فى إطار الجهود الرامية إلى إعادة إعمار قطاع غزة، عقب الدمار الذى خلفته الحرب، تستعد مصر لاستضافة المؤتمر الدولى للتعافى المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة، ورغم التحديات اللوجستية والأمنية، تواصل مصر جهودها الحثيثة فى حشد الدعم الدولى للانتقال للمرحلة الثانية انطلاقًا من الزخم الناتج من نجاح قمة شرم الشيخ للسلام التى أسفرت عن وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، بمشاركة عدد من رؤساء العالم.
وقد أعلن الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، أن «مصر تمضى قدمًا فى الإعداد والتحضير لمؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة»، مشيرًا إلى أن «التنسيق يجرى حاليًا مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومع الولايات المتحدة لتحديد موعد مناسب للمؤتمر ليكون برئاسة مشتركة بين مصر والولايات المتحدة، وأن الاجتماعات التحضيرية تشمل دراسة الأولويات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتقديم الدعم الإنسانى والخدمات الأساسية للسكان، بما يتوافق مع أهداف خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام فى المنطقة».
وكانت قد طرحت مصر خطة بقيمة 53 مليار دولار لإعمار غزة، اعتمدتها القمة العربية الطارئة، التى استضافتها القاهرة فى الرابع من مارس الماضى، تركز على التعافى المبكر، وإعادة الإعمار دون تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وذلك وفق مراحل محددة، وفى فترة زمنية تصل إلى 5 سنوات، ذلك بجانب إنشاء صندوق ائتمانى دولى يتولى جمع التعهدات المالية من الدول والمؤسسات المانحة.
هذه ليست المرة الأولى التى تنظم فيها مصر مؤتمرًا لإعادة إعمار غزة، ففى مارس 2009، نظمت مصر مؤتمرًا لإعمار القطاع اجتمعت فيه 75 دولة فى شرم الشيخ، وأسفر عن تعهدات بقيمة 5 مليارات دولار، وفى أكتوبر 2014، انعقد مؤتمر القاهرة لإعمار غزة، بمشاركة دولية واسعة، وتعهدت الدول المانحة بتقديم مبلغ قدره 5.4 مليار دولار.

فى هذا السياق، قال الدكتور محمد اليمنى، خبير العلاقات الدولية، إن «مصر تقود جهودًا دولية لاستضافة مؤتمر دولى لإعمار غزة بعد هدنة العمليات، وتعمل على حشد دعم سياسى ومالى وفنى من الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبى، دول الخليج العربى (قطر، السعودية، الإمارات، الكويت، تركيا)، والأمم المتحدة والهيئات الدولية، وهناك تفاعل فعلى عبر قمة شرم الشيخ، التى ضمت نحو 27 دولة ومنظمة دولية، ووجود تفاهم مع واشنطن على دور مشترك فى رئاسة ومساندة مؤتمر إعادة الإعمار، كما بدأت دول كبرى مثل الصين، بإعلان حزم مساعدات ملموسة، وتؤكد المصادر الرسمية المصرية والخارجية أن القاهرة أعدت خطة أولية لإعادة الإعمار تم تبنيها مبدئيًا ضمن تنظيمات عربية ودولية، وتعمل الآن على ترجمتها إلى حزمة تمويلية وتقنية عبر المؤتمر القادم».
وأضاف «اليمنى» أن «القاهرة استضافت اجتماعات إقليمية ودولية، وربطت ملف إعادة الإعمار بمسارات السلام والهدنة، كما ركزت على تقديم نفسها كمنسق إقليمى ومضيف للمؤتمر، وختم «اليمنى» حديثه، مؤكدًا أن «مصر نجحت فى خلق منصة سياسية ودبلوماسية لمؤتمر إعادة إعمار غزة، وتمكنت من الحصول على وعود ومؤشرات دعم من الولايات المتحدة، دول أوروبية، دول الخليج، الصين، والأمم المتحدة، لكن نجاح المؤتمر القادم يتطلب تحول هذه المؤشرات إلى تعهدات مالية محددة، وآليات حوكمة شفافة، وتأمين ميدانى واضح، يسمح بالانتقال السريع من الطوارئ إلى إعادة إعمار مستدامة»، مشيرًا إلى أن «التزام المجتمع الدولى المتواصل -وليس وعودًا مؤقتة- هو الذى سيحسم إن كانت غزة ستدخل مرحلة تعافٍ حقيقى أم تبقى فى دائرة هشاشة متجددة».

من فرنسا، أوضح الكاتب الصحفى خالد شقير، الخبير فى الشأن الفرنسى، رئيس جمعية «مصر- فرنسا 2000»، أنه من خلال متابعته للموقف الفرنسى منذ بداية أزمة غزة والتحول الكبير الذى طرأ على هذا الموقف بعد زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لمصر ولقائه بالرئيس السيسى، أصبح الموقف الفرنسى شبيهًا بالموقف المصرى بدرجة كبيرة، لدرجة أنه يمكن أن نصفه بالموقف الموحد. ففرنسا أصبحت الآن تنادى بأهمية انتهاز فرصة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن وتربطه بأهمية إعادة التعمير، وظهر هذا الموقف بوضوح بعد مؤتمر السلام بشرم الشيخ، وأكده وزير الخارجية الفرنسية، جون نويل بارو، الذى صرح بأن فرنسا ستقوم بالتواصل مع جميع المؤسسات الدولية والحقوقية وأيضًا الدول الصديقة، لدعم ملف إعادة تعمير غزة.

ومن ميلانو، أكد الدكتور وائل عبدالقادر، رئيس الجمعية الثقافية المصرية الإيطالية، عضو المجلس الرئاسى للاتحاد العالمى للمواطن المصرى فى الخارج، مشاركة إيطاليا فى قمة القاهرة المخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة، وأن «روما تعمل بالتعاون مع مصر والاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة على الإعداد للمؤتمر الدولى فى القاهرة لحشد الموارد وتحديد المشروعات التى ستبدأ فور تحسين الأوضاع على أرض غزة»، مضيفًا أن «المخاوف التى صرح بها وزير الخارجية الإيطالى ستبقى في تنفيذ خطط الإعمار ومرهونة بالاستقرار الميدانى والتوافق السياسى حول إدارة غزة فى المرحلة المقبلة».

من جانبه، أشاد علاء ثابت، رئيس الجالية المصرية بألمانيا، بالجهود المصرية والقيادة السياسية الحكيمة فى إحلال السلام فى الشرق الأوسط، والتى انعكست على العلاقات «المصرية - الألمانية» التى شهدت تطورًا كبيرًا جدًا فى الفترة الأخيرة، موضحًا أن «ألمانيا داعمة لمؤتمر السلام الذى أُقيم فى شرم الشيخ، وللعلاقات الثنائية مع مصر منذ عهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى قام بأكثر من 10 زيارات لألمانيا فى فترة حكمها».