جهود حكومية مركّزة للتعامل مع ملف الديون؛ سعيًا لتقليص معدلاتها لأقل نسبة ممكنة، لتحريك مصر من المرتبة 32 عالميا فى نسبة الدين إلى الناتج المحلى إلى مرتبة أبعد. وبرؤية متفائلة صرح مؤخرًا الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، بأنه «من المنتظر أن تشهد الفترة القادمة هبوط معدلات الديون إلى أرقام لم تشهدها الدولة منذ 50 عامًا»، ورغم حالة الترقب العامة لمغزى وكيفية تحقيق «الوعد الحكومى»، جاءت تأكيدات خبراء الاقتصاد أن الدين المصرى يسير بمعدلات جيدة نحو الهبوط، وأنه من الممكن بلوغ معدلات الأمان التى تتراوح بين 60 إلى 70 فى المائة، التى يقصدها «د.مدبولى».
أعقبت تصريحات رئيس الوزراء تأكيد الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، خلال صالون معهد التخطيط القومى، أن «الحكومة تسعى لاتخاذ إجراءات استثنائية تهدف إلى خفض الدين مع الحفاظ على الانضباط المالى، من خلال مراجعة الدين الخارجى، وخدمة الدين وطول عمره، ومؤشرات مالية أخرى لتحسين الوضع المالى للدولة».
وحول إدارة ملف الدين، تحدث الدكتور فخرى الفقى، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، وقال: «إجمالى الديون المصرية 15.8 تريليون جنيه، من بينها 161.2 مليار دولار ديون خارجية، نحو 68 فى المائة منها بالدولار، وبقية النسبة باليورو والين واليوان الصينى والدينار الكويتى، ونحو 50 فى المائة من الديون الخارجية هى ديون على أجهزة الموازنة على الحكومة، وبقية النسبة على البنك المركزى فى شكل ودائع للدول الشقيقة ويتم تجديدها، وكذلك ديون قروض صندوق النقد الدولى على البنك المركزى، وهناك ديون على البنوك العامة والهيئات الاقتصادية، خاصة قناة السويس والهيئة العامة للبترول وبعض الشركات الحكومية، أما الديون المحلية فتُقدر بنحو 11 تريليون جنيه، والحكومة مدينة بهذه المبالغ للجهاز المصرفى فى صورة أذون وسندات خزانة، ولا توجد مشكلة فى هذا البند، لكن التخوفات دائما من الديون الخارجية، لكن مهما حدث مصر لم تتخلف نهائيا عن سداد أقساط ديونها.
وأضاف: تُظهر البيانات الرسمية تحسنًا فى نسب الدين إلى الناتج المحلى والتى انخفضت منذ عشر سنوات، وكانت وقتها تشكل 113 فى المائة لتسجل 96 فى المائة خلال (2023 – 2024) ثم 90 فى المائة خلال (2024 2025-)، ومن المنتظر أن ينخفض الدين إلى 84 فى المائة (2025 – 2026) وفقا للموازنة التى تم اعتمادها، حيث نجحنا خلال السنة المالية (2024 2025-) فى تسديد أكبر معدلات ديون سنوية بنحو 39 مليار دولار، وتأتى تصريحات رئيس الوزراء لتعطى تلميحات بأنه قد يقصد تحقيق النسب الآمنة المعترف بها دوليا، والتى يتراوح فيها نسبة الدين من الناتج المحلى الإجمالى ما بين 60 إلى 70 فى المائة، وهذا المستهدف من المؤكد تحقيقه بداية من الموازنة القادمة (2026 – 2027)، لكن تصريحات رئيس الوزراء لم توضح أن خطته موجّهة نحو الدين المحلى أم الخارجى، لكن التكهنات المنطقية تميل للتحرك نحو تخفيض الدين الخارجى الذى يُقدر بنحو 44.5 فى المائة، والنسبة المريحة عالميًا ما بين 30 إلى 50 فى المائة من الناتج المحلى، لكن نسبته منذ 50 عامًا كانت 24 فى المائة، فقد يقصد الدكتور مصطفى مدبولى استهدافه لوصول الدين الخارجى إلى هذه النسبة.
«د. فخرى»، أكد أنه «لتحقيق تلك المستهدفات، فإن الحكومة عليها أولا السعى نحو زيادة قيمة الناتج المحلى الإجمالى أكثر من 17.3 تريليون خلال سنة (2024 2025-)، والمستهدف له تحقيق 20.4 تريليون خلال (2025 – 2026) واستمرار صعوده السنوات المقبلة، أيضا استمرار عمل لجنة الاقتراض الخارجى القائمة حاليا وضبط سقف الاقتراض الخارجى من خلالها، والتى تعمل حاليا على عدم تجاوز الاقتراض الخارجى سقف 40 فى المائة، كذلك من المنتظر أن بعض الودائع تتم مبادلتها مقابل بعض المشروعات الاستثمارية، فمن المنتظر تحويل نحو 4 مليارات دولار إلى جنيهات من الوديعة القطرية مقابل «أرض علم الروم» خلال العام المقبل فقطـ، بخلاف ضخ بقية المليارات على مدار السنوات المقبلة، أيضا صفقة رأس شقير كحق انتفاع وهى شركات قطاع خاص، وقد تكون هناك استثمارات جديدة لم يتم الكشف عنها بعد، فالدول الخليجية لديها فوائض مالية يرغبون فى استثمارها لدينا، وبالتالى من السهل انخفاض الدين الخارجى خلال يونيو 2026 من 44.5 فى المائة إلى 38 فى المائة، ثم 30 فى المائة خلال يونيو 2027، ويمكن الوصول إلى 20 فى المائة خلال عام 2030».
من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بجامعة المنصورة، أن «خطة مصر لخفض الدين تعتمد على مجموعة من الأدوات والسياسات، من أبرزها تحقيق فائض أولى فى الموازنة يعزز قدرة الدولة على سداد الالتزامات دون اقتراض جديد غير ضرورى، وقد ورد فى الموازنة المستهدفة للعام المالى 2025–2026 أن الحكومة تسعى إلى تحقيق فائض أولى بقيمة نحو 795 مليار جنيه (نحو 4 فى المائة من الناتج المحلى)، مع خفض نسبة الدين إلى الناتج المقترح إلى نحو 82.9 فى المائة، كذلك إدارة الدين الخارجى عبر جدولة مواعيد السداد وتقليل تكاليف الفائدة، إضافة إلى مبادرات لإعادة هيكلة الدين من خلال مبادلات تستهدف الاستثمار والتطوير، كذلك تعزيز الإيرادات عبر تنمية القاعدة الضريبية، زيادة العائدات الجبائية، وتحسين بيئة الاستثمار لجذب رءوس الأموال الأجنبية، وأخيرا توظيف أدوات سوق المال مثل إصدار أدوات دين محلية وشبه حكومية (سندات وأذون وصكوك) بهدف تمديد آجال الدين وتقليل أعباء إعادة التمويل».
«د. رضوان»، لفت إلى أن «الحكومة تستهدف من خفض الدين العام خفض أعباء خدمة الدين (الفوائد والأقساط)، مستهدفة بذلك تحرير موارد تُستخدم فى تطوير الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين، خاصة عند رؤية مؤشرات مالية أكثر استقرارًا وقدرة أكبر على الوفاء بالالتزامات والأهم تحسين التصنيف الائتمانى للدولة، ما يقلل التكلفة المستقبلية للاقتراض»، مضيفًا أنه «رغمًا عن ذلك تجد الحكومة تحديات حقيقية، مثل الاعتماد على الاقتراض لسداد الديون المستحقة بالفعل، وكذلك الحاجة إلى زيادة العائدات فى ظل بيئة اقتصادية دولية غير مستقرة نسبيًّا، فالسياسات الحكومية فى حد ذاتها تنجح بشكل نسبى، لكن لتعظيم النواتج المستهدفة لا بد من سياسات مكمّلة مثل تنويع أدوات التمويل، بحيث تعمل الحكومة على تنويع أدوات الدين بدلًا من الاعتماد الكلى على القروض التقليدية.