رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التعليـم.. الإصلاح «معركة مستمرة»


3-1-2026 | 12:23

.

طباعة
تقرير: نهال بلال

فى عامى 2024 و2025 شهدت وزارة التربية والتعليم واحدة من أكثر المراحل ازدحامًا بالقرارات والتغييرات التى أعادت تشكيل ملامح منظومة التعليم قبل الجامعى فى مصر، سواء على مستوى البنية التحتية للمدارس، أو تطوير المناهج، أو ضبط الامتحانات، أو ربط الطلاب بسوق العمل، أو إدخال أدوات التكنولوجيا بشكل أوسع.

وبحسب مصادر رسمية داخل الوزارة، فإن الفترة بين 2024 و2025 تمثل، وفق توصيفهم، «نقطة التحول الحقيقية» التى بنت عليها الوزارة أسس خطتها الاستراتيجية للعام 2026، والتى تسعى من خلالها لاستكمال مشروع الإصلاح الشامل الذى بدأ قبل سنوات. ويقول أحد المصادر إن الوزارة تعاملت فى 2024 و2025 مع ثلاثة ملفات كبرى: جودة العملية التعليمية، والامتحانات الإلكترونية وضبط الثانوية العامة، وتوسيع التعليم الفنى والتكنولوجي، بالإضافة إلى ملف تحسين أوضاع المعلمين، وهو الملف الذى تقول المصادر إنه بدأ يشهد حلولًا عملية بعد سنوات من التحديات.

ووفقًا لتصريحات شادى زلط، المتحدث الإعلامى باسم الوزارة، فإن عام 2024 تحديدًا كان عامًا فارقًا؛ لأنه شهد تنفيذ أكثر من 74 فى المائة من خطة البنية التكنولوجية بالمدارس الثانوية، مقارنة بـ 61 فى المائة فقط فى عام 2023، بالإضافة إلى رفع عدد المدارس التى تعمل بمنظومة الامتحان الإلكترونى إلى 3200 مدرسة على مستوى الجمهورية، مع توفير دعم فنى يومى وتحديثات أمنية لمنع التسريب والغش الإلكتروني، وهو التحدى الذى واجهته الوزارة طوال السنوات الماضية. ويؤكد أبو زلط أن الوزارة نجحت خلال امتحانات الثانوية العامة 2024 و2025 فى خفض نسب الغش بنسبة 43 فى المائة مقارنة بعام 2022، وهو ما اعتبرته الوزارة «تحولًا جوهريًا فى موثوقية الامتحانات»، مشيرًا إلى أن غرفة العمليات المركزية تعاملت مع أكثر من 500 بلاغ فنى خلال 2025، وتم حل 96 فى المائة منها خلال اللجنة نفسها.

أما فى ملف المناهج، فقد استمرت الوزارة فى تنفيذ مشروع تطوير المناهج وفق إطار «تعلم من أجل الإتقان»، حيث اكتمل تطوير مناهج الصف الرابع والخامس والسادس الابتدائى والمرحلتين الإعدادية والثانوية، مع الانتهاء من 70 فى المائة من محتوى البكالوريا المصرية التى سيبدأ تطبيقها بشكل تدريجى فى 2026. وتقول مصادر من مركز تطوير المناهج إن عام 2025 شهد أكبر حركة تدريب لمعلمى المرحلتين الإعدادية والثانوية على المناهج الجديدة، حيث تم تدريب 187 ألف معلم خلال 9 أشهر فقط، باستخدام ما يقارب 450 ورشة مركزية ومحلية. ويضيف أحد المسئولين إن الوزارة «لم تعد تعتمد على التدريب النظري»، بل انتقلت إلى التدريب العملى داخل الفصول النموذجية، لضمان أن تطبيق المناهج الجديدة يتم بنفس المستوى فى جميع المحافظات.

وبينما اهتمت الوزارة بملف المناهج، كانت البنية التحتية للمدارس أحد محاور العمل الأساسية. فقد أعلنت الوزارة فى بيان رسمى فى منتصف عام 2025 الانتهاء من إنشاء 2650 فصلًا جديدًا ضمن خطة خفض كثافات الفصول، مع بدء مشروع متكامل يتضمن البناء والتوسّع فى المدارس الحكومية والدولية الرسمية، وتنفيذ توسعات فى 740 مدرسة قائمة بالفعل، أغلبها فى محافظات الجيزة والقليوبية وأسيوط والدقهلية. وتشير مصادر فى هيئة الأبنية التعليمية إلى أن متوسط كثافات الفصول فى المدارس الابتدائية انخفض من 52 طالبًا فى 2023 إلى 47 طالبًا فى 2025، وهى نسبة لا تزال مرتفعة لكنها تعكس تحسنًا ملحوظًا.

وفى 2024 و2025، توسع قطاع التعليم الفنى بصورة غير مسبوقة. فقد وصل عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية إلى 65 مدرسة تخدم أكثر من 55 ألف طالب، بالشراكة مع 40 جهة صناعية، وهى القفزة التى يقول عنها شادى أبو زلط إنها «أكبر توسع فى تاريخ التعليم الفنى منذ 1950». كما تم إنشاء 10 مدارس جديدة للتكنولوجيا التطبيقية فى أحدث القطاعات الصناعية مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والأمن السيبرانى والتصنيع الرقمي، لجذب الطلاب وتوفير مهن مستقبلية حقيقية. وتؤكد الوزارة أن نسبة توظيف خريجى مدارس التكنولوجيا التطبيقية بلغت 86 فى المائة خلال 2024–2025، وهى الأعلى فى تاريخ هذا القطاع، ما يعكس نجاح نموذج «التعلم المنتج» الذى تتبناه الوزارة.

وفى ملف المعلمين، شهد عام 2025 تحديدًا تنفيذ المرحلة الثانية من أكبر حركة ترقيات وتعويضات للمعلمين منذ 2012. فقد تمت ترقية 312 ألف معلم، بالإضافة إلى تثبيت 36 ألفًا من معلمى العقود فى المحافظات الحدودية ومحافظات الصعيد. وتقول مصادر من الوزارة إن 2024 و2025 شهدا تحسينًا ملحوظًا فى برامج التنمية المهنية، حيث حصل 450 ألف معلم على تدريبات رقمية وتقنية، أكثر من نصفها عبر منصات الوزارة الإلكترونية. كما تم إطلاق منصة «كيريو» لتعليم البرمجة لطلاب المرحلة الثانوية، والتى وصفها الخبراء بأنها خطوة «نقلة نوعية» لأنها تقدم تعليمًا تقنيًا معتمدًا داخل المدارس الحكومية لأول مرة. وتؤكد الوزارة أن أكثر من 190 ألف طالب سجلوا على المنصة خلال الأشهر الأولى من إطلاقها.

ومن الملفات الحساسة التى عملت عليها الوزارة خلال 2024 و2025 ملف الانضباط المدرسى وحماية الطلاب. فبعد زيادة حالات العنف داخل بعض المدارس – والتى وصفتها الوزارة بأنها «حالات فردية غير مترابطة» – تم إصدار دليل إجراءات جديد شمل تدريب الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين فى 12 ألف مدرسة على اكتشاف السلوكيات الخطرة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع وزارة الداخلية لتأمين محيط المدارس خلال فترات الامتحانات والدراسة، وإدخال كاميرات مراقبة فى 720 مدرسة جديدة خلال عام واحد فقط.

أما بالنسبة لخطط عام 2026، فقد أكدت مصادر أن الوزارة تستعد لتنفيذ أكبر توسع فى مشروع البكالوريا المصرية، ليبدأ تطبيقه رسميًا فى الصفين الأول والثانى الثانوى بجميع المدارس الحكومية والتجريبية، مع توفير معامل مهارية جديدة داخل المدارس الثانوية لدعم المناهج العملية. وتشمل خطة 2026 أيضًا رفع جاهزية البنية التكنولوجية لتصل نسبة الاعتمادية إلى 95 فى المائة فى الامتحانات الإلكترونية، بالإضافة إلى إدخال نظام «سجل الطالب الإلكتروني» الذى يتيح متابعة حضوره ومهاراته ومشروعاته اليومية داخل المدرسة.

وفى خطوة تستهدف استدامة الإصلاحات الجوهرية فى المنظومة التعليمية، عقد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى اجتماعًا موسعًا مع شركاء التنمية من الجهات والمنظمات والمؤسسات الوطنية والدولية فى مجال التعليم والمهارات، لاستعراض الإنجازات والإصلاحات الهيكلية فى المنظومة التعليمية، ومناقشة محاور خطة الوزارة المستهدفة للعام المقبل 2026.

وأكد الوزير أن الشراكات الاستراتيجية تمثل ركيزة أساسية لتطوير التعليم وبناء قدرات الطلاب، وأن التعليم يمثل حجر الزاوية للتنمية المستدامة وقاطرة رئيسية للتقدم وتخطى تحديات العصر. كما شدد على أن شراكات التنمية لعبت دورًا محوريًا فى تسريع الإصلاحات التعليمية واختبار النماذج المبتكرة، وأن الوزارة تعاملت بشكل منهجى وفنى مع عجز المعلمين عبر إعادة التوزيع المعتمدة على البيانات والتوظيف المستهدف بمختلف المراحل التعليمية، وأن تطبيق نظام شهادة البكالوريا المصرية يعكس توجه الدولة نحو التعليم القائم على الكفاءات.

وأوضح الوزير أن ارتفاع معدلات الحضور بالمدارس وصل إلى 87 فى المائة، والتوسع فى تنفيذ البرنامج الوطنى لمحو الأمية ليشمل 20 محافظة، ويستفيد منه نحو مليون متعلم بالشراكة مع اليونيسف. كما تم إطلاق أول بنية وطنية موحدة لبيانات التعليم قبل الجامعى متوافقة مع متطلبات الجهاز المركزى للتعبئة العامة للإحصاء والمعايير الدولية، وشهدت المناهج الدراسية أضخم تطوير فى تاريخ الوزارة، مع تقديم كتيبات التقييمات للمرة الأولى، وتعزيز الشراكات الدولية فى مجالات التعليم الفنى والتحول الرقمي. وأكد الوزير حرص الوزارة على تعزيز مهارات الطلاب فى البرمجة والذكاء الاصطناعي، ودمجها فى المناهج الدراسية، مع توفير محتوى تعليمى متطور ومتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، كما جرى تسريع بناء مدارس جديدة وإعادة تأهيل المدارس القائمة وتطويرها.

وتشمل محاور مستهدفات العام المقبل 2026 تطوير إطار المنهج المصرى الأساسى والكتب المدرسية، وإطلاق دبلومة ما قبل الخدمة ونظام وطنى لإصدار تراخيص للمعلمين، وتعزيز قدرات مركز ريادة المصرى الدولى لتمكين ذوى الاحتياجات الخاصة، وتوسيع برنامج محو الأمية الوطني، ورقمنة أنظمة الحضور، وتدويل التعليم الفني، وتوسيع نطاق البرمجة والذكاء الاصطناعى فى مؤسسات التعليم الفنى والتدريب المهني، وتوسيع برنامج التغذية المدرسية، وتطوير قدرات المديرين وقادة المدارس، وتحسين منظومة البيانات الوطنية للتعليم، وإنشاء خط ساخن للتعليم ونظام موحد للشكاوى، وتوسيع نطاق إنشاء المدارس وبيئات التعلم الآمنة. وأعرب الحضور عن اعتزازهم بالمشاركة فى اللقاء، وأكدوا على أهمية الشراكة الاستراتيجية، وتبادل الخبرات، ودعم المعلمين، وتحقيق أثر مستدام وشامل لصالح الطلاب.

ويقول شادى أبو زلط إن الوزارة تخطط أيضًا لزيادة مدارس التكنولوجيا التطبيقية إلى 80 مدرسة فى 2026، وزيادة عدد الشراكات الصناعية إلى 55 شريكًا، مع التركيز على مجالات الذكاء الاصطناعي، السيارات الكهربائية، إدارة الأعمال الرقمية، والخدمات الطبية المساندة. ويضيف أن 2026 سيشهد إطلاق منصة تفاعلية جديدة للمعلمين تحت عنوان «مدرّس مصر»، وهى منصة متطورة للتدريب المستمر توفر محتوى تدريبيًّا معتمدًا بنظام النقاط المهنية، وهو النظام الذى سيُستخدم فى الترقيات المستقبلية.

وتشمل خطة 2026 كذلك استكمال مشروع خفض الكثافات بإنشاء 3000 فصل جديد، وتنفيذ برنامج جديد للأنشطة المدرسية والرياضة والمهارات الحياتية، بهدف إعادة الطلاب إلى المدرسة وخفض التسرب الدراسي. وتؤكد المصادر أن الوزارة تعمل على وضع إطار جديد للمدارس الخاصة والدولية لضمان التزامها بالمصروفات المعتمدة ومنع الزيادات العشوائية، وتحديث قواعد ترخيص المدارس الخاصة لتسهيل التوسع فى المناطق الأكثر احتياجًا.

ووفقًا للمصادر، فإن العام 2026 سيكون بمثابة «عام الانتهاء من بناء قواعد إصلاح التعليم قبل الجامعي»، خصوصًا مع اكتمال البنية التكنولوجية، وتطبيق الامتحانات المؤمّنة بالكامل، وتعميم منصات التعليم الرقمي، وتحديث المناهج بالكامل، ورفع كفاءة المعلمين. وبينما تشير الوزارة إلى أن هناك تحديات مستمرة – أبرزها الكثافات وعدد المعلمين – فإنها تؤكد أن خطط 2026 تتضمن حلولًا واقعية، تجمع بين التعيين والتدريب وإعادة توزيع الموارد.

وفى النهاية، ما تم فى 2024 و2025 لم يكن مجرد إجراءات منفصلة، بل كان «مرحلة تأسيس شاملة» تعتمد عليها الوزارة فى تنفيذ رؤيتها الكبرى خلال 2026، وهى رؤية تهدف إلى تحويل المدارس المصرية إلى بيئة تعليمية آمنة، حديثة، ومتصلة بالعالم، قادرة على إعداد جيل يمتلك مهارات القرن الحادى والعشرين، ويحصل على تعليم عادل وعصرى يلائم احتياجات التنمية فى مصر.

الاكثر قراءة