«وقائع تحرش، اعتداءات متكررة، غياب الانضباط، وتراجع فى التأمين»، مظاهر عدة طفت على سطح الأحداث طوال الأيام الماضية، لا سيما بعد الكشف عن تفاصيل وقائع الاعتداء على عدد من التلاميذ داخل إحدى المدارس الدولية، والتى أشعلت موجة غضب واسعة فى الشارع المصرى، لا سيما أن شهادات الأطفال جاءت لتؤكد تعرضهم للاعتداء منذ فترة طويلة، وجاء بيان وزارة التربية والتعليم وما تبعه من إصدار الكتاب الدورى رقم 19 لسنة 2025 ليكشف حجم التحديات الحقيقية داخل المدارس، ويفتح نقاشًا واسعًا حول إجراءات الحماية، وواجبات المؤسسات التعليمية، ودور الأسرة والمجتمع فى بناء بيئة آمنة للأطفال.
وقال الدكتور محمد كمال الجيزاوى، أستاذ مساعد القيم بجامعة القاهرة: الإجراءات التى اتخذها وزير التربية والتعليم جيدة ومطلوبة، لكنها فى الأصل حقوق أساسية كان يجب أن تكون موجودة قبل وقوع هذه الكوارث، وتطبيق هذه القرارات يجب ألا يتحول إلى عبء مالى جديد على أولياء الأمور، محذرًا من لجوء بعض المدارس إلى فرض تبرعات أو زيادة المصروفات لتغطية تكاليف التنفيذ.
«الجيزاوى»، أضاف: هناك سؤال مهم يجب طرحه: لماذا خُصّت المدارس الخاصة والدولية بهذه الإجراءات دون غيرها؟.. مع الأخذ فى الاعتبار أن التعميم على جميع المدارس ضرورة لا تحتمل التأجيل، كما أن التوعية وحدها غير كافية، فالطلاب يحتاجون إلى قنوات تواصل آمنة مع الإدارة والوزارة، وإلى عدد كافٍ من الأخصائيين النفسيين وتفعيل دورهم بجدية، كما أن هذه الخطوات رغم أهميتها تبقى خطوة بداية فقط، وما زلنا بحاجة إلى منظومة حماية شاملة تتجاوز حدود القرارات الورقية.
وأكد الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة أن القرار الذى أصدرته وزارة التربية والتعليم بعد واقعة الاعتداء على تلاميذ المدرسة الدولية؛ وضع إطارًا رقابيًا محكمًا، وإلزام المدارس بتحديث وتعميم كاميرات المراقبة يعد إجراءً محوريًا لردع المتحرشين وكشف الانتهاكات ومنع تكرار المناطق العمياء التى تستغل للاعتداء على الأطفال، ومتابعة الكاميرات بشكل لحظى تصنع رقابة آنية تسمح بالتدخل الفورى عند حدوث أى واقعة.
«حجازى»، أشار إلى أن «فلترة العاملين عبر تحليل المخدرات وصحيفة الحالة الجنائية واعتماد العقود، طبقة حماية قانونية ضرورية لمنع دخول عناصر خطرة إلى البيئة المدرسية، كما تعزز التوعية الوقائية للطلاب وأولياء الأمور والعاملين خطوة تربوية مهمة، فضلا عن أن تقليل الاحتكاك غير المبرر بالطلاب عبر تنظيم وجود العمال والأمن والمشرفات فى الأوتوبيسات ودورات المياه يقلل فرص الاستغلال، غير أن القرار رغم إيجابياته الكبيرة، يبقى قاصرًا ما دام لا يشمل المدارس الحكومية التى تضم الكتلة الأكبر من الطلاب.
فى حين قال الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوى: أحسنت وزارة التربية والتعليم بوضع آليات صارمة وعلمية لحماية الطلاب طوال اليوم الدراسى، والمدرسة يجب أن تكون خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه لغير العاملين المعتمدين، كما أن نشر الوعى بالسلامة الجسدية خطوة إيجابية، لكن المنظومة الحقيقية للوعى تبدأ من البيت قبل المدرسة.
«شحاتة»، شدد على أن البيت هو المصدر الأساسى للحضن الاجتماعى والدفء الأسرى، ومنه يكتسب الأطفال الدين السليم والعادات والتقاليد ومهارات التمييز بين المقبول والمرفوض، مؤكدًا ضرورة استخدام الأسرة لاستراتيجيات التربية الحديثة مثل الحكاية، والحوار، والمراقبة، والتوعية بالصور، ومشاركة الأبناء فى متابعة محتوى التواصل الاجتماعى، ومشيرًا إلى أن حماية الطفل مسئولية مشتركة بين البيت والمدرسة ودور العبادة والنوادى ومراكز الشباب.
كما أوضح أن «هذه الإجراءات تأتى فى لحظة فارقة، تعكس إدراك الدولة لخطورة ما يتعرض له بعض الطلاب داخل المدارس. ورغم أن القرارات الأخيرة تمثل نقلة مهمة فى تعزيز الرقابة ومنع الانتهاكات، فإن حماية الأطفال تتطلب تكاملًا بين التشريع والتطبيق، وبين الأسرة والمدرسة، لمواجهة هذا الخطر الذى لا يحتمل التأجيل. فسلامة الأطفال ليست خيارًا، بل واجب وطنى وأخلاقي».