رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رضوى عاشور.. صنعت من الحكاية جبهة ومن فلسطين وطنًا لا ينكسر


4-12-2025 | 21:20

.

طباعة
بقلم: محمد جادالله

فى زمنٍ يزدحم فيه الضجيج وتضيع فيه الحكايات تحت ركام السياسة، تخرج رضوى عاشور كصوتٍ يشبه شعلة قديمة ما زالت تعرف طريقها وسط الريح. صوتٌ ينهض من بين الهزائم لا ليحكى الألم، بل ليحوّله إلى معنى وإلى فعل مقاومة يعرف كيف يوقظ الروح ويذكّرها بما تُريد جهات كثيرة أن ننساه. من يقرأ لـ«رضوى» ولو صفحة واحدة يشعر وكأنه يفتح نافذة على عالم لا يتآكل، عالمٍ تصرّ فيه الكلمة على أن تكون أقوى من الرصاص. وربما تشعر يا عزيزى القارئ بأنك لا تقرأ كلامًا مكتوبًا بيدٍ بعيدة، بل تسمع صوتًا حيًا يجيء إليك كما لو كان يجلس أمامك يحدّثك بصوت خافت يشبه دفءَ الجلسة القديمة.

 

ولدت رضوى فى القاهرة فى لحظة كانت الأمة فيها تلتقط أنفاسها بعد النكسة، جيلٌ كامل يتأرجح بين صدمة الواقع وأسئلته الثقيلة. تلك الهزيمة لم تترك أثرها على السياسة فحسب، بل حفرت فى وجدان جيلٍ كامل سؤالًا لا يخبو: كيف ننهض؟ وربما كان هذا السؤال يا صديقى هو الشرارة الأولى التى دفعت رضوى إلى الأدب، لا كترفٍ فكري، بل كملاذ وميدان. منذ بداياتها فى دراسة الأدب الإنجليزى وانغماسها فى تجارب الأميركيين من أصل إفريقي، بدأت ترى أن فلسطين ليست قضية بعيدة، بل جرحٌ يشبه جراح السود فى أميركا، وجراح كل شعب يقاتل من أجل حقه فى الوجود وسط عالمٍ لا يرحم.

ثم جاء زواجها الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى ليحوّل معرفتها النظرية بفلسطين إلى معرفة معيشة، لم تعد فلسطين خبرًا سياسيًا أو موضوعًا أكاديميًا؛ صارت تفاصيل يوم كامل، وصوت طفل فى المنفى، وقلقًا يجيء فى منتصف الليل، وغيابًا طويلًا يعرفه مَن عاش التجربة لا مَن سمع عنها. وهنا يا صديقى بدأ يتشكّل ذلك الحس الإنسانى العميق الذى يميز كتابتها؛ الحس الذى يرى الإنسان قبل الحدث، والوجدان قبل الخطاب، والدمعة قبل البندقية.

فى «ثلاثية غرناطة» لم تكن رضوى تستعيد الأندلس كصفحات من تاريخ مضى، بل كانت بحدسها الذى لا يخطئ تعرض مرآة لحاضر نراه كل يوم، غرناطة، كما قالت فى أحد حواراتها، ليست مدينة فقط، بل ذاكرة كاملة تقاوم المحو. «أبوجعفر» فى الرواية ليس مجرد شخصية، بل رمز المثقف الذى يقاوم بالمعرفة، ويكتب كى يحمى ذاكرته من السقوط لا كى يُعجب الناس. وكلما تقدّمت فى الرواية تشعر يا عزيزى أن الأندلس لم تسقط تمامًا، وأن سقوطها يتكرر فى كل أرض تُسلب فيها الهوية ويُقتلع فيها الإنسان من جذوره.

أما «الطنطورية» فكانت انتقالًا إلى مستوى آخر من الكتابة. هنا لا تعتمد «رضوى» على البعد التاريخي، بل تجعلك تعيش اللحظة نفسها. «رؤوفة» ليست شخصية روائية عابرة؛ إنها صوت الناجيات من الحرب، صوت النساء اللواتى يحملن فى داخلهن بقايا مجزرة لا تُشفى. صوتها يرتجف وينكسر ويصرخ ثم يعود أقوى من قبل، وكأن الرواية يا صديقى ليست نصًا، بل نبض حى يبحث عن صدر يأوى إليه. وهذا هو سر قوة «رضوى»: تحويل الألم إلى شهادة، والشهادة إلى وعى، والوعى إلى موقف لا يتراجع ولا ينطفئ.

ولأن رضوى لم تكن كاتبة تعيش على هامش الواقع، امتد نضالها إلى المقال والنقد والعمل الأكاديمى. كتبت عن الحرية كما عاشتها، وعن العدل كما تذوّقته، وعن فلسطين كما أحبّتها قبل أن تكتب عنها. كانت تؤمن يا عزيزى أن الكتابة فعل أخلاقى قبل أن تكون فعلًا أدبيًا، وأن الكلمة فى زمن ينهش فيه القمع أحلام الناس تصبح سلاحًا لا يقل قوةً عن أى مقاومة أخرى. حتى خسارتها لمخطوطتها الأولى فى بيروت لم تُثنها عن الكتابة؛ عادت وكتبت من جديد، وكأنها تريد أن تقول للقارئ الذى يجلس أمام صفحاتها إن النص قد يسقط لكن الحكاية لا تسقط أبدًا.

وما يدهشك يا صديقى أن رضوى لم تكن تكتب من علٍ، ولم تكن تصنع مسافة بينها وبين قارئها. كانت تخاطبه بصدق يجعل الجملة تبدو كأنها خرجت من شخص يعرفك، يفهم خوفك، ويضع يده على كتفك ويقول لك: هذا العالم قاسٍ، لكننا أقسى حين نكتب ونشهد ونحمى ذاكرتنا. ولهذا شعر كثير من قرائها أنها كانت تحكى لهم لا تكتب لهم، وأنهم جزء من الحكاية لا جزء من جمهور يقرأ من بعيد.

إن إرث رضوى عاشور ليس رفًّا من الكتب ينتظر القراء، بل مدرسة فى الوعى. مدرسة تؤمن بأن الأدب ليس عزلة بل انخراط، وليس هروبًا بل مواجهة، وليس ترفًا بل ضرورة. مدرسة تقول لك يا صديقى إن الحكاية يمكن أن تهزم الظلم، وإن الذاكرة يمكن أن تعيد للإنسان كرامته، وإن الكتابة حين تصدق يمكن أن تغيّر العالم ولو خطوة صغيرة، لكنها خطوة تُبقى الروح واقفة لا تنحنى.

وهكذا، حين نصل إلى آخر صفحة من كتبها نشعر أننا خرجنا من معركة صغيرة.. معركة تنتصر فيها الكلمة على العتمة ولو قليلًا. وفى اللحظة التى نغلق فيها الكتاب نعرف يا عزيزى أن رضوى لم تكن مجرد كاتبة، بل كانت ضميرًا يقظًا يذكّرنا بأن الحقيقة لا تموت، وأن فلسطين كما كانت تؤمن ليست قضية تُكتب، بل وطنٌ يحيا بالكلمة ويتجدد ما دام هناك مَن يقف ويكتب ولا يخاف.

 
 
 
    كلمات البحث
  • رضوى عاشور
  • صوت
  • مقاومة
  • نافذة
  • صفحة

الاكثر قراءة