كشفت بيانات مجلس الذهب العالمى أن البنوك المركزية حول العالم كثفت من وتيرة مشترياتها من المعدن الأصفر، رغم استمرار ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث اشترت البنوك المركزية نحو 53 طنًا من الذهب، خلال شهر أكتوبر، بزيادة قدرها 36 فى المائة مقارنة بشهر سبتمبر، وهى أكبر زيادة شهرية منذ بداية العام. وتعكس هذه الزيادة الأداء القوى فى الربع الثالث من العام، حيث بلغت مشتريات البنوك المركزية المعلنة رسميًا نحو 220 طنًا، بارتفاع قدره 28 فى المائة مقارنة بالربع الثانى، متجاوزة المتوسط المسجل خلال السنوات الخمس الماضية.
وتتصدر بولندا المشهد بإضافة 16 طنًا إلى احتياطياتها، لترفع إجمالى ما تمتلكه إلى 531 طنًا، وهو ما يشكل نحو 26 فى المائة من إجمالى احتياطيات البلاد، ويعد البنك الوطنى البولندى هو أكبر مشترٍ للذهب بين البنوك المركزية هذا العام بواقع 83 طنًا. ورغم التراجع النسبى فى وتيرة الشراء هذا العام، باستثناء قفزة سبتمبر وأكتوبر، يظلّ مجلس الذهب العالمى متفائلًا، فقد أظهر مسح احتياطيات الذهب لعام 2025 أن 95 فى المائة من البنوك المركزية تتوقع ارتفاع الاحتياطيات العالمية خلال الـ12 شهرًا المقبلة، فى حين يعتزم 43 فى المائة من البنوك زيادة احتياطياتها الخاصة، دون أى توقعات لانخفاضها.
هذه التوقعات تؤكد أن الذهب سيعيش حالة من الزخم فى ظل الإطار العالمى المتزايد نحو تقليل الاعتماد على الأصول الأمريكية ما يعزز مكانة المعدن الأصفر كملاذ آمن وأداة تحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق المالية، تحظى بثقة المؤسسات المالية السيادية.

فى هذا السياق، أوضح سعيد إمبابى، المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة»، أنه خلال الفترة الأخيرة رأينا موجة شراء غير مسبوقة من البنوك المركزية للذهب، ويعزى ذلك لعدة أسباب رئيسية، أولها التحوّط من عدم اليقين الجيوسياسى. فتصاعد التوترات بين القوى العالمية، وامتداد الحرب فى أوكرانيا، والمخاوف من صدامات جديدة كالمشهد المتعلق بفنزويلا، كلها عوامل تدفع البنوك المركزية لتعزيز احتياطاتها من الأصول الآمنة.
وأضاف «إمبابى»: أحد الأسباب كذلك الابتعاد التدريجى عن الدولار، حيث تحاول بعض الدول تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية نتيجة مخاطر العقوبات، وسياسة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب غير المنضبطة؛ وبالتالى يلجأون للذهب كأصل دولى محايد. إضافة إلى ما سبق، الرغبة فى استقرار الاحتياطى، وذلك لأن الذهب يحتفظ بقيمته على المدى الطويل ويوفر توازنا مهما وسط تقلبات أسعار السندات والعملات.
وتابع أن «تأثير ذلك على أسعار الذهب واضح، فزيادة شراء البنوك المركزية، التى هى حاليًا أكبر مشترٍ للذهب عالميًا، تخلق طلبا ضخما يدعم الاتجاه الصاعد للمعدن الأصفر ويحدّ من أى هبوط كبير».
وبعد موجة من الارتفاعات التاريخية، تراجع المعدن الثمين ليتداول دون مستوى 4200 دولار للأونصة إثر ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، وعمليات جنى الأرباح، مسجلًا خسائر أسبوعية تقدر بنسبة 0.4 فى المائة، لكن سرعان ما عادت الأسعار مجددًا إلى الارتفاع مدعومة بالتوقعات المتزايدة بخفض مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى لأسعار الفائدة خاصة بعد أن أظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية الصادرة، الجمعة الماضية، والمتأخرة نتيجة الإغلاق الحكومى، أن معدل التضخم الأساسى لشهر سبتمبر جاء أقل من المتوقع، ما يرفع من آمال خفض الفائدة.
وقد زاد مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصى الأساسى، الذى يستثنى أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، بنسبة 0.2 فى المائة على أساس شهرى، فيما سجل معدل التضخم السنوى 2.8 فى المائة، أقل من التوقعات بـ0.1 فى المائة، أما مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصى العام، فارتفع بنسبة 0.3 فى المائة فى سبتمبر، ليسجل معدل التضخم السنوى أيضًا 2.8 فى المائة، ورغم تراجع معدل التضخم، فإنه لا يزال بعيدًا عن المستوى المستهدف البالغ 2 فى المائة، وقد جاءت تلك البيانات فى أعقاب تقرير التوظيف الصادر عن مؤسسة «إيه. دى. بى» الذى أفاد تسجيل القطاع الخاص فى الولايات المتحدة أكبر انخفاض فى الوظائف فى أكثر من عامين ونصف العام خلال شهر نوفمبر الماضى.
كما تشير أداة FedWatch، وهى واحدة من أبرز المؤشرات لقياس توقعات رفع الفائدة الأمريكية، والتابعة لبورصة شيكاغو التجارية، إلى احتمال بنسبة 87.2 فى المائة لخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس فى اجتماع الاحتياطى الفيدرالى يومى 9 و10 ديسمبر.
وعن تذبذب السوق الحالى، أوضح المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة» أن «ما يحدث من ارتفاعات قياسية ثم تصحيحات طفيفة طبيعى جدًا فى مراحل السوق الصاعد، حيث يتفاعل الذهب مع 3 عوامل أساسية الآن وهى توقعات خفض الفائدة الأمريكية، بيانات التضخم، والتوترات الجيوسياسية»، مؤكدًا أن «أى بيانات تضخم تدعم خفض الفائدة فى الغالب ما يدفع الذهب للصعود من جديد، لأن الفائدة المنخفضة تزيد جاذبيته كاستثمار».
وحول التوقعات المستقبلية لأسعار الذهب، أشار «إمبابى»، إلى أن «الاتجاه العام ما زال صاعدا بدعم من مشتريات البنوك المركزية، استمرار عدم اليقين حول العالم، وتوقعات التيسير النقدى خلال 2026، بالتالى، حتى لو ظهر تراجع بسيط، سيكون غالبًا تصحيحا محدودا داخل اتجاه صاعد طويل المدى».