رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اغتيال قوت القلوب.. أم اغتيال السمعة؟


15-2-2026 | 19:29

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبدالعزيز منير - أستاذ التاريخ والتراث بجامعة قناة السويس

فى لحظة يختلط فيها القانون بالضجيج، والنقد بالتشهير، والحقّ الشخصى بمحاكمات السوشيال ميديا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة ضبط المفاهيم قبل إصدار الأحكام. فالدفاع عن الملكية الفكرية حقٌّ أصيل لا خلاف عليه، وهو أحد الأعمدة الجوهرية لاحترام الإبداع وصون الجهد العلمى والمعرفى. ومن حق أى مؤلف أو باحث أو مبدع أن يلجأ إلى القضاء متى رأى أن حقه قد انتُهِك، كما أن من حق الطرف الآخر أن يدافع عن نفسه وأن يسلك جميع درجات التقاضى التى يتيحها القانون. هذا الإطار القانونى ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو السياق الطبيعى الوحيد الذى ينبغى أن تُدار داخله مثل هذه الخصومات فى مجتمع يحترم دولة المؤسسات، ويحتكم إلى القانون لا إلى الانطباعات ولا إلى الضغط المعنوى أو الإعلامى. غير أن الإشكال الحقيقى لا يكمن فى مبدأ التقاضى ذاته، بل فى الطريقة التى يُنقل بها النزاع القانونى من ساحته الأصلية إلى المجال العام. فهنا تحديدًا يبدأ الخلل: حين يتحول الحق الشخصى، المشروع فى ذاته، إلى أداة ضغط أخلاقى وإعلامى، تُستخدم لتشويه السمعة أو لإقصاء أشخاص من المجال العام قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية، وحين يُعامل نزاع لم يُفصل فيه بحكم بات بوصفه حقيقة مكتملة تُبنى عليها مواقف إدارية أو سياسية أو أخلاقية، وكأن الحكم قد صدر وانتهى. دولة القانون لا تُدار بالاتهامات ولا بالتصنيفات المسبقة ولا بالضجيج الإلكترونى، بل تُدار فقط بالأحكام القضائية النهائية، وبالضمانات التى تحيط بها: حق الدفاع، وتدرج التقاضى، وقرينة البراءة. ومنطق الازدواجية مرفوض هنا؛ فلا يستقيم أن نطالب باحترام القانون حين يخدم موقفًا بعينه، ثم نقفز فوقه أو نلتف عليه حين لا يخدمه. فالقانون إما أن يُحترم كاملًا أو يُهدر كاملًا، ولا معنى لاحترام انتقائى يُجزّئ العدالة ويُفرغها من مضمونها. ومن هذا المنطلق تبرز ضرورة الفصل الواضح بين ثلاثة مستويات لا يجوز خلطها: الحق الشخصى، والرأى العام، والمؤسسات العامة؛ الحق الشخصى يُدار داخل أروقة القضاء وحدها، والرأى العام من حقه النقاش والتساؤل والتحليل، لكن دون إصدار أحكام نهائية أو تحويل الاتهام إلى إدانة. أما المؤسسات العامة فلا يجوز أن تُدار بمنطق الضغط أو التشهير أو الانطباعات العابرة. فتحويل القضايا المنظورة إلى محاكمات إعلامية لا يسيء فقط إلى أطرافها، بل يُلحق ضررًا مباشرًا بفكرة العدالة الإجرائية نفسها، القائمة على التدرج والتثبت وانتظار الحكم النهائى. ومن أكثر مظاهر الخلل شيوعًا فى هذا السياق الخلط بين الحكم القضائى غير البات والحقيقة القانونية النهائية. فالحكم الابتدائى، أو حتى حكم الاستئناف، يظل جزءًا من مسار قضائى مفتوح ما دامت طرق الطعن قائمة ومستخدمة، ولا يكتسب الحكم حجيته القطعية إلا بعد استنفاد درجات التقاضى وفق ما ينص عليه القانون. ومعنى "الحكم البات" هنا ليس تفصيلًا إجرائيًا هامشيًا، بل حجر أساس فى العدالة الحديثة؛ فبدونه تصبح العدالة رهينة اللحظة، وتتحول المحاكم إلى محطات شكلية تُسبق أحكامها فى الفضاء العام بدل أن تكون هى مرجعيته الأخيرة. وفى قضايا الملكية الفكرية على وجه الخصوص، تظل مسألة الإحالة والتوثيق عنصرًا فارقًا لا يجوز تجاهله أو تبسيطه. فقد استقر فى تقاليد البحث والكتابة العلمية والثقافية أن الإسناد يبرئ الذمة المعرفية؛ فمن يُحيل إلى مصدره يعلن طريق المعرفة ولا يدّعى إنتاجها من عدم. ولهذا ارتبط مفهوم السرقة المعرفية تاريخيًا بالإخفاء والانتحال، لا بالإعلان والإسناد. صحيح أن الإحالة لا تمنع قانونًا نظر المحكمة فى مقدار النقل أو طريقته أو وظيفته داخل البناء العام للنص، لكن وجود الإحالة الواضحة يفرض أخلاقيًا وتواصليًا نبرة أكثر اتزانًا فى النقاش العام، ويحول دون تحويل المسألة، قبل الفصل القضائى، إلى اتهام مطلق بالسرقة. ويزداد الالتباس حين يُغفل التمييز بين أنماط الكتابة ذاتها. فالكتابة الثقافية والصحفية، بطبيعتها، تسمح بوضع قائمة المصادر والمراجع فى نهاية الكتاب أو الدراسة، أو بالإحالة العامة إليها من وقت لآخر داخل المتن، دون الالتزام الصارم بقواعد التوثيق التفصيلى المتعارف عليها فى الأبحاث الأكاديمية أو الرسائل الجامعية أو ملفات الترقية أمام اللجان العلمية. الخلط بين هذين المستويين المنهجيين يُنتج أحكامًا غير منضبطة، ويُسقِط معايير بحثية صارمة على أعمال لم تُصمَّم أصلًا لتُقرأ بهذا الميزان. ويتضاعف هذا الخلل حين يُختزل النقاش كله فى فكرة "الأسبقية". فصدور كتاب قبل آخر قد يثير سؤالًا مشروعًا، لكنه لا يُنشئ بذاته قرينة قاطعة على الانتحال. فالقانون والمعرفة معًا يفرّقان بين الموضوع -وهو هنا شخصية عامة ومادة متاحة فى المجال العام- وبين التعبير، الذى يتمثل فى الصياغة والبناء والنسق والاختيارات التأويلية. لا أحد يملك احتكار شخصية عامة أو حدثًا تاريخيًا أو أرشيفًا صحفيًا متاحًا، فالعلوم الإنسانية تقوم على التراكم: كتابة، ثم إعادة قراءة، ثم مراجعة أو مقارنة أو تأويل جديد. والسؤال الحاسم ليس: من سبق؟ بل: هل هناك تماثل جوهرى فى التعبير والبناء يمتص روح العمل ويستبدل مؤلفه، أم أننا أمام اشتراك طبيعى فى مادة متاحة مع اختلاف المقصد والمنهج؟ ولتفادى أى التباس لدى القارئ، يجدر التنبيه إلى أن الجدل الدائر يتصل بعدد من الأعمال التى تناولت شخصية قوت القلوب الدمرداشية ومادتها السيرية فى سياقات زمنية متقاربة. فقد صدرت رواية هالة البدرى "نساء فى بيتي" بوصفها معالجة إبداعية أسبق زمنيًا للشخصية، ثم صدر كتاب سهير عبدالحميد "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" الذى تناول سيرة الشخصية وأرشيفها المتاح فى إطار توثيقى، وأعقبه كتاب الدكتورة جيهان زكى "كوكو شانيل وقوت القلوب" الذى اشتغل على الموضوع من زاوية ثقافية مقارنة. ويكتسب هذا التسلسل أهميته بوصفه معطًى زمنيًا فقط، لا حكمًا ولا قرينة فى ذاته؛ إذ تظل الأسبقية وحدها غير كافية لحسم مسألة الاقتباس أو التعدّى، وهى مسائل لا يُحسم أمرها إلا بتحليل منهجى يقوم به ذوو الاختصاص، وبحكم قضائى بات لا يقبل الجدل. واللافت أن كل عمل يُطالِب بالأسبقية يكون –فى الغالب– هو نفسه جزءًا من سلسلة تلقٍّ سابقة، وهو أمر طبيعى لا يعيب أحدًا. فالموضوعات الثقافية والتاريخية لا تظهر من فراغ، بل تنتقل عبر مسارات متعددة: من رواية، إلى مقالات، وحوارات، وأرشيف صحفى، ثم إلى كتب لاحقة. هذا المسار لا يُنتج "ملكية مانعة"، بل معرفة تراكميّة مشروعة، شريطة الإسناد وضبط الاقتباس. وقد نبّه المؤرخ حاجى خليفة، منذ قرون، فى كتابه «كشف الظنون»، إلى أن البحث لا يقوم دائمًا على ابتكار موضوع جديد، بل قد يتحقق عبر إتمام ناقص، أو شرح مستغلق، أو جمع متفرّق، أو ترتيب مختلط، أو تصحيح خطأ؛ وهى جميعًا أشكال مشروعة فى منطق المعرفة. ومن المهم كذلك التمييز بين طبيعة الأعمال محل الجدل؛ فهناك فرق جوهرى بين عمل توثيقى استقصائى يجمع المادة ويعيد تركيبها، وبين كتاب ثقافى تحليلى أو مقارن يشتغل على ثنائيات وسياقات وتأويلات. هذا الاختلاف لا يبرّئ أحدًا ولا يدين أحدًا، لكنه يمنع خلط المستويات المنهجية عند تقييم التشابه أو الاقتباس. فمحاكمة كتاب ثقافى بمنطق التحقيق الأرشيفى الصارم قد تكون مجحفة، كما أن محاكمة عمل توثيقى بمنطق الكتابة التأويلية قد تُربك معايير الحكم. ويبقى النقد العلمى حقًا مشروعًا ومطلوبًا؛ فمن حق أى قارئ أو باحث أن يقيّم قوة العمل ومنهجه ومصادره وحدود إضافته. لكن يجب الفصل الصارم بين نقد الجودة وتوصيف الجريمة. فقد يكون كتاب ضعيفًا أو متوسطًا دون أن يكون مسروقًا، وقد يقع كتاب جيد فى خطأ اقتباسى محدود دون أن يتحول إلى جريمة مكتملة. فالجودة ليست معيارًا قانونيًا للحسم فى قضايا الملكية الفكرية؛ القانون يبحث التشابه الجوهرى وحدود الاقتباس، لا مستوى البلاغة أو الإقناع. وتوسيع النقاش النقدى ينبغى أن يخدم المعرفة، لا أن يتحول إلى أداة تشهير أو استقطاب. والمثير للقلق أن كثيرًا ممن أصدروا أحكامًا مسبقة فى مثل هذه القضايا لم يطّلعوا أصلًا على الأعمال محل الخلاف، واكتفوا بتلقّى الشبهات من صفحات التواصل الاجتماعى، دون التحقق من مدى التزام أى من الطرفين بصحة التوثيق أو سلامة النقل، مدفوعين بجهل بطبيعة المعرفة أو بانحياز أيديولوجى يجعل الإدانة أسرع من القراءة، والصخب أعلى من الفهم، والسمعة ضحية أولى تُستباح بلا انتظار أو تثبّت أو مسؤولية. وهنا يبرز سؤال أخلاقى لا يقل أهمية عن الأسئلة القانونية والمنهجية: ما أسهل الإدانة حين تبدو فى صالحنا، وما أيسر التشدّق باحترام القضاء عندما تأتى بعض أحكامه منسجمة مع رغباتنا، ثم تحويل حكم غير بات إلى أداة اغتيال سمعة، وكأن العدالة لا تُطالَب إلا حين تؤكد ما نريد. لكن ماذا لو انتهى المسار القضائى إلى البراءة؟ هل يمتلك مَن اندفعوا إلى الإدانة المسبقة الشجاعة الأخلاقية للاعتذار، وبنفس الحدة والحجم والصوت، أم أن المبادئ، عند بعضهم، بضاعة صالحة للتصدير فقط تُرفع شعارًا ولا تُمارَس التزامًا؟ إن اختبار الإيمان بدولة القانون لا يكون حين تُدين، بل حين تقبل البراءة، ولا يكون حين تصفق لحكم يخدمك، بل حين تنتظر حكمًا قد يخالفك. أما غير ذلك فليس دفاعًا عن العدالة، بل توظيف انتقائى لها يُفرغها من معناها ويحوّلها إلى أداة ضغط لا ميزان حق. وفى ضوء كل ما سبق، فإن القضايا المتداولة لا تزال منظورة أمام القضاء، ولم يصدر فيها حكم بات حتى الآن. والحكم وحده -لا التقارير ولا الحملات ولا الضجيج الإلكترونى- هو عنوان الحقيقة القانونية. أما معرفيًا، فالموضوع ذاته تراكمى بطبيعته، ولا يجوز تحويل الأسبقية إلى احتكار، ولا النزاع القانونى إلى محكمة رأى عام. وفى السطر الأخير، وبوضوح كامل، أقول: لا أعرف أيًّا من أطراف هذه القضايا إلا عبر إبداعهم، ولا أملك -ولا يملك أحد- حق الحلول محل القضاء. ما يُطرح هنا ليس دفاعًا عن أشخاص، ولا اصطفافًا فى خصومة، بل نقاش فى مبادئ عامة: معنى دولة القانون، وحدود الرأى العام، وضبط مفهومى الأسبقية والاحتكار، وضرورة ألا تتحول حماية الحق إلى اغتيال للسمعة، وألا يتحول النزاع القانونى إلى إدانة اجتماعية تسبق العدالة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة