة معًا:
بعد مائة عام سيزداد اندماج الذكاء الاصطناعي في عملية التأليف بصورة تجعل الحدود بين المبدع البشري والآلة تكاد تكون متلاشية. فلن يكون السؤال: هل يستخدم الفنان الذكاء الاصطناعي؟ بل: إلى أي مدى يشارك الذكاء الاصطناعي في تكوين ذوقه الإبداعي؟
سيظهر جيل من الفنانين يمكن وصفهم بـ "الموسيقيين المزدوجين"؛ أي أولئك الذين يملكون عقلًا بشريًا مُلهَمًا و”عقلًا مساعدًا” من الذكاء الاصطناعي، بعمل على أن: يلتقط هذا العقل المساعد التقلبات العاطفية للمؤلف في أثناء التأليف، ويقدّم اقتراحات لخطوط لحنية وفق الحالة النفسية للفنان، ويعيد تشكيل المقطوعة بناءً على استجابة الجمهور في الوقت الفعلي، ويستطيع أن ينتج آلاف الاحتمالات اللحنية للمقطع الواحد خلال ثوانٍ.
لكن الأهم أن الموسيقى لن تعود حكرًا على من يمتلكون مهارات تقنية عميقة في العزف أو التدوين؛ فبرمجيات المستقبل ستمكّن أي شخص من تحويل مشاعره الخام إلى موسيقى. يكفي أن يُعبّر عن حالته غضبًا أو فرحًا أو هدوءًا؛ فيولد لحنه الخاص، فريدًا غضًا.
هذا سيفتح الباب أمام ديمقراطية موسيقية لم يشهدها التاريخ: آلاف الملايين من المؤلفين الصغار، يخلقون أعمالًا تشبههم، لا تحتاج إلى إنتاج ضخم ولا أدوات معقدة.
ثالثًا: الموسيقى علاجًا لا ترفًا:
تمتّعت الموسيقى منذ وجود الإنسان بقدرة علاجية، لكن الطب الحديث لم يكن قادرًا على تسخيرها إلا في حدود ضيقة. أمّا بعد قرن، فستصبح الموسيقى عنصرًا أساسيًا في الطب الشخصي، عبر ما يسمى المعالجة الصوتية الجينية؛ إذ سيتمكّن الأطباء من معرفة التردد العصبي لكل شخص: المناطق التي تستجيب للحزن، أو التي تعاني من التوتر. وبناءً على هذا التحليل، تُنشَأ موسيقى خاصة بالإنسان، تُصمَّم له وحده، بحيث: تخفض نبض القلب خلال دقائق، وتعدّل مستويات الهرمونات، وتمنح الشعور بالسكينة أو الحماسة حسب الحاجة، وتساعد مرضى الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم.
بل إن بعض العلماء سيبتكرون لقاحات موسيقية طويلة الأمد، تُبرمج الجهاز العصبي على مقاومة التوتر. وهكذا يتحوّل الفن إلى جزء أساسي من الثقافة العلاجية، لا إلى سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها.
رابعًا: الموسيقى الهجينة بين الثقافات والفضاءات الخلاقة:
في المستقبل ستتداخل الثقافات بلا حدود، وتذوب الفواصل اللغوية والجغرافية. ومن المتوقع أن تظهر موسيقى هجينة تمزج بين: المقامات العربية، والصوتيات الإفريقية، والهارموني الغربي، والإيقاعات الآسيوية، والترددات الصناعية التي تولّدها الأجهزة الإلكترونيّة.
ستكون المقطوعة عابرة للجنسيات، فلن تبقى المقطوعة "مصرية" أو "تركية" أو "إسبانية" إلا من باب الذكرى؛ لأنّ الذائقة العالمية ستكون فسيفساء واسعة تُجمع فيها العناصر من كل مكان. ومع انتشار الهجرات الكبرى وازدهار المدن العالمية المتعددة الهويات، ستنشأ مدارس موسيقية جديدة توحّد ما كان متباعدًا.
وسيتحوّل الجمهور إلى مستمع كوني: اعتاد تنوّع الأصوات، فلا يتعجّب من مقطوعة تجمع بين العود عربي، والسيتار الهندي، والمزمار البلدي، والدرامز الإفريقي، وتتخللها ذبذبات صناعية من إنتاج الذكاء الاصطناعي.
خامسًا: اختفاء مفهوم "الألبوم" وظهور الموسيقى التفاعلية:
لن يكون الشكل التقليدي لإصدار الأعمال الموسيقية -الألبوم أو الشريط- له معنى بعد مائة عام. فالجمهور المستقبلي لن يرغب في الاستماع إلى عمل ثابت، بل سيطالب بعمل يتغيّر معه.
ستولد المقطوعة التفاعلية؛ مقطوعة تتبدّل بحسب: الحالة المزاجية للمستمع، ومعدل نبض قلبه، والسرعة التي يمشي بها، والمكان الذي يوجد فيه، والوقت من اليوم.
سيخرج الإنسان من بيته فتتحول الموسيقى تلقائيًا إلى إيقاع سريع، ثم تهدأ حين يجلس، وتتصاعد حين يعمل، وتتلاءم مع الطقس والضوء والصوت المحيط.
وهكذا لن يكون العمل الموسيقي شيئًا "جاهزًا"، بل حالة حيّة تتشكل لحظة بلحظة.
سادسًا: الحفلات الموسيقية… بين الواقع واللاواقع:
الحفلات المستقبلية ستنقسم إلى ثلاثة عوالم:
١. العالم الواقعي- التجربة النادرة:
سيظل المسرح الواقعي موجودًا، لكنّه سيكون تجربة نخبوية فاخرة، تُشبه حضور أوبرا كلاسيكية اليوم. وذلك لأنّ الجمهور سيفضل الحفلات الافتراضية التي تتيح رؤية الفنان من مسافة صفر، والدخول إلى عالمه الداخلي.
٢. العالم الافتراضي- حفلات لا نهائية:
سيستطيع الفنان أن يُقيم حفلة واحدة فيسجّلها رقميًا، ثم تُقدَّم بتعديلات لا تنتهي: نسخ للحزينين، وأخرى للمنهكين، وثالثة للباحثين عن الاسترخاء.
٣. العالم الهولوغرافي:
سيظهر أشكال من العروض التي تعتمد على إسقاطات ثلاثية الأبعاد؛ فيقف المستمع أمام صورة الفنان وكأنه يراها حقيقة، ويتفاعل معها باللمس والإيماءة.
وسيصبح من الممكن حضور حفلة واحدة في ثلاث مدن مختلفة في اللحظة نفسها.
سابعًا: الموسيقى والهوية الإنسانية:
مع كل هذا التطور، لن تفقد الموسيقى جوهرها: قدرتها على التعبير عن الفرد والجماعة، بل على العكس، ستتعمق أكثر؛ لأن أدوات التعبير ستصبح أدق وأوسع.
وبعد مائة عام ستؤدي الموسيقى دورًا مزدوجًا:
1. تعميق الهوية الفردية:
سيستطيع كل إنسان أن يصنع “بصمة لحنية” تمثّله — مثل بصمة الصوت اليوم — تُستخدم في المراسلات، والمناسبات، والذكريات، وحتى في وسائل التواصل.
2. تعزيز الهوية الجماعية:
ستبتكر المدن الكبرى — مثل القاهرة، ودبي، والرياض، وإسطنبول — ألحانًا خاصة بها، تُعزَف في الفضاء العام، وتُجسّد روحها، وتصبح جزءًا من صورتها الحضارية.
وهكذا ستُساهِم الموسيقى في صياغة الوعي الجمعي، كما تفعل اللغة والأدب والفنون الأخرى.
ثامنًا: الأخلاق الموسيقية في المستقبل:
مع انتشار الذكاء الاصطناعي وقدرته على توليد موسيقى مذهلة، ستثور أسئلة أخلاقية عميقة:
• هل يحق لآلة أن تتقدّم على فنان بشري؟
• هل العمل الذي تنتجه الخوارزمية يُعَد ملكًا لصاحبها أم لبرمجتها؟
• هل سيفقد الإنسان أحد أبرز مجالات الإبداع لصالح الآلة؟
وإذا كان الفن في أصله تعبيرًا عن تجربة بشرية، فهل يُعد لحن اصطناعي خاليًا من الألم والفرح والذاكرة فنًّا؟
من المرجح أن تُسنّ قوانين للفصل بين:
•الموسيقى "الخوارزمية" التي تنتجها الآلة وحدها،
•والموسيقى "الهجينة" التي يشترك فيها الإنسان.
لكن ستظل المعايير الأخلاقية موضع جدل، لأنّ الناس سيجادلون بأن القيمة الجمالية أهم من مصدرها.
تاسعًا: الاقتصاد الموسيقي، من الصناعة إلى النظام البيئي:
سيشهد اقتصاد الموسيقى تحولًا جذريًا، فلن يكون مصدر الدخل الأساسي هو بيع الأعمال أو عروض الحفلات، بل يتوقع أن يتمثل الحال آنذاك في: التخصيص الموسيقي الشخصي (موسيقى تُصمَّم لكل فرد)، والتراخيص العصبية (موسيقى تُباع للشركات لتعديل الحالة النفسية للعاملين)، والعوالم الافتراضية التي تتطلب موسيقى ديناميكية تتغير بالزمن، وموسيقى العلاج في المستشفيات والعيادات، وسيتحوّل الفنان إلى منتج منظومات صوتية لا مجرد مؤلف.
خاتمة: الموسيقى عالم أبعد من الزمن:
بعد مائة عام لن يبقى السؤال: كيف ستتطور الموسيقى؟ بل: إلى أي مدى ستعيد تشكيل الإنسان في ذاته؟
فالموسيقى، وهي أقدم الفنون، ستظلّ ظلًّا للروح الإنسانية أينما توجّهت، ولعلّ التطور التقني الهائل الذي ينتظر العالم لن ينتقص من جوهرها، بل سيعطيها أدوات لتصبح أكثر قربًا من الإنسان، وأكثر قدرة على التعبير عن داخله.
قد تتغير الأشكال، وقد تختفي بعض الآلات، وقد تظهر أصوات لا نعرفها اليوم، لكنّ الحقيقة التي لا تتبدل هي أن الموسيقى ستبقى لغة القلب الأولى، وستظل بعد قرن كما هي الآن: ملاذًا، ومتنفسًا، وجسرًا بين فرد وآخر، وبين الإنسان والوجود.