ما إن يضعك «الجى بى أس» فى قلب مكان المسرح بمدينة الإنتاج الإعلامى بأكتوبر، وكأن الزمان يعود بنا وكأنها إحدى حفلات أم كلثوم نحضرها فى أول كل شهر بالمرسح أو المسرح، فالصور فى كل مكان للست، وهذا والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى، وهذه للشيخ أبو العلا، وأخرى لأحمد رامى والقصبجى، والسنباطى، وبليغ وقبلهما يقف محمد عبدالوهاب فى شموخ، وكل ذلك فى حضرة ثومة التى يقدمها لنا بعشق ورؤية عصرية مبتكرة ومبدعة فكريا د. مدحت العدل ومخرج متميز للغاية هو أحمد فؤاد و«وكاست شبابى» من مصر الولادة.
بدعوة كريمة وطلبتها من د. مدحت العدل، بعد أن عرفت أن المسرحية تتضمن حوالى 90 فى المائة من الشباب ووجوه جديدة غير المعروفة إعلاميا، فتحمست كعادتى للشباب وفى حضور تجربة بها مخاطرة لأنها الست وبعد 50 سنة من وفاتها، وكأن أم كلثوم تنادينى، وأقوم أفزع لأطلب المدد والحضور حتى لو كان على بُعد ساعتين من منزلى، والمرسح آرش كومبيله أى كامل العدد، ومعه حضور عربى لافت خاصة من النساء.
الأغلبية من الحضور متأنق، هذه تضع عقدا، وأخرى تمسك بشنطة مطرزة، وأخرى ترتدى حذاء كاجوال ولكنه سواريه، وجزء كبير يضعن الشال المطرز على أكتافهن.
قبل التاسعة ومضيفنا الكريم د. مدحت يستقبل الجميع بحفاوة، ومرت بجوارى فاتنة جيلنا مرفت أمين، ويدخل محمود سعد فى هدوء بدون صخب كأنه يتسلل ليستمع لأم كلثوم بمفرده، وتامر أمين، وأساتذة جامعات مثقفون، كأن أم كلثوم هى النداهة، فهى ما زالت وربما الوحيدة القادرة على جمع شتات الكل المصرى والعربى فى انتظارها بليلة الخميس.
ووجدت فستانا ربما ارتدته بإحدى حفلاتها، لكن مقاس الفستان أذهلنى فهو لا يزيد على المقاس المتوسط (M) لأن صورة أم كلثوم من الشاشة تبدو وكأنها ضخمة، الفستان أنيق جدا من القماش المطعم باللؤلؤ، بجواره يقع جهاز الجرمافون القديم، وكرسى بينهما سارعت بالجلوس عليه وكأنى أشتاق لعبير رائحة الكد والتفرد والإبداع عن حق واستحقاق.
يرفع الستار عن أم كلثوم وهى تغنى رائعتها «إنت عمرى» بالوصلة الأولى ونستقبلها بالتصفيق الحاد! ثم ينتقل المشهد لأمام المرآة فى حجرة استراحتها وهى تنظر بها، فإذا بأم كلثوم الصغيرة بالعقال تظهر لها على جانب المرآة، وتبدأ الحكاية من هنا وبرحلتها تحت المطر هى وأبوها لإحياء ليلة فى فارسكور، عين الطفلة على أقرانها البنات بجلابيبهن الملونة، وهن يلعبن الأولى (لعبة لا تعرفها الأجيال الجديدة غالبا)، وهى بالعقال والجلباب الأسود الرجالى! وحينما تتذمر منه يقول لها الأب إن المجتمع لا يقبل بسهولة غناء البنات حتى لو كان فى مدح الرسول، ينبهها والدها إلى ضرورة الغناء الجيد وإلا سيكون مصير الغناء السيئ هو العقاب لهم بالرمى بالترعة، وهو الخوف والحلم الذى سيلازمها حتى الممات بالترعة والغرق بها لو لم تُجد الغناء وتجيد الطفلة (ملك أحمد) بدورها وصوتها بديع ومتميز، وعلمت أن المايسترو سليم سحاب هو منْ رشحها.
كان لهذا الحفل والمشهد تحت المطر «مفعول القدر، وسيغير مجرى حياتها؛ حيث استمع لها الشيخ أبو العلا محمد أحد أساطين الغناء والتلحين، فيطلب أباها ويثنى على عبقرية صوتها ويطلب أن يزوره معها بالقاهرة، وفى متلازمة طريفة وبإلحاح وقوة تطلب المهلبية! ويبدو هنا عشق أم كلثوم للحلويات واضحا وجليا، وأنه يعكس طفولة وأحلام براءة ابنة الريف.
يستمر العرض من خلال الأغانى ليس فقط أغانيها، ولكن عبر حياتها ومساراتها، فتقدم فى قالب مبهر من الاستعراض بكلمات الشعر بالأغانى حتى إننى حاولت أعدها على أصابع يدىّ فتجاوزت منى بما يعنى أنها أكثر من عشر أو 12 أغنية. ونبدأ بعدها مع أم كلثوم الكبيرة (أسماء الجمل) وانتقالها إلى القاهرة ويعرفها الشيخ أبو العلا على المثقف الكبير والشاعر أحمد رامى، وتسطع هنا أم كلثوم لشخصيتها القوية ورفض العودة لطماى الزهايرة ومقاومة ورفضها لتسلط أخيها عليها وعلى أعمالها وجلوسها مع رامى حتى لو كان بينهم محرم «سنية» من عائلتها والتى لازمتها حتى الفراق، ومثلت شخصيتها ببراعة ممثلة جديدة هى منار الشاذلى.
تتوالى الأحداث ويجتمع شمل الثلاثى ثومة، ورامى ومحمد القصبجي، وتبدأ مسيرة النجاح حتى السلطانة منيرة المهدية برغم مكائدها الصحفية ضدها، ولكنها اعترفت أخيرا لها، وكانت مشاهد الأداء والديكور لهذا الصراع من أكثر نقاط إخراج المسرحية تميزا ومزج التاريخ والأحداث سريعا من خلال تصميمات سريعة، فلا تشعر بالملل من الانتقال بين الأماكن والشخصيات بديكور واحد، وتمر علينا بصوتها فى أغنية يا ليلة العيد، وهى الأغنية الخالدة التى إذا لم نستمع لها كأن العيد لم يعلن عند الأغلبية من الشعب عيد إلى يا ليلة العيد آنستينا.
الدور المهم فى حياة ثومة والبطل الآخر لمسيرتها أو الوجه الثانى للعملة فى حياة ونجاح أم كلثوم هو «سعيد سالمان»، الذى يقوم بدور أحمد بك رامى هذا الفيلسوف المثقف الذى وصل لمرحلة النائب لدار الكتب المصرية، خاصة أنه حصل على شهادة المكتبات والتوثيق من فرنسا، كان رامى هو البوابة لها ليس بالدعم فقط على المستوى العاطفى والإنسانى ولكن الفكرى قبلهما، وهو ما أوضحه بقوة العمل الغنائى المسرحى عبر رباعيات الخيام، أو غناؤها لأبيات الشاعر الباكستانى محمد إقبال وهنا لابد أن أشيد بروعة الإبهار والاستعراض فى مشهد يعكس غناء أبيات محمد إقبال.
إن علاقة أم كلثوم ورامى هما وجهان للحياة نفسها الرجل والمرأة، الإبداع والفكر، ثم نأتى إلى الشخصية الثالثة أو الثالوث فى قصة نجاح أم كلثوم وهو الملحن العظيم محمد القصبجى والذى حتى بعد توقفه للتلحين المباشر لها إلا أن قوة علاقتهم جعلته يوافق على أن يكون فى رأس الفرقة كعازف على العود، وحينما مات لم يجلس أحد مكانه وظل كرسيه، وعليه العود يظهر خلف أم كلثوم.
وعبر مزج رائع وتكنولوجى حديث فى الخلفية يستعرض المؤلف والمخرج محطات تاريخية مهمة، مثل قيام ثورة يوليو 1952 ثم ينتقل بنا إلى معركة فوزها بمنصب نقيب الموسيقيين، وهنا لابد أن نتوقف قليلا لأن هذه الخطوة منها وقبلها رفض تسلط أخيها، وإبرازها من المؤلف تستحق أن نكتب مقالا منفردا عنه؛ لأنها امرأة صنعت تاريخا سياسيا واجتماعيا وليست فقط مجرد قولبتها كأعظم مطربة بل هى أعظم الشخصيات النسائية المناضلة فى حياتنا المعاصرة طوال قرن كامل منذ ثورة 1919، فأم كلثوم المقدامة والفذة وثقت فى شعبها وجمهورها قبل أن تكون المرأة، ولذلك ترشحت أمام محمد عبد الوهاب القوى جدا وقتها، وتكسب المعركة لتصبح أول نقيبة لمهنة فى مصر، ولم تحدث إلى الآن فى نقابة تمثل أهل الفكر والكتابة مثل نقابة الصحفيين مثلا، ولذلك فإن إبراز هذا الموقف حتى لو كان فى إطار التاريخ. يصبح موقفا صحيحا وتقدميا من د. مدحت لإبراز الدور الهام لهذه المؤسسة المتكاملة وهى أم كلثوم وفى مختلف المواقف، ويستحق تسليط الضوء عليه لأنه عابر للسنوات والأجيال، ولربما لهذا الموقف منها وشخصيتها هو ما ساعد بعد ذلك محمد عبدالوهاب فى تخطى أزمة المنافسة بينهما بالتلحين لها، ليمنحها أجمل الأعمال ورائعة إنت عمرى. وهنا يجب الإشادة برسم شخصية عبد الوهاب التى برزت أيضا، واستحوذت على الكثير من المشاهد بالمسرحية أى لم يتم تجاهله لحساب أم كلثوم، وبرع الممثل «أحمد الحجار» وبخفة ظل فى تجسيد ذلك وكانت أيضا أغنياته التى أدى بها أداء رائعا.
تظهر حقبة عبد الحليم حافظ (مطربى المفضل بعدها)، وهنا يظهر أثر المنافسة على تطور الإبداع وطال البعاد بالتجديد حتى فى علاقتها الطويلة بالسنباطى ورائعته الأطلال، حيث كان يتهمها دائما عبد الوهاب بالخوف من التجديد وتستعين ببليغ حمدى الذى ينتج لها روائع بالفعل ومع شعراء جدد.
ثم نأتى للمرحلة التى أراها تعكس جوهر أم كلثوم وقوة روحها وتفرد شخصيتها وفكرها فى حب مصر، وهى حملة دعم الجيش المصرى، أو علاقتها بالجيش والتى بدأت مبكرا فى حرب 1948 بفلسطين أثناء حصار الفالوجا وطلبهم أن تغنى أم كلثوم أغنية «غلبت أصالح فى روحى» ليسمعوها وهم على الجبهة وهو ما نفذته أم كلثوم، بل إنها غنت بالوصلة الثانية لها، أغنية أنا فى انتظارك كأنها رسالة دعم لهم على الجبهة، وبالفعل حينما عادت الفرقة من الحصار وانتهاء الحرب استقبلتهم أم كلثوم فى بيتها وكان منهم عدد من الضباط الأحرار وعلى رأسهم الرئيس عبدالناصر، وتتوطد علاقتها به من ذلك الحين ليقول هل نهدم الهرم فى مواجهة الحملات ضدها.
كان دورها الأعظم هو عقب هزيمة 1967، ويركز المؤلف على قولها أن دعمها الوطنى للجيش لن يكون بالكلمات والخطب أو بالغناء فقط بالإذاعة، فالجيش يحتاج بناء ودعما ماليا أيضا وليس فقط لكلام وغناء، ولذلك تقرر أن تتجول بمصر كلها وستبدأ حملة تبرعات مالية وكذلك بإقامة الحفلات وبالغناء فى كل محافظات مصر، وعكسته مشاهد الخلفية بالمسرحية، وكذلك قرارها أن تجلب العملة الصعبة لمصر بحفلات فى الخارج وكان ذلك فكرتها، وجابت العالم العربى والغربى ومنها الغناء بباريس لتجمع الأموال لدعم مصر، وكأن لسان حالها يقول الكل فى واحد، قوى مصر الناعمة والخشنة هما مصر ووجها العملة.
لتختتم المسرحية بمشهد جديد ينتمى لعصر الشباب وعصرنا وهو تابلو النهاية لتقديم منْ قام بهذا العمل الإبداعى، ويظل الجهور يصفق لهم ووقوفا لتحية هذا الجيل من الشباب الواعد، وربما التصفيق كان أيضا لأم كلثوم وأهتف سأهتف بكلمات «أنساك ده كلام». قبل أن أغادر عرفت أن العرض سيجوب المحافظات، وبعض الدول العربية والأجنبية إحياء لرحلتها الخالدة، فسألت مدحت العدل عن العشق والصب الذى تفضحه عيونه وكلماته لتقديم هذه القراءة الواعية والربط الجديد والمتميز لمحطات من 75 سنة هى حياةً أم كلثوم فى عمل موسيقى وإخراج مبهر أعاد الوصال لحياتنا معها بالحرية و«مدد يا ثومة مدد ولبينا النداء».