شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس توقيعًا مهمًا بين شركة السويدى للتنمية الصناعية وشركة CJN الصينية لإنشاء واحد من أكبر المشروعات الصناعية فى الشرق الأوسط «مجمع الصناعات الكيماوية الفوسفاتية المتخصصة داخل مدينة صناعية متطورة بمنطقة السخنة الصناعية»، يأتى هذا المشروع العملاق ليعزز مكانة مصر على خريطة التصنيع العالمي؛ وليشكل نقلة نوعية فى قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة، خاصة فى ظل الطلب العالمى المتزايد على المنتجات الفوسفاتية.
المشروع الجديد لا يمثل مجرد استثمار كبير فحسب، بل يعكس فلسفة اقتصادية جديدة تعتمد على التكامل الصناعي، تعظيم القيمة المضافة، وتوطين التكنولوجيا، إلى جانب تعزيز الصادرات المصرية وزيادة الحصيلة الدولارية، كما يبرز ثقة المستثمرين الأجانب فى المناخ الاستثمارى المصري، وقدرة الدولة على توفير بيئة جاذبة ومستقرة للاستثمارات الكبرى.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعد منصة عالمية مستعدة لاحتضان الصناعات الثقيلة، حيث تُعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أكبر المناطق الاقتصادية فى العالم، حيث تمتد على مساحة 461 كم² وتضم بنية تحتية فائقة التطور وشبكة لوجستية متكاملة تربط بين موانئ بحرية ومناطق صناعية ومراكز للخدمات. وقد استطاعت المنطقة خلال السنوات الماضية تعزيز حضورها العالمى من خلال جذب استثمارات متنوعة، واعتماد نموذج صناعى ولوجستى يواكب المعايير الدولية.
وحتى الآن شهدت المنطقة تشغيل 190 مصنعًا فى مختلف القطاعات الصناعية، بينما يجرى تنفيذ 120 مصنعًا إضافيًا تحت الإنشاء، مما يعكس ديناميكية قوية فى نمو المنطقة وقدرتها على جذب الاستثمارات الصناعية الثقيلة.
وتعتبر منطقة السخنة الصناعية تحديدًا واحدة من أبرز مناطق الاستثمار بسبب قربها من ميناء السخنة، واتصالها بمحاور نقل استراتيجية، مما يجعلها منصة مثالية للتصنيع والتصدير للأسواق الإقليمية والدولية.
وبالنظر إلى تفاصيل المشروع الذى يعد أكبر مجمع للصناعات الفوسفاتية فى الشرق الأوسط نرى أنه يقام على مساحة ضخمة تبلغ 905 آلاف متر مربع وسيتم تطويره على ثلاث مراحل رئيسية، بما يضمن توسعًا تدريجيًا واستدامة فى التشغيل والتطوير، وتبلغ قيمة الاستثمارات الإجمالية المخصصة للمجمع مليار دولار أمريكي، وهى استثمارات ضخمة تعكس حجم وتنوع الأنشطة الصناعية التى سيضمها المشروع.
من المخطط أن يبدأ التشغيل الفعلى للمجمع عام 2028، وهو موعد يتناسب مع حجم الأعمال الإنشائية والتكنولوجية المطلوبة لهذا النوع من الصناعات الثقيلة والدقيقة فى الوقت ذاته، والتى تعد شراكة استراتيجية بين القطاع الخاص المصرى والصينى.
وأحد أهم ملامح هذا المشروع أنه استثمار مشترك بين القطاع الخاص المصرى والقطاع الخاص الصيني، ما يعنى أن الحكومة المصرية أو الموازنة العامة للدولة لن تتحمل أى أعباء مالية فى إنشاء المشروع، ويقوم المشروع بالكامل على استثمارات حقيقية مباشرة من الشركات المشاركة، كما أن المخاطر المالية والتشغيلية يتحملها المستثمرون وليس الدولة، فضلا عن أن العائد الاقتصادى يتحقق دون تحميل الموازنة أى عبء أو اقتراض حكومى.
هذا النموذج ينسجم مع توجه الدولة المصرية نحو تشجيع دور القطاع الخاص فى قيادة النمو الاقتصادي، وتحفيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر شراكات حقيقية طويلة الأجل، ويساعد على توطين التكنولوجيا وتعظيم القيمة المضافة لخام الفوسفات المصرى.
كما تكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع فى كونه لا يقوم على استخراج خام الفوسفات فقط، بل على تحويله إلى منتجات نهائية عالية القيمة، فبدلًا من تصدير الفوسفات كخام منخفض السعر، سيتم إنتاج أسمدة فوسفاتية متنوعة، مواد كيماوية فوسفاتية صناعية، منتجات تستخدم فى صناعات الدواء والمنظفات والمواد الغذائية والصناعات الهندسية.
هذا التحول يمثل تعظيمًا للقيمة المضافة لخام الفوسفات المصرى، ونقلة صناعية من مستوى «تصدير الخامات» إلى «تصدير المنتجات المصنعة»، إضافة لتوطين التكنولوجيا الصناعية الحديثة فى قطاع يعد من القطاعات الاستراتيجية عالميًا، جنبا إلى جنب مع نقل خبرات صينية متقدمة لمصر فى صناعات الأسمدة والكيماويات.
ولا شك أن تصنيع الفوسفات محليًا بدلاً من تصديره خاما يعزز الميزان التجارى لمصر، ويرفع قيمة الصادرات بمعدلات كبيرة مقارنة بتصدير الخام.
ومن المتوقع أن يُخصص جزء كبير من إنتاج المجمع للتصدير، خاصة فى ظل الطلب العالمى المستمر على الأسمدة الفوسفاتية. وتعد الأسواق الإفريقية والآسيوية والأوروبية من أهم المستهدفين، لما تتمتع به المنتجات الفوسفاتية المصرية من جودة وسعر تنافسى.
إن المجمع سيسهم في زيادة الصادرات المصرية من الصناعات الثقيلة، وتعزيز التدفقات الدولارية داخل الاقتصاد المصرى، وتحسن ميزان المدفوعات وتوفير عملة صعبة، ورفع القيمة الاقتصادية لسلسلة الصناعات الكيماوية فى مصر.
وهذا يجعل المشروع ليس مجرد منشأة صناعية، بل محور من محاور السياسة الاقتصادية الرامية لرفع التنافسية الدولية للصناعة المصرية.
ومن المخطط أن يوفر المشروع 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتشمل: وظائف للمهندسين والفنيين والعمال فى مراحل البناء، ووظائف تشغيل وصيانة وإدارة للمصنع بعد تشغيله، وفرص عمل للمقاولين المحليين، موردى الخدمات، شركات النقل، الخدمات اللوجستية، بجانب خلق أنشطة اقتصادية موازية فى المنطقة المحيطة.
هذا التأثير الإيجابى يعزز الدور الاجتماعى للمشروع، ويسهم فى تمكين الشباب وتطوير المهارات الفنية، خاصة فى قطاع الصناعات الكيماوية الذى يحتاج إلى كوادر بشرية عالية التأهيل.
وهناك عده دلالات اقتصادية واستثمارية مهمة لهذا المشروع حيث يمثل توقيع هذا المشروع عددًا من الرسائل الاقتصادية المهمة وهى أولا: زيادة ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، فإقبال الشركات الصينية العملاقة على ضخ استثمارات بهذا الحجم يدل على استقرار مناخ الاقتصاد، قوة الإطار التشريعى للاستثمار، جاذبية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ثانيا: تزايد الاستثمارات الأجنبية، فالإجراءات التى اتخذتها مصر خلال السنوات الأخيرة لتسهيل تأسيس الشركات وتخصيص الأراضى وتبسيط التراخيص انعكست على جذب استثمارات بهذا الحجم.
ثالثا: نجاح نموذج المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فالمشروع يعد واحدًا من أكبر المشروعات التى تقام داخل المنطقة، مما يعزز مكانتها كمركز عالمى للتصنيع والخدمات اللوجستية.
رابعا: توطين صناعة الأسمدة فى مصر، قطاع الأسمدة أصبح أحد القطاعات الاستراتيجية عالميًا، وأى دولة تنتج الأسمدة الفوسفاتية بكفاءة تحقق قوة تفاوضية فى الأسواق العالمية، قدرة على دعم القطاع الزراعى محليا، مع استقلالية صناعية وتقليل الواردات.
خامسا: تعزيز التحالفات الصناعية المصرية الصينية، فيمثل المشروع نموذجًا للتعاون الصناعى بين مصر والصين، وليس مجرد تعاون تجارى، وهو ما يعكس تطور العلاقات الثنائية إلى شراكات استثمارية مباشرة.
وتزداد أهمية البعد الاستراتيجى لهذا المشروع من خلال: رفع قدرة مصر الإنتاجية فى الصناعات الثقيلة، فالصناعات الكيماوية من أعلى الصناعات قيمة على مستوى العالم، وهى أساس لسلسلة طويلة من الصناعات الأخرى، ودعم خطة الدولة للتحول نحو اقتصاد صناعى لأن مصر تستهدف زيادة مساهمة الصناعة إلى 25 فى المائة من الناتج المحلي، وهذا المشروع خطوة محورية لتحقيق ذلك، مع تعزيز الأمن الغذائى والقدرات الزراعية، فالأسمدة عنصر أساسى لزيادة الإنتاج الزراعي، وبالتالى المشروع يخدم قطاع الزراعة بشكل غير مباشر كما يسهم في جذب المزيد من الاستثمارات.
بهذا المشروع، تثبت مصر مرة أخرى أنها بيئة جاذبة للاستثمارات الكبرى، وأنها ماضية بقوة فى طريق التنمية الصناعية، وتحقيق اقتصاد قوى متنوع قائم على الإنتاج والتصدير، وليس على تصدير الخامات فقط.