العفو عن نتنياهو داخل إسرائيل هى «حدوتة» تروى للتندر بها لأن بدايتها كانت طلبًا للرئيس ترامب من الرئيس الإسرائيلى منذ أسبوعين للعفو عن نتنياهو الذى يحاكم الآن، ليس فى قضية فساد واحدة وإنما فى ثلاث قضايا فساد واستغلال نفوذ!. وكان واضحًا وقتها أن ذلك يعد أحد الأثمان لحث وتشجيع نتنياهو على الالتزام باتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب الوحشية فى غزة، وهو الاتفاق الذى يتم خرقه يوميًا بقصف مناطق فى قطاع غزة وقتل المزيد من أهله.
لكن جاءت المفاجأة حينما تقدم نتنياهو نفسه للرئيس الإسرائيلى بطلب مكتوب للعفو عنه فى القضايا التى يُحاكم فيها بعد أسبوعين من ذات طلب ترامب من الرئيس الإسرائيلى، وهو ما يُشير إلى أن الأمر مرتب سلفًا بين أمريكا وإسرائيل، إن كان متفقًا عليه بين الثلاثة الرئيس الأمريكى والرئيس الإسرائيلى ورئيس الوزراء الإسرائيلى وأن الأمر سيفضى فى نهاية المطاف إلى العفو عن نتنياهو فى قضايا الفساد، وسيتم تبييض وجهه قبل خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة التى ستقام العام المقبل، مما يمنحه فرصة أكبر للفوز فى هذه الانتخابات، خاصة أن نتنياهو لم يعترف ويقرّ بارتكاب الجرائم التى ارتكبها قبل طلب العفو، كما كانت وما زالت تطالب به المعارضة الإسرائيلية.
ويعزز ذلك أن الرئيس الإسرائيلى قرر أن يُحيل طلب نتنياهو للعفو عنه أولاً إلى وزير العدل فى حكومة نتنياهو لبحثه قبل إحالته إلى مستشاره القانونى، والمعروف أن وزير العدل من حزب الليكود، أى حزب نتنياهو، وفوق ذلك فهو على علاقة طيبة برئيس الوزراء الإسرائيلى، وبالتالى المتوقع أنه سيؤيد للإعفاء عنه، رغم أن هناك معضلة قانونية تعترض ذلك واضحة للجميع فى إسرائيل وخارجها وهى أن نتنياهو لم يصدر بعد حكم قضائي بحقه وهو ما زال يخضع للمحاكمة، والرئيس الإسرائيلى لا يتيح له القانون إصدار قرارات عفو عن أحد إلا إذا كان قد صدر بحقه حكم قضائي.. وبالطبع نتنياهو يعرف ذلك، ولذلك برر طلبه باعتبارات سياسية وليست قانونية تتعلق بأن محاكمته تعطله عن ممارسة مهامه كرئيس للحكومة لأنه يدلى بأقواله أمام المحكمة ثلاث مرات فى الأسبوع، رغم أنه اعتاد الاعتذار كثيرًا ومرارًا عن عدم حضور محاكمته بحجة انشغاله بمتابعة أو بحث أمور أمنية مهمة أو لظروف أمنية طارئة تتمثل فى الاعتداءات التى تقوم بها قوات الاحتلال فى غزة ولبنان وسوريا واليمن، بالإضافة إلى الحرب مع إيران أيضًا.
وهنا نخلص إلى أن الأمر فى «حدوتة» العفو عن نتنياهو مرتب أمريكيًا وإسرائيليًا.. ورغم تحفظ المعارضة لأن نتنياهو لم يقر بذنبه أو يعترف بالجرائم التى ارتكبها، فإن نتنياهو سيظفر بالعفو الذى يريده دون أن يعترف بجرائمه.. فإن الرئيس ترامب يدفع فى ذلك الاتجاه وطالب به الرئيس الإسرائيلى علنًا.. نعم الإجراءات القانونية سوف تستغرق بعض الوقت، نحو عدة أسابيع، ولكن فى نهاية المطاف سيمسك الرجل بالعفو فى يديه مع مطلع العام المقبل.
وهذا يعنى مؤكدًا أن نتنياهو سيخوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وصحيفته الجنائية بيضاء، وأن خطر السجن لا يلاحقه، وبالتالى ستكون فرصة أفضل للعودة إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد الانتخابات البرلمانية.. ويعزز ذلك أن المعارضة الإسرائيلية تعانى ضعفًا هيكليًا وليست أمامها فرصة مناسبة للتخلص من نتنياهو فى الانتخابات المقبلة.. ويُضاف إلى ذلك أن المناخ الإسرائيلى الغالب الآن هو مزاج متطرف.
وهنا يتبين أن اتفاق غزة لوقف الحرب وإعمارها وتحريرها من الاحتلال والمضى فى طريق تقرير المصير للفلسطينيين سيعانى كثيرًا فى تحقيق ذلك، وأن الخطر الإسرائيلى ما زال ماثلاً وربما يتصاعد أكثر مستقبلاً، خاصة أن أطماع إسرائيل فى غزة والضفة قائمة ويتصور الإسرائيليون أنها الآن فرصتهم لتحقيق هذه الأطماع، وبالتالى فإن خطر التهجير القسرى للفلسطينيين ما زال قائمًا أيضًا.
على كل حال، إذا كان نتنياهو سيفلت من محاكمته داخل إسرائيل فإنه يُحاكم الآن عالميًا فى المحاكم الدولية وشعبيًا خارجها، وعلينا دعم هذه المحاكمات بعد المشاركة فيها.