«حادثة عقر».. مصطلح بات يجرى تداوله بكثرة خلال الفترة الماضية، كاشفًا عن سلسلة من حوادث العقر المتكرّرة، التى طالت عشرات المواطنين أطفالاً وكباراً، وبالتالى أثارت موجة من القلق بين المارة فى الشوارع.
أما عن أبرز حالات العقر المتداولة بحسب التقارير الحكومية فنجد فى محافظة البحيرة، خلال 100 يوم فقط، سُجّلت خمس وقائع متفرّقة لعقر جماعى من كلاب ضالة نتج عنها 49 مصاباً، ومن بين الجرحى أطفال كثيرون، وفى محافظة دمياط، قُصّت مأساة مؤلمة عندما تعرّضت طفلة فى قرية كفر سليمان لهجوم من كلب ضال، مما أسفر بحسب التقرير عن توقف عضلة القلب، الحادث أشعل مطالبات الأهالى بـحل جذرى يضمن سلامة الأطفال، وفى محافظة الإسكندرية، بمنطقة العجمى وتحديداً قرب شاطئ بيانكى شهدت المنطقة خلال 48 ساعة حادثى عقر الأوّل عقر 9 أشخاص، والثانى 12 شخصاً، بينهم 4 أطفال، بينما فى محافظة أسوان، أشار مسئول بيطرى إلى أن المحافظة سجّلت 11 ألف حالة عقر خلال العام الماضى وحده، فى مؤشر على اتساع حجم المشكلة.
وهناك تقارير عن حالات فى مدن وقرى مختلفة منها قيام كلب بضرب رجل، أو عقره فى طريق العودة من الصلاة، أو مهاجمة طفلة مع تأثير نفسى وبدنى عميق على الضحايا، وهذه الحوادث المتكررة والمتفرّقة رسّخت لدى كثير من المصريين شعوراً بأن كلاب الشوارع لم تعد مجرد مشهد مألوف، بل تهديد حقيقى يستهدف سلامة المدنيين، وخاصة الأطفال والمسنين.
«لدى الدولة وعى متصاعد بخطورة الظاهرة»، بهذه الجملة بدأ الدكتور مجدى حسن، النقيب العام للأطباء البيطريين، حديثه قبل أن يضيف: فى خطوة رسمية، أُنشئت لجنة وطنية تضم عدة وزارات وهى الزراعة، الصحة، البيئة، التنمية المحلية، الداخلية لتطبيق قانون تنظيم تربية الحيوانات الخطرة والسيطرة على الكلاب الضالة، وصياغة خطة شاملة للتعامل مع الكلاب الضالة وتقليل مخاطرها، ومن مقترحات الخطة إقامة هيئة لإدارة الحيوانات الضالة تكون مسئولة عن الإيواء، الرصد، التوثيق، التطعيم ضد السعار، وربما التعقيم بهدف خفض أعداد الكلاب الضالة بطرق إنسانية.
«د. مجدي»، أكد أن «هناك تجارب ميدانية بدأت، ففى محافظة الإسماعيلية أُطلقت مؤخراً حملة لتطعيم الكلاب الضالة ضد داء الكلب، مع سحب عينات وتحليلها لتحديد المناطق ذات الخطورة العالية، لكن تنفيذ الخطة يواجه معوقات مثل تحديات التمويل، المركزية فى القرار، ضعف التنسيق بين الجهات، والافتقار إلى قاعدة بيانات دقيقة تجمّع أعداد الكلاب وأماكن تجمعها، بالتالي، تبدو الحكومة اليوم أمام مفترق إما إدارة ممنهجة وعلمية للظاهرة أو استمرار التراشق بين خوف المواطنين ومطالب الرحمة بالحيوان».
«رغم حالات العقر المتزايدة، هناك منْ يرى أن العنف على الكلاب الضالة ليس حلاً مقبولاً» على حد وصف الدكتورة منى خليل، رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان والجمعية المصرية للرحمة بالحيوان، التى أكدت أن «جمعيات الرفق بالحيوان تحرص على التأكيد أن الكلاب ضحايا أيضاً طالما تتوفّر لها الرعاية والتعقيم والتطعيم والبيئة الملائمة، لأن الهجوم لن يحل شيئا بل يزيد الأمور تعقيدا، ويجعل الناس تتبنى الحلول الخاطئة دينيا وإنسانيا؛ لأنهم حين لا يجدون التوجيه يتعاملون مع الكلاب وكأنها حشرات لا بد من سحقها، والأفضل أن نجد حلا آمنا دون أذى للطرفين».
«د. مني»، شددت على أنها ترفض منطق القضاء على المشكلة بالقضاء على الكلاب موضحة أن النهج الرادع يجب أن يكون عبر تنظيم مراكز إيواء، تعقيم وتحصين، برامج تثقيف مجتمعي، والاستعانة بمنظمات مجتمع مدنى بدلاً من الاعتماد على تسميم أو قتل عشوائي، فالكلاب الضالة لا يمكن أن نكون سببا فى سلبها حقّها فى الحياة شرط ألا تعرض حياة البشر للخطر ويعتبروا أن العنف الجسدى والقتل ليسا حلا بل تصعيد يفاقم الأزمة، وما يجعل أزمة الكلاب الضالة فى مصر معقّدة ليس فقط العدد المتزايد أو حوادث العقر، بل الصراع بين حق الإنسان فى الأمان من جهة، وحق الحيوان فى الحياة والرفق من جهة ثانية.
فى السياق، قالت سليمة حمد الله، عضو جمعية الرفق بالحيوان: كثير من الضحايا أطفال ونساء يتحدثون عن فقدان شعورهم بالأمان فى مناطقهم، وانتشر الخوف من الخروج فى أوقات المساء أو فى الشوارع، ولم يفكر أى منهم أن إطعام هذه المخلوقات البريئة أو الحنو عليها يغير طريقة تعاملها مع البشر 180 درجة لتصبح حارسا صباحا ومساء، والهجوم عليها بشكل متكرر هو سبب اتجاهها للهجوم على أى شخص يمر خوفا منه لا فرض سيطرة أو حبا فى العقر، وفى مقابل ذلك وفى ظل غياب بنية تحتية مناسبة تُركت الكلاب لتتكاثر عشوائياً، دون رقابة أو رعاية، ما أسهم فى تفاقم الظاهرة مع تكرار الهجوم عليها من الكبار والصغار فى الشوارع. والفيديوهات عبر الإنترنت التى توثق هذه الحوادث وصلت لمئات الحالات، ومن الجانب الصحى خطر داء الكلب قائم، وحالات العقر غالباً تتطلب تلقّى جرعات مضاد السعار، ما يشكّل عبئاً على النظام الصحى. أمام هذا الواقع المؤلم، تبدو ضرورة الحسم ليس من خلال تصفية عشوائية للكلاب الضالة، بل عبر إدارة مسئولة، علمية وإنسانية.