يمثل مشروع محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء علامة فارقة فى مسار التنمية المصرية. فهو لم يعد مجرد مشروع طاقة، بل أصبح قاطرة استراتيجية تجرّ الصناعة الوطنية، ورافعة كبرى لتحقيق رؤية مصر 2030 وتعزيز الأمن القومى للطاقة.. وقد أعاد الرئيس عبدالفتاح السيسى إطلاق البرنامج النووى المصرى عام 2014، ليبدأ فصلًا جديدًا من امتلاك مصر قدرات نووية متكاملة، تؤكد قوة الدولة وعمق تخطيطها لمستقبل مستدام ومتوازن.
يحمل يوم 19 نوفمبر دلالة وطنية واستراتيجية كبيرة، فهو اليوم الذى اعتمدته الدولة المصرية عيدًا سنويًّا للطاقة النووية، وكان لى شرف أن أكون صاحب فكرة هذا العيد، ومُقترح موعده، وصاحب المبادرة لإطلاق نسخه الأولى، حتى أصبح فعالية وطنية تُقام تحت رعاية رئيس الجمهورية، وبحضور رئيس مجلس الوزراء، وعدد من الوزراء والمسئولين والخبراء.
وجاء اختيار هذا التاريخ تحديدًا؛ لأنه يوافق توقيع ثلاث اتفاقيات محورية بين مصر وروسيا الاتحادية عام 2015، والتى شكّلت نقطة الانطلاق الفعلية لتنفيذ مشروع الضبعة النووى، وهى: الاتفاقية الإطارية الفنية (IGA) التى أرست الأساس الفنى للمشروع، الاتفاقية التمويلية (CIGA) التى وفرت الهيكل المالى والتمويلى، والاتفاقية الرقابية التى نظّمت التعاون بين الهيئات الرقابية فى البلدين.. ومن ثمّ، فإن اعتماد هذا اليوم عيدًا رسميًا للطاقة النووية يرسخ التزام مصر بخطها النووى السلمى، ويجسد إرادتها فى امتلاك قدرات نووية متقدمة، ويعطى رسالة واضحة أن مصر تدخل عصر الطاقة الخضراء بثقة ورؤية وقيادة قوية.
وشهد عام 2025 حدثًا مفصليًّا تمثل فى تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى، وهو إنجاز يمثل الانتقال رسميًّا من مرحلة الأعمال المدنية إلى مرحلة تركيب المكونات النووية الرئيسية، ويُعد من أهم مؤشرات تقدم أى مشروع نووى فى العالم، كما يعكس قدرة الكوادر المصرية على الإشراف المباشر على أعمال التركيب، وفق أعلى المعايير الفنية العالمية.
الأمان والكفاءة الفائقة – تكنولوجيا الجيل الثالث المطوّر
جاء اختيار التعاون مع روسيا نتيجة تقييم شامل للعوامل الفنية والاستراتيجية والاقتصادية، إضافة إلى العلاقات التاريخية الممتدة منذ بناء السد العالى، ووصولًا إلى مفاعل أنشاص البحثى عام 1961.
وتعتمد محطة الضبعة على مفاعلات VVER-1200 من الجيل الثالث المطوّر (+Gen III)، وهى أحدث تكنولوجيا متاحة للتصدير عالميًا، وتتميز بأعلى درجات الأمان والاعتمادية.
تتمتع المفاعلات بمنظومات أمان متعددة، تشمل: نظم أمان نشطة وسلبية، تعمل تلقائيًا دون تدخل بشرى حتى فى حالة فقد التغذية الكهربائية، وفلسفة الدفاع من العمق التى توفر عدة حواجز متتالية تحول دون خروج المواد المشعة إلى البيئة. ومصيدة قلب المفاعل (Core Catcher) ميزة تصميمية فريدة لاحتواء المواد عالية الإشعاع فى حال حدوث حادث جسيم، رغم أن احتمالية الانصهار شبه منعدمة.
كما تتميز المفاعلات بقدرتها على تحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة حتى 400 طن بسرعة 150 م/ث، وموجات تسونامى حتى 14 مترًا، والزلازل حتى 0.3 والأعاصير حتى 310 كم/ساعة.. أما العمر التشغيلى، فيصل إلى 60 عامًا قابلة للتمديد إلى 100 عام، وبمعامل سعة يتجاوز 90 فى المائة، ما يجعلها أحد أفضل المفاعلات أداءً على مستوى العالم.
الطاقة المستدامة وأمن الشبكة القومية
ويمثل إدخال الطاقة النووية فى منظومة الكهرباء المصرية خطوة جوهرية نحو التحول إلى اقتصاد أخضر منخفض الانبعاثات.. ويحقق المشروع النووى ثلاثة أهداف رئيسية لأمن الطاقة، أولها: تنويع مزيج إنتاج الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، وثانيها: توفير طاقة مستقرة على مدار الساعة دون تأثر بالظروف الجوية، وثالثها: خفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون تماشيًا مع التزامات مصر الدولية واتفاق باريس للمناخ.
وتبلغ القدرة الإجمالية للمحطة 4800 ميجاوات بطاقة سنوية تتجاوز 35 مليار كيلووات ساعة، ما يجعلها داعمًا أساسيًا لاستقرار الشبكة القومية، خصوصًا مع التوسع الكبير فى طاقة الرياح والشمس التى تتأثر بطبيعتها بالتقلبات الجوية.. فالطاقة النووية هى العمود الفقرى للأحمال الأساسية، وتُمثل حجر الأساس لتحقيق مزيج طاقة خضراء متوازن، لأن «الطاقة الخضراء ليست لونًا واحدًا، بل مزيج من سطوع الشمس، وعنفوان الرياح، وقوة الذرة».
أما بالنسبة للوفر الاقتصادى، فتوفر المحطة سنويًا 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعى على الأقل، يمكن استخدامها فى التصدير لزيادة العائدات وتخصيصها للصناعة والبتروكيماويات والأسمدة.
قاطرة للتنمية الصناعية وتأهيل الكوادر الوطنية
المشروع النووى ليس مشروعًا هندسيًّا فقط، بل مشروع دولة يعيد تشكيل مستوى الصناعة المحلية، حيث يستهدف توطين التكنولوجيا النووية.. فوفقًا للعقود الموقّعة، لا تقل نسبة المشاركة المحلية فى الوحدة الأولى عن 20 فى المائة، وترتفع تدريجيًا لتصل إلى 35 فى المائة فى الوحدة الرابعة، كما يسهم المشروع فى دعم صناعات: الحديد والصلب، الأسمنت، الكابلات، الأجهزة الكهربائية، والأنظمة الميكانيكية، مع نقل معايير الجودة النووية التى سترفع جودة الصناعة المصرية بشكل عام، ويشارك القطاع الخاص المصرى بقوة عبر عشرات الشركات التى حصلت على عقود مباشرة مع الجانب الروسى فى تنفيذ المشروع النووى.
وفيما يخصّ تأهيل الكوادر البشرية، يوفر المشروع أكثر من 4000 فرصة عمل مباشرة، وما يصل إلى 40 ألف فرصة غير مباشرة، بجانب برامج تدريب متقدمة تنفذ بالتعاون مع روسيا والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتمكين المرأة فى قطاع علمى وتكنولوجى متقدم، ودعم نشر الثقافة النووية من خلال مدرسة التكنولوجيا النووية بالضبعة.
البعد البيئى والمكانة الدولية
يمثل مشروع الضبعة ركيزة أساسية فى استراتيجية مصر للتحول الأخضر، فبالنسبة للأثر البيئى، تُسهم المحطة فى تجنب انبعاث 14 مليون طن من ثانى أكسيد الكربون سنويًا، بما يعادل زراعة أكثر من 600 مليون شجرة، أو إيقاف 3 ملايين سيارة عن العمل لمدة عام.. وتعد الطاقة النووية من أنظف مصادر الطاقة على الإطلاق؛ إذ يبلغ معدل انبعاثها من ثانى أكسيد الكربون 12 جرام/ك.و.س فقط، وهو مستوى لا يُنافسه إلا طاقة الرياح.
ويسهم المشروع فى تعزيز مكانة مصر كدولة رائدة فى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بجانب القدرة المستقبلية على تصدير الخبرات والخدمات النووية، وقوة مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة مشروعات عملاقة معقدة، فالضبعة ليست مجرد محطة توليد، بل منصة لبناء قاعدة تكنولوجية وصناعية ومعرفية مصرية.
ويمثل مشروع الضبعة النووى تتويجًا لمسيرة طويلة بدأت فى الخمسينيات، وتحققت إرادتها بإعادة إطلاق البرنامج النووى عام 2014، واليوم يسير المشروع وفق الجدول الزمنى المتفق عليه بين مصر وروسيا، محققًا إنجازات متتالية.
