رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المثلث الذهبى يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للصحراء الشرقية


18-12-2025 | 18:18

.

طباعة
بقلـم: د. عبد المنعم السيد

يمثل المثلث الذهبى أحد أهم مشروعات التنمية الإقليمية الواعدة فى مصر، ليس فقط لما يتمتع به من موقع جغرافى فريد، ولكن لما يختزنه من ثروات طبيعية ومعدنية هائلة، وما يحمله من فرص استثمارية قادرة على إحداث نقلة نوعية فى هيكل الاقتصاد المصري، خاصة فى ظل توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم. 

 

تقع منطقة المثلث الذهبى فى قلب الصحراء الشرقية، وتمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 8400 كيلومتر مربع، ويحدها من الغرب محافظة قنا، ومن الشرق مدينة سفاجا شمالًا ومدينة القصير جنوبًا على ساحل البحر الأحمر، وهو ما يمنحها شكلًا هندسيًا واضحًا يجعلها حلقة وصل استراتيجية بين صعيد مصر وموانئ البحر الأحمر، وبين مناطق الإنتاج الخام ومنافذ التصدير العالمية.

هذا الموقع الجغرافى الاستثنائى يضع المثلث الذهبى فى قلب شبكة الطرق القومية الحديثة التى نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها طرق قنا – سفاجا وقنا – القصير، بما يضمن سهولة انتقال الخامات والمنتجات، ويخفض تكاليف النقل واللوجستيات، ويعزز من تنافسية المنطقة فى جذب الاستثمارات الصناعية والتعدينية والسياحية، ولا تقتصر أهمية الموقع على البعد اللوجستى فقط، بل تمتد لتشمل البعد التنموي، حيث تمثل المنطقة بوابة حقيقية لربط الصعيد بالاقتصاد العالمي، وتحويله من منطقة طاردة للاستثمار إلى مركز جذب اقتصادى متكامل.

تستمد منطقة المثلث الذهبى أهميتها الكبرى من طبيعتها الجيولوجية الفريدة، إذ تقع ضمن نطاق الدرع العربى النوبي، أحد أقدم التكوينات الجيولوجية فى العالم، والذى يتميز بتركيبات صخرية نارية ومتحولة غنية بالمعادن الفلزية وغير الفلزية، وقد أدت هذه التكوينات، إلى جانب النشاط التكتونى القديم، إلى تكوين عروق معدنية عالية القيمة، جعلت الصحراء الشرقية، ومن ضمنها المثلث الذهبي، مركزًا تاريخيًا لتعدين الذهب منذ العصور الفرعونية وحتى اليوم، وتشير الدراسات الجيولوجية الحديثة إلى أن هذه المنطقة لا تزال تحتفظ بجزء كبير من ثرواتها دون استغلال كامل، ما يجعلها مخزونًا استراتيجيًا للأجيال القادمة إذا ما أُحسن إدارته واستثماره.

ويُعد الذهب على رأس الثروات المعدنية التى تتميز بها منطقة المثلث الذهبي، حيث يتركز إنتاج الذهب فى مصر فى أربعة نطاقات رئيسية بالصحراء الشرقية هى جبل السكري، ومنطقة حمش، ووادى العلاقي، بالإضافة إلى منطقة المثلث الذهبى التى تضم أكثر من 94 موقعًا ومنجمًا للذهب، وهو رقم يعكس كثافة استثنائية للتواجد المعدنى مقارنة بالمساحات الجغرافية، ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على عددها فقط، بل تمتد إلى تنوع أنماط الترسيب المعدني، وهو ما يتيح فرصًا واسعة لتطبيق تقنيات تعدين مختلفة، سواء التعدين السطحى أو تحت السطحي، بما يعزز من الجدوى الاقتصادية للاستغلال.

وإلى جانب الذهب، تحتوى منطقة المثلث الذهبى على ثروات معدنية أخرى لا تقل أهمية، من بينها الفوسفات الذى يدخل فى صناعة الأسمدة، ويُعد من الخامات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي، والنحاس الذى يشهد طلبًا عالميًا متزايدًا فى ظل التحول نحو الطاقة المتجددة والصناعات الكهربائية، والمنجنيز المستخدم فى صناعة الحديد والصلب، إضافة إلى الكوارتز عالى النقاء الذى يدخل فى صناعات الزجاج والخلايا الشمسية والإلكترونيات، فضلًا عن خامات الجرانيت والرخام التى تمثل قيمة مضافة كبيرة عند تصنيعها محليًا بدلًا من تصديرها فى صورتها الخام.

وتبرز أهمية الاستثمار فى منطقة المثلث الذهبى باعتبارها استثمارًا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على العائد المالى المباشر من استخراج المعادن، بل يمتد ليشمل خلق قيمة اقتصادية مضافة على مستوى الدولة ككل، فالاستثمار فى هذه المنطقة يساهم فى زيادة الصادرات المصرية من المعادن والمنتجات التعدينية، ويوفر موردًا مستدامًا للنقد الأجنبي، ويساعد فى تحسين الميزان التجارى وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يسهم فى خلق آلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء فى أنشطة التعدين أو الصناعات التحويلية أو النقل والخدمات، وهو ما ينعكس إيجابيًا على معدلات التشغيل ومستويات الدخل فى محافظات الصعيد والبحر الأحمر.

كما يمثل المثلث الذهبى ركيزة أساسية لتنمية إقليم الصعيد، الذى عانى لعقود من فجوات تنموية واضحة مقارنة بالمناطق الحضرية والساحلية، ومن خلال إقامة مشروعات صناعية وتعدينية كبرى، يمكن تحويل المنطقة إلى قطب تنموى جديد يساهم فى الحد من الهجرة الداخلية، ويخلق مجتمعات عمرانية واقتصادية متكاملة تعتمد على الإنتاج وليس على الأنشطة الخدمية التقليدية فقط. وتزداد أهمية هذا الدور فى ظل توجه الدولة إلى تحقيق تنمية إقليمية متوازنة ضمن إطار رؤية مصر 2030.

وقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا خاصًا بمنطقة المثلث الذهبي، وأدرجتها ضمن خريطة المشروعات القومية الكبرى، إدراكًا منها لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، وتمثلت جهود الدولة فى تطوير البنية التحتية الأساسية من طرق وكهرباء ومياه وخدمات لوجستية، بما يهيئ البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات. كما عملت على تحديث الإطار التشريعى المنظم لقطاع التعدين، من خلال تعديل قانون الثروة المعدنية، والتحول إلى نظام الإتاوة والضرائب بدلًا من نظام اقتسام الإنتاج، وهو ما يتماشى مع النظم العالمية المعمول بها، ويعزز من جاذبية القطاع للمستثمرين المحليين والأجانب.

وفى هذا السياق، حرصت الدولة على طرح مزايدات عالمية للتنقيب عن الذهب والمعادن، بهدف جذب شركات دولية كبرى تمتلك الخبرات التكنولوجية والقدرات المالية اللازمة.

ولا يقتصر الاستثمار فى المثلث الذهبى على النشاط التعدينى والصناعى فقط، بل يمتد ليشمل الاستثمار السياحي، حيث تتمتع المنطقة بمقومات سياحية متنوعة تجمع بين السياحة البيئية والسياحة التاريخية والسياحة الشاطئية، نظرًا لقربها من مدن البحر الأحمر واحتوائها على مواقع تعدين تاريخية تعود إلى عصور قديمة، فضلًا عن طبيعتها الجبلية والصحراوية الفريدة. ويمكن من خلال التخطيط المتكامل الربط بين السياحة الساحلية فى سفاجا والقصير، والسياحة البيئية والتاريخية داخل عمق المثلث الذهبي، بما يخلق منتجًا سياحيًا جديدًا غير تقليدي.

ورغم هذه الفرص الواعدة، يظل تطوير منطقة المثلث الذهبى مرتبطًا بعدد من التحديات، فى مقدمتها ضرورة الحفاظ على البيئة، وتوفير مصادر مستدامة للمياه والطاقة، وتدريب العمالة المحلية على التقنيات الحديثة.

وفى المحصلة، يمثل المثلث الذهبى فرصة تاريخية حقيقية أمام مصر لإعادة رسم خريطة استغلال ثرواتها الطبيعية، وتحويلها إلى محرك رئيسى للنمو الاقتصادى والتنمية المستدامة،  فهو ليس مجرد منطقة تعدين، بل إقليم اقتصادى متكامل قادر على دعم الاقتصاد الوطني، وتنمية الصعيد، وخلق فرص عمل، وتعزيز مكانة مصر إقليميًا وعالميًا فى قطاع التعدين والصناعة. ويتوقف نجاح هذا المشروع على استمرار الإرادة السياسية، وتكامل السياسات الاقتصادية والتشريعية، وتحقيق الشفافية، وتعظيم دور القطاع الخاص، بما يضمن أن تتحول ثروات المثلث الذهبى إلى قيمة حقيقية تعود بالنفع على الدولة والمجتمع والأجيال القادمة.

ومما لا شك فيه يزداد  هذا الطموح التنموى لمنطقة المثلث الذهبى فى ضوء حجم المشروعات والاستثمارات المخطط لها والمتوقعة قد تجعل من المنطقة أحد أكبر أقاليم التنمية التعدينية والصناعية فى الشرق الأوسط خلال العقدين القادمين، فبحسب التصورات الرسمية التى طرحت منذ إدراج المثلث الذهبى كمشروع قومي، فإن إجمالى الاستثمارات المستهدفة لتنمية الإقليم فى مراحله المختلفة يُقدَّر بما يتراوح بين 15 و20 مليار دولار على المدى المتوسط والطويل، تشمل استثمارات حكومية مباشرة، واستثمارات للقطاع الخاص المحلي، واستثمارات أجنبية مباشرة فى مجالات التعدين والصناعة والبنية التحتية والسياحة.

ويمثل قطاع التعدين والاستخراج النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات، حيث من المتوقع أن الاستثمارات الموجهة لاستكشاف واستخراج الذهب والمعادن المصاحبة فى نطاق المثلث الذهبى قد تتجاوز 8 إلى 10 مليارات دولار، خاصة فى ظل وجود أكثر من 94 موقعًا معدنيًا واعدًا، وارتفاع أسعار الذهب عالميًا، وتزايد شهية الشركات الدولية للتوسع فى مناطق التعدين غير المستغلة بالكامل. وتشمل هذه الاستثمارات أعمال المسح الجيولوجى المتقدم، والحفر الاستكشافي، وإنشاء المناجم، ومحطات المعالجة، والبنية التحتية المرتبطة بها من طرق داخلية وشبكات كهرباء ومياه.

أما الاستثمارات الصناعية المخطط لها داخل المثلث الذهبي، فتُقدَّر بنحو 4 إلى 6 مليارات دولار، وتركز بشكل أساسى على الصناعات القائمة على الخامات المحلية، مثل مصانع معالجة الذهب، وتصنيع الفوسفات، والصناعات الكيماوية المرتبطة به، وصناعات مواد البناء من الجرانيت والرخام، إضافة إلى صناعات تعتمد على الكوارتز عالى النقاء المستخدم فى الخلايا الشمسية والإلكترونيات، وتستهدف الدولة من خلال هذه المشروعات الانتقال من مرحلة تصدير الخام إلى مرحلة التصنيع وزيادة القيمة المضافة، بما يضاعف العائد الاقتصادي، ويرفع مساهمة قطاع التعدين والصناعة التحويلية فى الناتج المحلى الإجمالي.

وتحتل مشروعات البنية التحتية حيزًا محوريًا فى خطة تنمية المثلث الذهبي، حيث يُقدَّر حجم الاستثمارات الموجهة للطرق، والطاقة، والمياه، والخدمات اللوجستية بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار، تشمل تطوير وربط المنطقة بشبكة الطرق القومية، وتدعيم خطوط الكهرباء، وإنشاء محطات طاقة تقليدية ومتجددة، إلى جانب مشروعات تحلية المياه اللازمة لتلبية احتياجات النشاط الصناعى والتعدينى، وتمثل هذه الاستثمارات حجر الأساس لجذب القطاع الخاص، إذ لا يمكن لأى مشروع استثمارى كبير أن ينجح دون بنية تحتية قوية ومستقرة.

أما بالنسبة للاستثمار السياحى من المخطط  له ضخ استثمارات تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار فى مشروعات سياحية متنوعة داخل نطاق المثلث الذهبى وعلى أطرافه القريبة من ساحل البحر الأحمر، مستفيدة من القرب الجغرافى من سفاجا والقصير، ومن الطبيعة الجبلية والصحراوية الفريدة للمنطقة، وتشمل هذه المشروعات السياحة البيئية، وسياحة السفاري، والسياحة الجيولوجية المرتبطة بالمناجم القديمة، إضافة إلى منتجعات سياحية متكاملة يمكن ربطها بالسياحة الشاطئية، بما يخلق نمطا جديدا من السياحة غير التقليدية فى مصر.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن هذه الاستثمارات، حال تنفيذها وفق جدول زمنى واضح، يمكن أن تساهم فى خلق ما بين 100 إلى 150 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحقق عوائد سنوية بمليارات الدولارات من الصادرات المعدنية والصناعية والسياحية، فضلًا عن دورها فى تنشيط الاقتصاد المحلى لمحافظات الصعيد والبحر الأحمر، كما يُتوقع أن تتحول منطقة المثلث الذهبى إلى أحد أهم مراكز جذب الاستثمار الأجنبى المباشر فى قطاع التعدين بالمنطقة، خاصة بعد الإصلاحات التشريعية التى نفذتها الدولة لتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات.

وفى المجمل، فإن حجم المشروعات والاستثمارات المخطط لها فى المثلث الذهبى يعكس رؤية استراتيجية طويلة الأجل تسعى من خلالها الدولة المصرية إلى تحويل الثروة الطبيعية الكامنة إلى ثروة اقتصادية مستدامة، تقوم على الإنتاج والتصنيع والتصدير، وتدعم أهداف التنمية الشاملة، وتُعيد رسم الخريطة الاقتصادية للصحراء الشرقية وصعيد مصر، بما يجعل المثلث الذهبى نموذجًا متكاملًا للتنمية القائمة على استغلال الموارد الطبيعية بكفاءة وعدالة واستدامة.

 
 

أخبار الساعة