رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ميزانيَّة عُمان 2026 ..من التحوط المالي إلى مسار تنموي بقراءة واقعيَّة للمتغيرات العالمية


4-1-2026 | 17:06

.

طباعة
بقلم/ أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية

تأتي ميزانيَّة سلطنة عُمان لعام 2026 امتدادًا لنهج مالي راسخ اعتادت عليه الدولة في إدارة مواردها عَبْرَ عقود من التعامل مع تقلُّبات أسواق الطاقة ودَوْرات الاقتصاد العالمي؛ فالتحوُّط المالي شكَّل دائمًا أحد أعمدة الرؤية العُمانيَّة في إدارة المال العام، وهو ما انعكس بوضوح في اعتماد متوسط سعر نفط عند (60) دولارًا للبرميل، وهو خيار يعكس قراءة واقعيَّة للمخاطر المحيطة بالاقتصاد العالمي. ومما يُكسب ميزانية عام 2026 أهمية محورية كونها تتزامن مع الانطلاقة الثانية في رؤية "عُمان 2040"، من خلال بدء تنفيذ خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، والتي تحمل في طياتها العديد من المشروعات الواعدة في شتى المجالات، وبصفة خاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. لقد ظهرت ميزانيَّة 2026 كحلقة متقدمة في مسار إدارة هادئة ومتدرجة للاقتصاد العُماني، مسار يضع الاستقرار في موقع القاعدة الَّتي يبنى عليها النُّمو، ويؤكد أنَّ الواقعيَّة الماليَّة أصبحت جزءًا أصيلًا من هُوِيَّة القرار الاقتصادي العُماني. تكشف الأرقام الَّتي تضمنتها الميزانيَّة الجديدة، عن الحكمة الإقتصادية في الإدارة بعقل منظَّم، وتستخدم الإنفاق لتوجيه النشاط الاقتصادي، وتحوّل الاستقرار المالي إلى منصَّة إنتاج، حيثُ يصبح المال العام أداة تحفيز تخلق حركة، وتبني ثقة، وتدفع الاقتصاد نَحْوَ نُمو أوسع وأكثر توازنًا. فقد قدَّمت ميزانيَّة 2026 صورة مختلفة لِدَوْر الإنفاق العام، صورة تتجاوز فكرة السيطرة على العجز إلى إعادة هندسة مسار النُّمو ذاته، فتمَّ تخصيص ما يقارب (1.3) مليار ريال عُماني للمشروعات الإنمائيَّة ضمن إطار الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، إلى جانب استحداث مسار مستقل لمشروعات التحوُّل الاقتصادي بتمويل سنوي يبلغ (400) مليون ريال عُماني، وهو ما يعكس توجُّهًا عُمانياً عمليًّا نَحْوَ ربط المال العام بالعائد الاقتصادي المباشر. كما يظهر هذا التوَجُّه كذلك في ارتفاع المصروفات الاستثماريَّة المتوقعة إلى نَحْوِ (1.4) مليار ريال عُماني، بما يسرع وتيرة تنفيذ المشروعات ويخلق طلبًا حقيقيًّا على الخدمات والمقاولات وسلاسل التوريد المحليَّة، حيثُ يسجل الاستثمار الأجنبي المباشر نموًّا لافتًا ليصلَ إلى (30.3) مليار ريال عُماني حتَّى الربع الثالث من 2025، بَيْنَما ترتفع القِيمة السوقيَّة لبورصة مسقط إلى أكثر من (32) مليار ريال عُماني، وهو ما يعكس تفاعل السوق مع وضوح السياسات واستقرار التوجُّهات. المؤكد أن ميزانيَّة 2026 تُظهر توجُّهًا واضحًا نَحْوَ تحريك السوق من الداخل عَبْرَ تعظيم القوَّة الشرائيَّة للمُجتمع؛ باعتبارها المدخل الأكثر استدامة لتنشيط الاقتصاد الحقيقي، فرفع مخصَّصات منظومة الحماية الاجتماعيَّة إلى نَحْوِ (614) مليون ريال عُماني واتساع قاعدة المستفيدين لتتجاوزَ (1.6) مليون مواطن يعني ضخ سيولة مستقرَّة في شرايين السوق، سيولة تتحول مباشرة إلى طلب على السلع والخدمات والإسكان والنقل والتعليم والصحَّة، ويتعزز المسار أيضًا بدعم التشغيل وتخصيص (100) مليون ريال سنويًّا لبرامج التوظيف خلال الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة. ووفقاً للخبراء، فإن ثمة تحولاً اقتصادياً عُمانياً يُعِيد تعريف العلاقة بَيْنَ الدولة والسوق، حيثُ تتحول الميزانيَّة إلى محفِّز للطلب لا متعهِّد وحيد له، ويصبح القِطاع الخاص لاعبًا أساسيًّا في التقاط الفرص، وتوسيع الأعمال، ورفع الإنتاجيَّة. ولعل القراءة المعمقة لميزانيَّة 2026، يؤكد فكرة محوريَّة مفادها أنَّ الاستقرار الاجتماعي في عُمان، أضحى ركيزة بناء اقتصادي ممتد ومستدام، فتخصيص ما يقارب (5.2) مليار ريال عُماني للقِطاعات الاجتماعيَّة والأساسيَّة، بما يعادل (44) بالمئة من إجمالي الإنفاق العام، يكشف تصورًا يَعدُّ التعليم والصحَّة والحماية الاجتماعيَّة والإسكان عناصر إنتاج غير مباشرة، تصنع الثقة وتؤسِّس لسوق أكثر تماسكًا. فوسعت الميزانية الجديدة الإنفاق على التعليم ورفدت المدارس بآلاف المُعلِّمين، إلى جانب استكمال إنشاء المستشفيات والمراكز الصحيَّة وتعيين الكوادر الطبيَّة، يُعزِّز جودة رأس المال البشري، ويمنح الاقتصاد قاعدة بشريَّة أكثر قدرة على العمل والإنتاج. وفي الوقت ذاته يعكس استمرار دعم منظومة الحماية الاجتماعيَّة إدراكًا عميقًا بأنَّ الطمأنينة الحياتية والمعيشيَّة تشكِّل شرطًا أساسيًّا للاستقرار الاستثماري، حيثُ يتحرك السوق بثقة عندما يشعر المُجتمع بالأمان الوظيفي والخدمي.. فهذه المقاربة العُمانية الجديدة تربط بَيْنَ العدالة الاجتماعيَّة وجاذبيَّة الاقتصاد، وتقدِّم نموذجًا يرى في الإنسان محورًا للتنمية لا عبئًا عليها.. عند هذه النقطة، تكتمل صورة ميزانيَّة 2026 كميزانيَّة توازن بَيْنَ الانضباط والطموح، وتبني النُّمو على قاعدة اجتماعيَّة صلبة، بما يحوِّل الاستقرار إلى أصل اقتصادي طويل الأجل، ويمنح المسار التنموي قدرة أعلى على الاستمرار في عالم سريع التقلب. ووفقًا لتقديرات الإطار المالي، يُتوقع أن تبلغ الإيرادات العامة نحو 11,556 مليون ريال عماني بالمتوسط خلال فترة الخطة، في حين يُقدر الإنفاق العام بحوالي 12,222 مليون ريال بالمتوسط خلال سنوات الخطة، ما يعني أن العجز يُقدر بنحو 666 مليون ريال بالمتوسط خلال فترة الخطة. فقد دخلت خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026 ـ 2030) حيز التنفيذ، لتشكل اطارا عمليا لاستكمال مستهدفات وأولويات رؤية عُمان 2040. وتعدُّ هذه الخطة مرحلة أساسية لتعزيز التحول الاقتصادي والاجتماعي، وفق سياسات كلية وقطاعية قائمة على الكفاءة والاستدامة والتنافسية، لتكون بمثابة جسر للانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو والتوسع الاقتصادي، مدعومةً برؤية واضحة وأسس تشريعية وتنظيمية متكاملة. وفي إطار الخطة الخمسية الحادية عشرة، تواصل الحكومة التزامها بنهج الاستدامة المالية، من خلال السعي إلى خفض مستويات الدين العام تدريجيًا، وتعزيز وتنويع الإيرادات غير النفطية، وتحقيق التوازن بين ضبط وترشيد الإنفاق العام والاستمرار في تمويل المشاريع التنموية ذات الأولوية، إضافة إلى المحافظة على سياسات الدعم للسلع والخدمات الأساسية، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. استند إعداد الإطار الاقتصادي للخطة إلى مجموعة من الافتراضات التي تعكس محركات الدورة الاقتصادية والنمو على المستويين المحلي والخارجي. فعلى الصعيد المحلي، يعد أداء القطاع النفطي العامل الرئيسي في تحديد مسار النمو الاقتصادي، حيث يتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط العالمية وكميات الإنتاج النفطي. أما على الصعيد الخارجي، فتُعد مستويات النشاط الاقتصادي لدى الشركاء التجاريين من المحددات الرئيسية لأداء القطاع الخارجي، إذ تؤثر بشكل مباشر على الصادرات الوطنية وتدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية. كما أن التطورات في الأسواق العالمية، بما في ذلك تقلبات أسعار السلع الأساسية، والتغيرات في السياسات الاقتصادية والتجارية والنقدية للاقتصادات الكبرى، قد يترتب عليها انعكاسات اقتصادية على الصعيد المحلي. يتوقع السيناريو المعتمد للإطار الاقتصادي عدداً من المؤشرات الاقتصادية الكلية، من أهمها معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنحو 4% بالمتوسط خلال فترة الخطة. ومساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بنحو 56% بالمتوسط. ونسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بنحو 28%. وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 11%. ونسبة الاستثمار الخاص إلى الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بنحو 21% بالمتوسط. كما ان معدل نمو الأنشطة غير النفطية بالأسعار الثابتة بنحو 4% بالمتوسط. إلى جانب معدل تضخم لا يتجاوز 2%. ترتكز الخطة الجديدة في بعدها التخطيطي على مسارين رئيسيين هما المسار الاقتصادي الذي يركز على الابعاد الاقتصادية كممكنات لمواجهة التحديات والدفع بالعملية الاقتصادية وصولاً إلى تحقيق تنويع اقتصادي مستدام وتعزيز القدرة التصديرية للبلاد وتوليد فرص العمل للمواطنين، والمسار التنموي الذي يركز تعزيز البنى الأساسية والمتطلبات التنموية المختلفة وصولاً الى تحقيق التنمية الاجتماعية والبيئية المتوازنة، وتحسين دخل الأسرة بما يتماشى مع تطلعات رؤية عمان 2040. كما تركز الخطة على تبني البرامج والمبادرات من مخرجات اعمال فرق العمل المشكلة من مختلف الجهات الحكومية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة الى تبني برامج استراتيجية ترى الحكومة أهمية تنفيذها في المرحلة القادمة. حُددت الأهداف الاستراتيجية للخطة وفق نهج استراتيجي شامل يستند إلى رؤية عمان 2040 لتسريع وتيرة النمو وتعزيز الاستدامة في مختلف القطاعات مستندة على الإنجازات السابقة، مع التركيز على استشراف المستقبل وتحليل الاتجاهات المحلية والإقليمية والعالمية وذلك لضمان المرونة في مواجهة التحديات وتعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة. وتشمل الأهداف الاستراتيجية بناء اقتصاد متنوع ومستدام من خلال والتحول التدريجي إلى اقتصاد منخفض الكربون وتعزيز الاستدامة البيئية بالتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتبني سياسات التكيف مع التغيرات المناخية، وحماية التنوع البيولوجي. ومن جملة الأهداف تعزيز اللامركزية الاقتصادية للمحافظات، والتنمية الاجتماعية المستدامة ورفع مستوى الحوكمة والأداء المؤسسي وكفاءة سوق العمل والتشغيل.