تمكنت سلطنةُ عُمان من ترسيخ مكانتها الاقتصادية كمركزٍ إقليمي جاذبٍ للاستثمار، مدفوعةً بإصلاحاتٍ هيكلية وقانونية وحوافز وتسهيلات شاملة واستدامة اقتصادية، أسهمت بشكل كبير في تبسيط استثمارات رأس المال الأجنبي، ما جعلها تحظى بإشادة المستثمرين كمحطةٍ جاذبةٍ للاستثمار الأجنبي طويل الأمد.
ومنذ دخول قانون استثمار رأس المال الأجنبي وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص حيّز التنفيذ في عام 2020م، تؤكد سلطنةُ عُمان بذلك انفتاحها على الأعمال والاستثمار، فيما يدفع التوجهُ الاستراتيجي للتنويع الاقتصادي وفق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" نحو جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بيئة توفر حماية قانونية ضمن إطارٍ استثماري صديق للأعمال.
وفي ذات السياق، أتاح إطلاق منصة "استثمر بسهولة" التابعة لوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار في عام 2016م التي تم دمجها خلال عام 2023م في منصة "عُمان للأعمال" لتكون نافذةً موحدة لكافة الخدمات الحكومية الإلكترونية، وأسهم هذا التحول الرقمي في تبسيط إجراءات تأسيس الأعمال وتحسين الوصول إلى الحوافز مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية وتقليل الوقت المطلوب لإنجاز المعاملات إلى حد كبير.
بينما يشكل حقُّ الانتفاع لمدة 99 عامًا عنصرًا مهمًا لجذب المستثمرين الأجانب، إذ يمنحهم الحق في استخدام العقار واستثماره ووراثته لمدة طويلة، كما يُطبَّق أيضًا في المجمعات السياحية المتكاملة.
وأثبتت سلطنةُ عُمان بأنها وجهةٌ استثمارية جاذبة ومتنامية تجمع بين الموقع الجغرافي الاستراتيجي والإطار القانوني الواضح ورؤية اقتصادية طموحة، ومع استمرار الإصلاحات والانفتاح على الاستثمارات، تبرز كواحدة من أهم الوجهات الإقليمية لإقامة مشروعات طويلة الأمد تتمتع بعائدات كبيرة واستقرار اقتصادي مستدام.
وأكد عددٌ من المستثمرين الأجانب أن قانون الاستثمار الأجنبي وإتاحة التملك الأجنبي بنسبة 100 بالمائة والتحول الرقمي واتجاه سلطنة عُمان نحو الاستفادة من الطاقة المتجددة وحق الانتفاع لمدة 99 عامًا جميعها محفزات أسهمت في تعزيز المناخ الاستثماري.
وفي حين تعد الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات المستقبلية، إذ تستهدف سلطنةُ عُمان توليد نحو 30 بالمائة من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030م.
أكد المستثمرون أن سلطنةَ عُمان تُعد من الأسواق العالمية الواعدة في الطاقة المتجددة بفضل إمكاناتها الكبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب موقعها المثالي لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.
وفي إطار مواصلة الحكومة العُمانية جهودها الكبيرة لجذب الاستثمارات في الهيدروجين الأخضر، نظمت وزارة الطاقة والمعادن برنامجاً تمهيدياً لقمة عُمان للهيدروجين الأخضر 2025 قُبيل انطلاق أعمال القمة في الأول من ديسمبر الجاري، تضمن البرنامج: منتدى عُمان والاتحاد الأوروبي للهيدروجين الأخضر، وملتقى قيادات الطاقة. يهدف البرنامج التمهيدي إلى تعزيز الشراكات الدولية وتنسيق الجهود الوطنية استعدادًا للقمة الرئيسية، وتسليط الضوء على جاهزية سلطنة عمان لقيادة التحول في قطاع الطاقة والهيدروجين.
جاء تنظيم المنتدى ليؤكد مكانة سلطنة عُمان بوصفها شريكًا محوريًا للاتحاد الأوروبي في تطوير اقتصاد الهيدروجين الأخضر وتعزيز سلاسل الإمداد منخفضة الكربون، إذ يمضي تنفيذ 7 مشروعات هيدروجين أخضر في سلطنة عمان وفق الخطط الموضوعة، متجاوزةً التحديات التي يواجهها القطاع عالميًا؛ بما يضع السلطنة في مقدمة الدول المنتجة للوقود الأخضر.
إذ تعمل سلطنة عُمان مع شركائها الأوروبيين والآسيويين على تطوير ممرات تجارة للهيدروجين الأخضر وتوحيد المعايير وشهادات الاعتماد، لأن التحول العالمي للطاقة يحتاج إلى شراكات حقيقية، وسلطنة عُمان جاهزة للقيام بدور محوري في هذا المسار.
ولا شك أن الخطوات التي خطتها سلطنة عمان، وعلى رأسها المرسوم السلطاني رقم 2023/10 الذي خصص أراضي واسعة لمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين، شكّلت منعطفًا مهمًا في تحسين بيئة الاستثمار وتسهيل تطوير المشاريع، فضلاً عن أن الاستراتيجية الوطنية للتحول في قطاع الطاقة ترتكز على خمسة محاور رئيسية تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وكفاءة الطاقة، والتنقل الكهربائي، وتقنيات التقاط الكربون وتخزينه، وهي محاور تدعم توجه سلطنة عمان للوصول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
والمؤكد أن مسيرة بناء المنظومة العُمانية الوطنية للهيدروجين باتت تعتمد على خطوات عملية متقدمة، أبرزها تأسيس شركة "هايدروم" لقيادة تطوير القطاع، وتطوير الأنظمة والتشريعات، وتبسيط مسارات الترخيص، وتنفيذ مختبرات الجاهزية بالتعاون مع شركاء القطاعين الحكومي والخاص، بالإضافة إلى توقيع مذكرات تفاهم مع جامعات محلية ودولية لدعم البحث والابتكار وبناء القدرات.
إن إعلان هدف الحياد الصفري بحلول عام 2050 وتأسيس مركز عُمان للحياد الصفري أسهما في ترسيخ التوجه الوطني، في حين يمثل تدشين أول محطة للهيدروجين الأخضر لوقود المركبات في مسقط خطوة عملية تعكس جاهزية التقنيات وقدرة سلطنة عمان على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
إذ تشهد سلطنة عمان توسعًا متسارعًا في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، في ظل موارد طبيعية استثنائية تعزز موقعها كمركز مثالي لإنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع.
ولعل من أبرز تطورات منظومة مشروعات الهيدروجين الأخضر هو دخول مشروع "أكمي" للهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم حيز التنفيذ.
ويتضمن المشروع 3 مراحل، تستهدف الأولى - قيد الإنشاء حاليًا- إنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء و17 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول عام 2027، كما يجري التجهيز لبدء المرحلة الثانية لتضيف 71 ألف طن من الهيدروجين الأخضر ونحو 400 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنويًا، أما الثالثة فتتوقع إضافة القدرة الإنتاجية نفسها للمرحلة الثانية.
تستند رحلة سلطنة عمان في تطوير اقتصاد الهيدروجين إلى رؤية طويلة المدى تسعى لمعالجة ما يمكن وصفه بـ"معادلة التنافسية الثلاثية"، والمتمثلة في: خفض التكلفة، وضمان التنفيذ، والموقع الإستراتيجي.
وتعمل عمان على تحقيق هذه المعادلة الثلاثية في ظل أفضلية مواردها المتجددة من ناحية التكلفة، والإطار المؤسسي والبنية الأساسية المتكاملة، والموقع الجغرافي الذي يتيح ربط الإنتاج الوطني مباشرة بالأسواق الرئيسة.
أرست سلطنة عمان بيئة استثمارية جاذبة عبر نظام مزايدات تنافسية للأراضي ذات الموارد المتجددة العالية، وهو النظام الذي أسهم في توقيع تسع اتفاقيات تطوير بإنتاج مستهدف يتجاوز مليون طن من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030. كما جرى تعزيز الجولة الثالثة من المزايدات بحوافز تشمل خفض الرسوم، وتقديم مزايا ضريبية، وتسهيلات خلال السنوات الأولى للإنتاج، إضافة إلى العمل على تطوير البنية الأساسية المشتركة لأنابيب الهيدروجين والمياه وشبكات نقل الكهرباء، وتفعيل نقطة الترخيص الموحدة ضمن مبادرة جاهزية المنظومة، وإطلاق منصة رقمية وطنية لمتابعة تنفيذ المشاريع.
ويأتي احتضان عُمان أعمال النسخة الرابعة من "قمة عُمان للهيدروجين الأخضر 2025"، تحت شعار "مسار الهيدروجين: بناء الجسور وتعزيز الإنجاز"، لتسلّط الضوء على التطور الذي يشهده القطاع وانتقال سلطنة عمان من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ.
تأتي القمة التي تنظمها وزارة الطاقة والمعادن بالتعاون مع شركة هيدروجين عُمان "هايدروم"، في إطار الجهود لتهيئة منصة تجمع المسؤولين وصنّاع القرار والخبراء والمستثمرين؛ لمناقشة السياسات والتشريعات والفرص الاستثمارية المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، واستعراض أحدث التقنيات وتوجهات الأسواق الدولية.
وعلى الرغم من التغيّرات المستمرة في أسواق الطاقة العالمية، يبرز التقدم الذي تحققه منظومة الهيدروجين الأخضر في سلطنة عمان دليلًا على التزام واضح يعزّز مكانتها شريكًا موثوقًا به ومنافسًا رئيسًا في اقتصاد الهيدروجين العالمي، فقد عملت عمان خلال الأعوام الماضية على صياغة سياسات واضحة وإرساء أطر تنظيمية وتنفيذية قادرة على مواكبة النمو المتسارع لهذا القطاع، وتماشيًا مع التطورات العالمية في تقنيات الهيدروجين، وتعمل مع شركائها لسدّ الفجوات التقنية والتمويلية وتجاوز التحديات التي قد تعوق هذا التقدم.


