رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تطوير «التعليم الطبى» ضرورة ملحة


5-12-2025 | 08:32

.

طباعة
بقلم: محمد الحنفى

لا شك أن الإسراع بتطوير منظومة التعليم الطبى فى مصر بات ضرورة ملحة فى ظل التراجع المحسوس والملموس بجودة الخريجين الجدد، الذين لم ينالوا القسط المطلوب من التعليم والتدريب، رغم خضوعهم للدراسة على مدى خمس سنوات، بالإضافة إلى سنتين من التدريب (الامتياز)، ولابد من تضافر الجهود لوضع حلول عملية لمشكلة إعداد طبيب مصرى كفء يستعيد تاريخنا الطبى العريق وريادتنا فى تخريج أجيال من الأطباء المتميزين محليًا وعالميًا كما كان الحال فى الماضى.

 

 

السؤال الذى أطرحه على المسئولين عن منظومة التعليم الطبى فى مصر، ممثلين فى وزير الصحة وعمداء وكبار أساتذة الطب وشيوخ المهنة ومجلس نقابة الأطباء، هل وصلتكم رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسى التى وجهها أثناء لقاء سيادته داخل الأكاديمية العسكرية بمجموعة من الطلاب المرشحين للقبول بكلية الطب العسكرى، حين تحدث عن تقديم الكلية تعليماً علمياً ومعرفياً وأكاديمياً على أعلى مستوى من المناهج وتوفير التدريب بكلية الطب العسكري، بشكل يضاهى ما تقدمه أفضل كليات الطب العالمية، مؤكدًا أن خريجى كلية الطب العسكرى سينافسون خريجى أفضل جامعات العالم.

الرسالة المهمة من الرئيس مسَّت وتر الجودة فى التعليم الطبى، لإيمانه الكامل بأن الجودة ليست ترفًا بل ضرورة، وأن الطبيب الكفء استثمار فى الإنسان وأمن قومى للدولة.

وأتصور أن سيادته لم يكن يخص بكلامه المهم دراسة الطب داخل الأكاديمية العسكرية فقط بل كان يوجه بحتمية تطوير منظومة التعليم بجميع كليات الطب فى مصر !

الرئيس وضع يده على بيت الداء وأساس المشكلة التى تعانى منها كليات الطب بمشتقاته فى مصر، فهى لم تلحق بعد بقطار التطوير ولا تزال متمسكة بمناهج تدريس عفى عليها الزمن، دون أن يكلف كبار الأطباء أنفسهم مشقة السير على خطى الدول المتقدمة فى الطب، لا لشيء ولكن لانشغالهم وربما تفرغهم الفعلى لإدارة «بيزنسهم الطبي»، والتخلى عن مهمة ورسالة ومسئولية تعليم الأجيال الجديدة أصول المهنة «معندهمش وقت»، والنتيجة تخريج أعدادٍ ضخمة بلا تأهيلٍ كافٍ، ولا وعى مهني، ولا انتماءٍ حقيقي.. تخريج أطباء محكوم عليهم بالفشل قبل أن يمارسوا مهنتهم المقدسة.. وهنا يأتى دور الدولة المناط بها منح هؤلاء الأساتذة دخلاً مادياً يوفر لهم حياة كريمة، ويعيدهم مرة أخرى إلى مدرجات الكليات وغرف العمليات بالمستشفيات.

إن استمرار الوضع الحالى لمنظومة التعليم الطبى بمصر ربما ينذر بكارثة ربما تطيح بكفاءة الطبيب المصرى، وتهدد صحة وحياة ومستقبل المرضى، وإصلاح هذه المنظومة أصبح ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل.

هذا الإصلاح يا سادة ليس مستحيلاً، وليس اختراعاً للذرة ولا يحتاج إلى بذل المزيد من الأموال، «ليس بالمال وحده نطور منظومة التعليم الطبي»، فقط علينا أن ننفتح على تجارب ومناهج الدول التى حجزت لنفسها مكانة مهمة ومتقدمة فى الطب ونتعلم منها ونطبقها، تعالوا نبدأ من حيث انتهت إليه تلك الدول، حتى نستعيد الجودة مرة أخرى، نتعلم من تجاربهم الالتزام بالانضباط والصرامة والجودة، وهو ما شدد الرئيس على التمسك به فى كلية الطب العسكرى، فها هى المملكة المتحدة لا تعتمد أى برنامج طبى إلا بترخيص المجلس الطبى العام (GMC)، الذى يراجع كل تفصيلة ويمتلك سلطة إيقاف أية كلية فورًا إذا أخلت بالمعايير، وها هى الولايات المتحدة تشكل لجنة (LCME) تشرف على كل كلية، وخريج الكلية غير المعتمدة من قبلها يُمنع من التقدّم لامتحان الترخيص.

أما كندا وأيرلندا فتتمسكان بربط القبول بعدد الأسرّة الجامعية المتاحة للتدريب السريرى، بينما دويلة مثل سنغافورة تخدم سكانها 3 كليات طب فقط، لأن الجودة عندها ليست ترفًا بل شرط وجود.

أما نحن فلم نعالج مشكلة تخريج أطباء لم يتلقوا التدريب العملى الكافى والمؤهل لممارسة مهنة فى غاية الخطورة، ولم نُصغ إلى مشكلات الخريجين الجدد، أطباء لم يجدوا منْ يعلمهم، بل توسّعنا فى إنشاء كليات طب جديدة (22 كلية طب بشرى و42 كلية طب أسنان وزيادة أعداد المقبولين فى كليات الطب من 15 ألفًا إلى ما يقارب 29 ألف طالب فى عام واحد)، دون توفير مستشفيات جامعية كافية أو أعضاء هيئات تدريس مقيمين، كليات فتحت أبوابها لمنْ لديهم المال على حساب الكفاءة العلمية، كليات وفرت مدرجات للدراسة دون توفير أماكن تدريب عملى حتى بات تدريس الطب عندهم نظرياً فقط، بفضلهم انفصل التدريب السريرى عن التعليم النظرى بسبب غياب المستشفيات الجامعية الفاعلة، وعلى أيديهم ظهر أستاذ «الشنطة» الذى يتجول من كلية إلى أخرى، وبكل أسف سنكون أمام كارثة فقدان الاعتراف الدولى ببعض الكليات الجديدة، مما يهدد مستقبل خريجيها المهنى بعد ست سنوات من الآن!.

المتابع لصفحات هؤلاء الأطباء الجدد على مواقع التواصل الاجتماعى، يعلم مدى معاناتهم وقلة حيلتهم وحجم تساؤلاتهم وعدم قدرتهم على التصرف العلمى الصحيح مع حالات مرضية ربما كانت سهلة، فما بالكم بالحالات المعقدة والصعبة التى من المؤكد أنهم سيواجهونها على الرغم من قضائهم فترة الامتياز وحصولهم على بكالوريوس الطب، وامتلاكهم تراخيص مزاولة المهنة لكنهم لم يجدوا منْ يعلمهم!.

المشكلة الحقيقية أنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى من التدريب العملى باعتباره المحك الفعلى لتعلم أصول المهنة، الطب ببساطة يا سادة (لا يدرس فى الكتب بل يتعلمه الطبيب عند أسرة المرضى وداخل غرف العمليات)، ومن ثم علينا أن نتوقع المزيد من الأخطاء الطبية التى تهدد حياة المرضى، 190 ألف خطأ فى العام بحسب أحدث الأرقام فضلاً عن أخطاء كثر لم يتم التبليغ عنها!.

من هنا لابد من وقفة عاجلة للنهوض بهذه المنظومة الخطيرة.. هذه الوقفة تستلزم تضافر جهود كل المسئولين عن ذلك الملف سواء وزارة الصحة أو أساتذة الطب أو نقابة الأطباء، واسمحوا لى أن أثمّن ما انتهت إليه ورشة العمل المهمة التى نظمتها نقابة الأطباء وعلى رأسها النقيب المحترم د. أسامة عبدالحى فى شهر أكتوبر الماضى، تحت مسمى «مستقبل التعليم الطبي»، بمشاركة عدد من أعضاء مجلس النقابة العامة للأطباء، ونخبة من الأساتذة والخبراء من الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، وما انتهت إليه من توصيات يجب دراستها والأخذ بها، كان فى مقدمتها رفض التوسع العشوائى فى إنشاء كليات الطب دون توافر المقومات الأساسية، على رأسها المستشفيات الجامعية لتدريب الطلاب، وهو أمر يمثل خطأً فادحًا يهدد مستوى تأهيل الأطباء ويؤثر سلبا على سمعة الطب المصرى ويشكل خطرا حقيقيا على جودة التعليم الطبى ومستقبل المهنة، محذرين من تدنى الحد الأدنى للقبول فى كليات الطب، معتبرين أن هذا الأمر سيؤثر سلباً على كفاءة الطبيب ومستقبل رعاية المريض، فى وقت تحتاج فيه المنظومة الصحية إلى دعم الجودة لا إلى التوسع الكمى.

فالإصلاح الحقيقى يبدأ من وضع منظومة قبول عادلة ومنضبطة تربط الأعداد المقبولة بالطاقة الاستيعابية للتدريب فى المستشفيات بعد تخرجهم.

كما أوصت الورشة بضرورة تطبيق اختبار قدرات طبية للطلاب قبل الالتحاق بكليات الطب، لقياس مدى أهليتهم علميًا ونفسيًا وإنشاء هيئة عليا مستقلة للتدريب الطبى تضمن حصول كل طالب على تدريب عملى مؤهل باعتباره الضمان الحقيقى لجودة الطبيب قبل منحه شهادة التخرج، هذه الهيئة يجب أن تُنشأ بقرار من رئيس الدولة، وتُرفع تبعيتها مباشرة إلى رئاسة مجلس الوزراء، ضمانًا لاستقلالها الكامل عن تضارب المصالح الأكاديمية أو المؤسسية، على أن تضم الهيئة ممثلين عن نقابة الأطباء، والمجلس الأعلى للجامعات، ووزارتى الصحة والتعليم العالي، وخبراء فى ضمان الجودة والاعتماد الدولى، على أن تكون مسئولة عن مراجعة المناهج والبنية التحتية والمستشفيات الجامعية، وتقييم الأداء المهنى والتعليمى لأعضاء هيئة التدريس، ومراقبة التوافق مع معايير الهيئات العالمية وإصدار أو تعليق الاعتماد لأى كلية لا تلتزم بتلك المعايير.

ناهيك عن توحيد المناهج الطبية فى كل كليات الطب، مع الاستعانة بمناهج عالمية من جامعات كبرى مثل هارفارد، وكامبريدج، وأوكسفورد، واعتماد نظام تقييم عالمى يضمن تخريج أطباء على مستوى عالمى، لديهم القدرة على المنافسة داخل مصر وخارجها، فضلاً عن إنشاء مستشفيات أهلية غير ربحية للتدريب والعمل، تقدم خدمات طبية عالية الجودة بأسعار معقولة، وتوفر فرص تدريب وعمل برواتب عادلة للأطباء، فهل نستوعب رسالة الرئيس ونسعى إلى تحقيقها، وهل نأخذ بتلك التوصيات أم نتعامل معها بطريقة «ودن من طين وودن من عجين»

    كلمات البحث
  • تطوير
  • منظومة
  • التعليم
  • الطبى
  • طبيب

أخبار الساعة

الاكثر قراءة