علامة استفهام كثيرة وجهها النقاد تارة والجمهور تارة أخرى، للدرما المصرية وخروجها عن مسارها الذى انتظرته الأسر المصرية باعتبار الفن مرآة المجتمع وما آلت إليه من تراجع دفع الكثير للمطالبة بتدخل لتعديل هذه المسارات كان آخرها الانتقادات المباشرة التى وجّهها الرئيس عبدالفتاح السيسى للأعمال الدرامية التى تُرسّخ سلوكيات سلبية وتُقزّم صورة المجتمع المصرى، ليعود الجدل حول المسؤولية المهنية والأخلاقية لصناع الدراما.. فالدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل ساحة مؤثرة تشكل القيم والسلوكيات، خاصة بين الشباب والأطفال، حيث يمكن لمشاهد غير مدروسة أن تكرّس العنف أو نماذج سلبية كقدوة.
فى الوقت نفسه، تعكس الأزمة الحالية فى صناعة النصوص والقصص الدرامية تراجعًا فى الابتكار والجرأة الفنية، مقابل ضغط السوق على الإنتاج السريع والمحتوى التجاري. هذا الوضع يطرح الحاجة الملحة لإعادة النظر فى رؤية الدراما المصرية، بحيث تمزج بين المتعة والمسؤولية.
الكاتبة والسيناريست نهى سعيد، تؤكد أنه لا يمكننا القول إن لدينا نقصًا فى الكتّاب، بل لدينا نقص فى منح الفرصة لأفكار مختلفة، فالسوق يميل لنوعية ناجحة تجاريًا، لذلك تتكرر القصص نفسها دون تطوير، موضحة أن ما يُسمّى بأزمة النصوص هو انعكاس لأزمة صناعه، فحين يُطلب من الكاتب أن يكتب عملًا فى ثلاثة أشهر ليُعرض فى رمضان، فالنتيجة تكون نمطية ومكررة.
يصف الناقد الفنى محمد عبد الرحمن، الدراما بأنها حائط الصد الأول فى معركة الوعى، لما تتمتع به من تأثير مباشر فى تشكيل وجدان الجمهور، قائلا: «قضايا الوعى لا تقتصر على الإرهاب، بل تمتد إلى ملفات اجتماعية واقتصادية، والدراما قادرة على مواجهة هذه القضايا بعمق ومسؤولية، وموسم رمضان الأخير اعتبره من أفضل المواسم فى السنوات الأخيرة»، مشيرًا إلى أعمال تناولت قضايا دقيقة مثل التحرش بالأطفال ووضع المرأة فى الريف، مثل «لام شمسية»، و«ظلم المصطبة».
ويضيف أن الشركة المتحدة والكاتبة علا الشافعى، لعبتا دورًا واضحًا فى تقديم محتوى راقٍ ومتوازن هذا العام، داعيا إلى الحفاظ على حجم الإنتاج الحالى، والتعامل مع لجنة الدراما كإطار تنظيمى داعم وليس عائقًا، ويلفت إلى أن الكُتّاب الشباب مليئون بالخيال والطموح، لكن هناك حاجزًا بين الإبداع وجهات الإنتاج، ونحن نحتاج سياسة جديدة لاحتضان الأعمال المختلفة، وليس فقط أعمال الأكشن المضمونة.
توضح الكاتبة الصحفية سارة نعمة الله، عضو لجنة الدراما فى الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية، أن الرئيس السيسى انتقد صورة تُصدّر للعالم وللأجيال، حين تصبح البلطجة بطولة، يصبح الشباب أكثر استعدادًا لتقليدها، والمسؤولية هنا ثقافية وليست سياسية، وأن الدراما المصرية لا تعانى نقصًا فى المواهب، بل تحتاج إلى تغيير فى الرؤية والتوازن بين المتعة والرسالة.
تؤثر الدراما على أنماط السلوك أكثر من المدرسة، كما تؤكد الخبيرة الاجتماعية سالى سمير، وما يُعرض فى بعض المسلسلات يخلق حالة من التطبيع مع العنف، وانتقاد الرئيس السيسى جاء فى لحظة مهمة، لأن التأثير أصبح واضحًا على سلوك المراهقين، متمنية أن تسلط الدراما الضوء على بعض المواقف الأخلاقية، التى يحتاج أن يتعلمها الأطفال.
أما الفنان محمد عزت، خريج مركز الإبداع، فيرى أن المشكلة ليست فى تناول العشوائيات أو الطبقات المهمشة، بل فى اختزال المجتمع كله فى هذه الصورة، ومصر ليست فقط الصراع والانتقام والثراء السريع، والجمهور أصبح يشعر بالتكرار ويتطلع لأعمال ذات معنى، حيث يشير النقاد إلى أن بعض الأعمال، التى قدّمها نجوم مثل محمد رمضان وأحمد العوضى أسهمت فى ترسيخ نموذج «البطل الخارج عن القانون».
ويضيف أن المشكلة ليست فى الشخصية الشريرة، بل فى جعلها منتصرة ومحبوبة، فحين تتعاطف الدراما مع البلطجي، يتحوّل إلى قدوة، وهذا أخطر ما يكون، والعنف يجب أن تكون له ضرورة درامية، لا أن يكون وسيلة لإبهار المشاهد.
ويشير عزت إلى أن قرار إصلاح الدراما وعودة قطاع الإنتاج جاء فى توقيت حرج، بعد التراجع الملحوظ فى مستوى بعض الأعمال مؤخرًا، والأطفال يأخذون ما يشاهدونه قدوة، لذلك نحن بحاجة إلى أعمال تحمل رسالة وتعيد بناء الوعى الثقافى للأجيال.
تظهر الدراسات الحديثة أن التعاطف مع النموذج السلبى يزيد احتمالات تقليده لدى المراهق، كما يقول الناقد الفنى والباحث خالد على، لذلك يجب أن تكون النهاية منطقية وتُعزز فكرة مسؤولية القانون، وأننا حين نعرض مشكلة اجتماعية، يجب أن ينتهى العمل برسالة وبديل وسلوك إيجابى، والمشاهد يحتاج أن يرى الحل وليس المشكلة فقط.
من ناحيته قال الدكتور أسامة أبو طالب، أستاذ الدراما والنقد بأكاديمية الفنون، إن توجيهات الرئيس الأخيرة جاءت نتيجة إدراك حقيقى بأهمية الدراما ودورها التاريخى.
موضحاً أن الدراما المصرية كانت لعقود طويلة مصدر دخل اقتصادى وثقافى كبير، بدءًا من تسجيلات كبار المطربين والقرّاء، إلى المسرح وقطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى الذى كان نافذة العرب على الثقافة المصرية، لكن التراجع حدث، عندما سيطر منطق الربح السريع على الإنتاج، وتراجع الاهتمام بالقيمة التربوية والثقافية، إضافة إلى غياب الكوادر المتخصصة.
وأوضح لدكتور تامر الجزار، مدرس التمثيل، وقد أسهمت بعض الأعمال فى تقديم صور مشوهة للبطولة، وتغييب الدور التربوى للدراما، موضحا أن الإصلاح يبدأ من النص، حيث نحتاج إلى لجنة قوية فى الرقابة، وإلى فلترة الورق قبل الإنتاج لضمان جودة المحتوى.
الفنان أشرف أمين يرى أن القرارات الأخيرة وضعت الدراما على المسار الصحيح، مشيدًا بالدور الذى لعبته الشركة المتحدة على مدار السنوات الماضية فى تقديم أعمال وطنية رشيدة، فالمحتوى الجيد يجذب الجمهور دائمًا، والمجتمع المصرى لا يمثل الصورة التى قدمتها بعض الأعمال المليئة بالعنف والإسفاف.