وفى هذا الإطار أوضح اللواء طيار الدكتور هشام الحلبي، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن «مصر تتبع سياسة واضحة جدًا تتمثل فى التنسيق والتعاون مع دول العالم، وعلى رأسها الدول الكبرى فى المجالات الدفاعية، خاصة فى مجال تنويع مصادر السلاح، الأمر الذى يؤدى إلى تقوية روابط أواصر التعاون بين الدول وبعضها البعض».
«الحلبي»، أشار إلى أن «سياسة تنويع مصادر السلاح لا تتناسب مع كثير من الدول نظرا لتعقد المواقف السياسية والإقليمية، إلا أن مصر ونظرا لأنها تتبع سياسة التوازن مع كافة دول العالم وخاصة القوى الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى ثقل دورها الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط تمكنت من تحقيق هذه السياسة بنجاح وبتوازن، خاصة أن العلاقات بين الدول الكبرى تشهد تسابقا فى مجال الصناعات الدفاعية والعسكرية مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال نجد أن هذا التضارب فى المصالح بين الدول الكبرى لم يؤثر على مصر أثناء التعاقد على منظومات تسليح من تلك الدول وغيرها من دول الاتحاد الأوروبى كفرنسا وإيطاليا، لذلك فإن ذلك التوازن أفرز تعاونا وتكاملا فى العلاقات ما أضفى قوة على السياسة المصرية».
«د. هشام»، تحدث كذلك عن النسخة الأخيرة التى استضافتها مصر من معرض «إيديكس»، موضحًا أن «معرض إيديكس 2025 والذى انعقد على أرض مصر فى ديسمبر يعتبر دليلًا واضحًا وتطبيقًا عمليًا على ذلك التوازن فى العلاقات المصرية على مستوى الشئون العسكرية والدفاعية، حيث اجتمع على أرض مصر عدد كبير من الوفود وممثلى كبرى دول العالم لمتابعة أحدث ما وصلت إليه الصناعات الدفاعية والعسكرية على مستوى العالم، حيث كانت الشركات العالمية والمتخصصة فى ذات الشأن تعرض منظومات دفاعية وهجومية ومسيرات وقذائف وصواريخ ومركبات مدرعة وغيرها، وقد لاقت تلك النسخة إشادة واسعة على مستوى التنظيم والذى كان مصريًا 100 فى المائة تحت إشراف القوات المسلحة المصرية».
«الحلبي»، قدم كذلك تحليلًا لـ«التدريبات العسكرية المشتركة»، موضحًا أنها «تعد أحد أهم الالتزامات التى توحى بالثقل العسكرى والسياسى للدولة المصرية، ويأتى على رأس تلك التدريبات التدريب المشترك المصرى الأمريكى «النجم الساطع»، والذى نفذ فى مصر خلال عام 2025 بمشاركة 44 دولة وأكثر من 8500 مقاتل من جنسيات وجيوش مختلفة، مما يؤكد على مبدأ التوازن الاستراتيجى العسكرى فى العلاقة المصرية مع مختلف دول العالم».
وانتقل بعد ذلك للحديث عن «التصنيع العسكرى محليًا»، لافتا إلى أن «هذه الاستراتيجية مبنية على عدة ركائز أولها تطوير المصانع الحربية بما يواكب التطور المطرد فى تكنولوجيا الصناعات العسكرية، والتى تشهد قفزات كبيرة جدا بما يستلزم مواكبة المصانع الحربية لذلك التطور، هذا إلى جانب إشراك القطاع الخاص وقد ظهر ذلك خلال معرض إيديكس 2025، حيث شهدنا ظهور العديد من الشركات المصرية المحسوبة على القطاع الخاص، وقد شهدنا عدد المنظومات الدفاعية مثل الطائرة المسيرة الجبار 250 بجانب عدد من المدرعات والقذائف الصاروخية، فضلا عن سترات الوقاية من الأعيرة النارية والرداء الخاص بالتخفى من المسيرات، مما يؤكد على قدرة وقوة القطاع الخاص المصرى فى المضى قدما فى هذا المجال، بينما يعتبر ثالث الركائز هى التصنيع العسكرى المحلى بالتصديق والتعاون مع الشركات العالمية مثل الفرقاطة «جوويند» الفرنسية والتى تم تصنيع 3 فرقاطات محليا فى مصر، فضلا عن دخول مصر ضمن سلسلة الإمداد بقطع بعض الطائرات مثل الطائرة الرافال، مما ينعكس على مصر بالعديد من الأمور الإيجابية أهمها نقل تكنولوجيا التصنيع المتطورة إلى العاملين المصريين من المهندسين والفنيين، لذلك فإن جميعها ركائز مهمة تعمل على توطين الصناعة الدفاعية فى مصر».
وكشف «الحلبي»، أن «هذا الأمر له مردود كبير على أداء الاقتصاد المصري، حيث يقوم بتخفيف الضغط على الاقتصاد المصرى خاصة العملة الصعبة، بالإضافة إلى توطين التكنولوجيا العسكرية، وهو أمر لا يقدر بثمن وضمان لسرية السلاح المصرى الذى يحمل تصميما وتنفيذا وتصنيعا مصريا 100 فى المائة فى المستقبل القريب، مما يوفر السرية حول إمكانات قدرات التسليح المصري، ومن جهة أخرى فإن السلاح المصنع محليا سيوفر تكاليف العمرات وقطع الغيار التى ستتم داخل مصر وبقطع غيار مصنعة محليا، وبالنظر إلى المشاركة المصرية خلال نسخ معارض إيديكس نجد أنها فى تزايد مستمر وفى تطور نوعى وكمى خلال نسخة 2025 مقارنة بـ 2018، بالإضافة إلى توسع مصر فى الصادرات العسكرية والدفاعية إلى عدد من الدول الإفريقية والعربية».
مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، شدد على أن «تنفيذ التدريب المشترك النجم الساطع 2025، تأكيد أن مصر منصة إقليمية للأمن والتعاون الدولى، لا سيما أن «النجم الساطع» تدريب له تاريخ وكان يجرى فى البداية بمشاركة محدودة من 3 دول فقط، إلا أنه نظرا لأهمية وفاعلية هذا التدريب وصل إلى عدد 44 دولة خلال النسخة الأخيرة»، مضيفا أن «التعاون العسكرى المصرى _ التركى كان قائما قبيل قيام ثورة 30 يونيو، لكن نظرا للموقف التركى توقف ذلك التعاون، إلا أنه بمرور السنوات أعادت تركيا النظر فى موقفها، خاصة أن ما شهدته مصر هو شأن داخلى نابع عن إرادة الشعب المصرى نفسه لا شأن لتركيا التدخل فيه مما أدى إلى الرجوع عنه».
وفيما يتعلق بالعلاقات العسكرية «المصرية _ الصينية»، أكد «د. هشام»، أن «الصين تعتبر دولة صديقة شهدت العلاقات معها تناميا خلال السنوات الماضية على مستوى التدريبات المشتركة والتصنيع العسكري، ويعتبر هذا التعاون أحد أشكال التوازن الاستراتيجى الذى تحققه مصر فى علاقاتها مع كبرى دول العالم لضمان حرية القرار المصري»، مشيرًا إلى أن «الصين أصبحت إحدى الدول المتطورة فى التصنيع العسكرى وبالتحديد فى مجال الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس الذى يشهد تنافسا عالميا بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين».
وسلط مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية الضوء على تدريب «ميدوزا» البحرى الذى أجرى فى منطقة شرق البحر المتوسط، مشيرًا إلى أنه «يعد تدريبا احترافيا للمقاتل المصرى فى مسرح عمليات من المحتمل أن يشهد توترات مستقبلية، لذلك فإن هذا النوع من التدريبات من شأنه أن يكون قوة ردع وإضافة للدول المشاركة فيه، خاصة مع الأهمية الاقتصادية للمنطقة التى تجرى فيها التدريبات نظرا لثرواتها البترولية ومن الغاز الطبيعى أيضا».
وتابع: المقاتل المصرى لديه قدرة عالية جدا على استيعاب التكنولوجيا؛ لذلك تشهد القوات المسلحة المصرية تطويرا كبيرا جدا فى منظومات التدريب والتأهيل داخل الكليات والأكاديمية العسكرية، وكذا مراكز التدريب، بما يواكب التطور التكنولوجى الكبير الذى يشهده تسليح المقاتل المصرى خلال العقد الأخير، مما يؤدى إلى تخريج دفعات من الضباط وضباط الصف والجنود المؤهلين على أحدث أنواع الأسلحة التى زودت بها القوات المسلحة بمختلف أفرعها.
فى سياق متصل أوضح اللواء أركان حرب الدكتور محمد الشهاوى، رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، أن «مصر تنوع وتعزز قدراتها القتالية وتنوع مصادرها فى التسليح حتى تتبوأ مكانتها وريادتها، ليس فقط على المستوى الإقليمى ولكن على المستوى الدولي، كما أن مصر تعمل فى إطار مبدأ أن (القوة مصدر الأمان والضعف دعوة للعدوان، وإذا أردت السلام فيجب علينا أن نتأهب للحرب)، لذلك فإن الجيش المصرى يحتل المرتبة الثانية عشرة على مستوى جيوش العالم طبقا لتقرير جلوبال فاير باور، وتحتل قواتنا البحرية المرتبة السادسة على مستوى العالم، بينما تأتى القوات الخاصة المصرية فى الترتيب الأول قبل الولايات المتحدة الأمريكية وقبل روسيا، هذا فضلا عن أن الدول ذات مركز الثقل العسكرى الكبير ترغب فى تنفيذ التدريبات المشتركة مع الجيش المصرى للاستفادة من الخبرة القتالية فى الحروب التقليدية وحروب مجابهة الإرهاب».
«الشهاوي»، أكد أن «مصر تمضى قدما بخطوات ناجحة فى ملف توطين وتعميق الصناعات الدفاعية، وظهر ذلك جليا فى معرض الصناعات الدفاعية إيديكس 2025، مما يؤدى إلى تحقيق متطلبات وحماية الأمن القومى المصرى بل وأيضا الأمن القومى العربي، وفى هذا الإطار تعزز مصر تعاونها العسكرى مع كل من المعسكرين الشرقى والغربي؛ حيث الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا غربا وروسيا والصين شرقا بجانب اليونان وتركيا»، لافتا النظر إلى أن «القيادة السياسية تمتلك رؤية استراتيجية مبنية على أساس تحقيق مبدأ «التوازن الاستراتيجي»، لذلك نجد أن مصر فى علاقاتها الخارجية تسعى للحفاظ على هذا المبدأ بهدف تنظيم مصالحها الوطنية والحفاظ على أمنها القومي، وقد سعى الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ اللحظة الأولى لتوليه المسئولية إلى تطوير القوات المسلحة المصرية تطويرا يواكب التحديات التى تموج بها المنطقة حاليا، لذلك تبنت مصر سياسة تنويع مصادر السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وعدد من الدول الأوروبية كألمانيا وفرنسا وإيطاليا رغبة فى تعزيز القدرات الدفاعية المصرية».
رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، أشار إلى أن «المقاتل المصرى أظهر براعة فى استيعاب هذا التطور الملحوظ فى التسليح المصرى خلال العقد الأخير، سواء على مستوى القوات البحرية أو البرية أو القوات الجوية وكذا قوات الدفاع الجوى، وهذا ليس بجديد، فالأجيال الحالية هى امتداد لجيل أكتوبر الذى أظهر براعة فى التعامل بأسلحة جديدة فى ميدان القتال ضد دبابات العدو ومركباته المدرعة، لذلك فإن الرهان دائما ما يكون على عزيمة وقدرة المقاتل المصرى سواء كان جنديًا أو ضابطًا أو ضابط صف.
كما شدد «الشهاوي» على أن «مصر تضع مصالحها فوق كل اعتبار؛ لذلك نجد أن القوات المسلحة المصرية تقيم عددا من التدريبات المشتركة التى من شأنها تأمين وحماية مصادر الطاقة والثروات الموجودة فى المياه الاقتصادية للدولة المصرية، مثل التدريب المشترك «ميدوزاـ14» و«الموج الأحمر» والتى تسهم فى تأمين المصادر الحيوية للدولة المصرية مثل الغاز وقناة السويس والممرات البحرية».