تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى بمحطة الضبعة النووية وإطلاق إشارة البدء؛ إشارة لاكتمال مشروع الضبعة النووية وسيرها نحو خطواته لبدء التشغيل فى 2028، المشروع الذى يتم تمويله من خلال قرض روسى مُيسّر، يتم سداده من عوائد بيع الكهرباء بعد التشغيل التجارى للوحدات.
عندما تطأ قدمك محطة الضبعة لا يلفت انتباهك سوى جيل من الشباب، من مهندسين وفنيين وإداريين وعمال، فى موقع المحطة النووية بالضبعة المترامى الأطراف على ساحل البحر الأبيض المتوسط.. موقع الضبعة أشبه بخلية نحل، كل طرف ينفذ المهام المطلوبة بهدوء ودقة وإتقان، ليبقى موقع الضبعة وسط الصحراء بإنشاءاته كالنجم الذى يتلألأ وسط الصحراء.
فور دخول المحطة، ستقابلك المبانى الإدارية لتتجه بعدها لمبانى المفاعلات الأربعة، ومن نقطة مشاهدة مرتفعة يمكنك أن تلقى نظرة ثاقبة على حجم الأعمال التى تستمر ليلًا ونهارًا فى موقع الضبعة، فالعمل يستمر على قدم وساق، ما بين إنشاءات وتركيبات وتقنيات وتجهيزات، فبينما يتم العمل فى الوحدات الأربع بالتوازى بدءًا من المفاعل الأول والثانى والثالث والرابع على قدم وساق، لاستكمال واحد تلو الآخر، تجد أعمال حفر قنوات التبريد المجاورة لها، وعلى الجانب الآخر تجد ميناء الضبعة التخصصى الذى أُنشئ خاصة لاستقبال المعدات الثقيلة للمشروع ثم استقبال الوقود النووى، وبعدها تجد مدينة نواة وهى المدينة المجهزة بنادٍ وكل ما يلزم من مستلزمات معيشة لكل من الفرق المصرية والروسية العاملة فى الموقع.
«الدقة والانتظام والعمل المستمر» أبرز ما يمكن أن تلاحظه، فالجميع يرتدى ملابس الإنشاءات وللحفاظ على حماية وسلامة العمال، على مدار الإنشاءات المتعددة فى الضبعة تجد العمال يتناوبون فى دوريات، كل فريق يسلم الآخر، فما يرتفع الونش العملاق وآلات الرفع فى السماء لتعمل فى استكمال الوحدات الأربع.
وفى جولة فى موقع المحطة النووية بالضبعة، يقول المختصون إن «محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء هى المشروع النووى الأكبر فى العالم لإنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة النووية»، وذلك قبل توضيح أن «المشروع أحد أهم المشروعات الوطنية الضخمة فى مصر بشهادة رافائيل جروسى رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذى أشاد بالجهود المصرية فى تنفيذ المشروع وجهود كل من الفريقين المصرى والروسى حتى تكتمل المحطة النووية المصرية، فالضبعة النووية هى أحد الاستثمارات المصرية فى قطاع الطاقة التى تمثل نقطة تحول لمصر والعالم أجمع».
بدأ المشروع من 1955، وعلى مدار 70 عامًا لم يكتمل إلا بإصرار القيادة السياسية على إحياء المشروع ودخول العقود حيز النفاذ فى نهاية 2017 لنصل إلى مرحلة تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى وتوقيع مرسوم أمر شراء وتوريد الوقود النووى الخاص بالوحدة النووية الأولى اللذين يعدان تطورا محوريا فى تنفيذ أول محطة للطاقة النووية فى مصر فى 2025.
بين جنبات الموقع «العمل مستمر لا يتوقف»، فرغم احتفالية تركيب هيكل وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس فلاديمير بوتين، لكن استمرت الأيادى المصرية فى العمل، فلا مجال للتوقف حتى يتم دخول الوحدة الأولى فى 2028.
«تدريب العاملين فى المحطة أمر مؤكد ومستمر» فتم تدريب كافة العاملين من مهندسين وفنيين على أعلى مستوى سواء كان نظريًا أو عمليًا، وهناك العديد من المهندسين حصلوا على دورات تدريبية فى روسيا، ويتم حاليا إنشاء المركز التدريبى فى موقع المحطة النووية بالضبعة ملحق مماثل كامل لغرفة التحكم الرئيسية لضمان التدريب المستمر لفرق التشغيل والصيانة، فمبنى التدريب مماثل لغرفة المحطة، بما يضع المهندس فى تجربة مماثلة لما سيطبق على أرض الواقع عند تشغيل الوحدات النووية، فالشباب المصرى واعد واستطاع استيعاب التكنولوجيا وهضمها بشكل كبير.
الإنجاز الذى تحققه مصر فى مجال الطاقة النووية يتبعه توجه عالمى للعودة للطاقة النووية كحل مضمون ومأمون للحياد الكربونى ومواجهة التحديات المناخية، فلن يتحقق الحياد دون استخدام الطاقة النووية.
بفخر.. يمكنك مشاهدة الوحدات النووية الأربع تحوطها الأوناش العملاقة القادرة على حمل آلاف الأطنان التى تصل إلى 2000 طن، تظهر فى وسط هذه المبانى المميزة للمفاعل وهى عبارة عن المبانى الأسطوانية، حيث إن مبنى المفاعل لكل وحدة عبارة عن مبنى أسطوانى ضخم مزدوج الجدران، وقد تم فى مبنى المفاعل للوحدة النووية الأولى تركيب وعاء ضغط المفاعل بنجاح.
وقد أوضح المختصون من هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء تفاصيل موقع الضبعة النووى، مؤكدين أن «مشروع محطة الضبعة النووى بوحداته الأربع يمثل أول محطة نووية على أرض مصر، مكون من 4 وحدات كل منها تنتج قدرات كهربائية تقدر بـ1200 ميجاوات بإجمالى 4800 ميجاوات للأربع وحدات».
كما أوضح المختصون أيضا أن «مبنى وعاء الاحتواء الداخلى مكون من 12 شريحة يتكون منها، يتراوح وزن كل منها ما بين 60 إلى 80 طنا، ويتمثل فى هيكل أسطوانى من الخرسانة المسلحة ذات قبة نصف كروية، يضم بداخله المفاعل النووى ومعدات الدائرة الأولية للمحطة النووية».
«أعلى معدلات الأمان»، وصف جاء على لسان المختصين عندما وصل بنا قطار الحديث إلى محطة «تكنولوجيا بناء المفاعلات الأربعة»، قائلين: «يلعب وعاء الاحتواء دورا محوريا فى منع تسرب أى من المواد المشعة إلى البيئة المحيطة، المفاعلات الأربعة مزودة بمفاعلات الماء المضغوط من الطراز الروسى VVER-1200 من الجيل الثالث المُطور، التى تعد أحدث التقنيات فى مجال الأمان والأمن النووى».
وعن «اختبارات التشغيل»، قال المختصون: سيتم اختبارات التشغيل فى النصف الثانى من 2027 على أن يتم التشغيل التجارى مع النصف الثانى من 2028، على أن يبدأ بعدها بالتناوب الانتهاء من الوحدات النووية الثلاث المتبقية، مع الأخذ فى الاعتبار أن تشغيل المحطة سيتم بأيادٍ مصرية بنسبة 100 فى المائة، وأن دور الجانب الروسى سيتوقف على دعم عمليات التشغيل والصيانة وتوريد الوقود النووى.
أما فيما يتعلق بـ«تدريب العمالة المصرية»، فأوضح المختصون أنه «افتتح مركز تدريب وتأهيل العمالة المصرية فى موقع الضبعة لتدريب وفرز كافة العمالة على جميع الأعمال التخصصية».
وفى جولة بموقع الضبعة، تحدث المختصون فى محطة الضبعة النووية عن أعمال الإنشاءات والتركيبات، سواء فى أبراج نقل الكهرباء للربط على الشبكة المصرية، وقنوات التبريد وإنشائها وتصريف المياه بها، والتى يتم العمل عليها بالتوازى مع إنشاءات الوحدات النووية الأربع.
ووصف المختصون الشركات المصرية المشاركة فى المشروع بأنها «شركاء النجاح»؛ إذ ترتقى هذه الشركات إلى المواصفات العالمية –مثل الشركات الرائدة فى قطاع الإنشاءات والهندسة– مقدمة رؤية متجددة للقدرة المصرية، ويشارك فى تنفيذ الأعمال ما يزيد على 26 ألف عامل مصرى، مشكّلين نسبة 80 فى المائة من إجمالى العمالة فى المشروع. وبجودة وكفاءة هذه العمالة، التى أظهرت التزامًا وإصرارًا وجهدًا متميزًا، حيث يعمل الجميع دون كلل لإنهاء المهام المطلوبة على أكمل وجه، ما يرسخ حقيقة العامل المصرى الجاد والملتزم من خلال مشروع الضبعة.
كما أفاد المختصون بموقع المحطة النووية باستمرار العمل فى مهام استكمال البناء فى الوحدات النووية الأربع. وشملت الأعمال إنجاز نسبة 75 فى المائة من حفر قنوات التبريد، بالإضافة إلى الانتهاء من قواعد إنشاءات وتركيبات مضخات التوربينات والبنية التحتية اللازمة لها، وشبكة الطرق الداخلية، مؤكدين أن «الإنشاءات تضمنت استكمال قاعدة الإنشاءات والتركيبات بالموقع والتى تحتوى على ما يقرب من 205 منشآت، وتُعد قاعدة الإنشاءات هى الركيزة الأساسية للأعمال، وتضم ورش التصنيع، وأماكن تخزين المعدات، بالإضافة إلى مركز تدريب وتأهيل العمالة الذى تم افتتاحه فى 8 يوليو 2025».
كذلك، أوضح المهندسون المشرفون أن «الموقع يضم مجمعًا متكاملًا لإنتاج الخرسانة، بطاقة إنتاجية تصل إلى أكثر من 10 آلاف متر مكعب يوميًا، وتُورد المواد الخام اللازمة لذلك من موردين محليين. ويُضاف إلى ذلك ورش التجميع وتصنيع مبنى الوعاء الداخلى لوعاء المفاعل، التى تُعتبر خطوط الدفاع الرئيسية لأمان المحطة».
وبالنسبة لميناء الضبعة التخصصى لاستقبال معدات المشروع الذى شهد استقبال المعدات الأضخم للمفاعل المصرى وسيتم عبره نقل الوقود النووى، أشار المختصون إلى أن «محطة الضبعة مشروع مصرى متكامل الجوانب، ليس مجرد محطة نووية، ولكن كما شهدنا فهو مركز للتدريب ونقل التكنولوجيا مصانع لإنتاج الخرسانة، وميناء بحرى خاص لاستقبال المعدات الثقيلة والكبيرة للمحطة عبر الشحن البحرى».
وتابعوا أن «ميناء الضبعة مخصص لخدمة مشروع المحطة النووية بالضبعة وليس النقل التجارى، لاستقبال المعدات النووية والوقود النووى وقطع الغيار اللازمة لأعمال الصيانات خلال مرحلة التشغيل والصيانة، وقد استقبل ميناء الضبعة أول معدة نووية ثقيلة، وهى مصيدة قلب المفاعل للوحدة النووية الأولى فى مارس 2023»، موضحين أن «الميناء استقبل حتى الآن 17 سفينة ضمت قطعًا ومعدات ثقيلة، وبعدها سيستقبل شحنات الوقود وقطع الغيار على مدار 60 سنة العمر التشغيلى للمحطة، والتى من الممكن أن تمتد لتصل إلى 100 سنة».
على طول مسار الجولة، دائما سيلازمك شعور بالفخر بما تم تحقيقه من مشروع الضبعة على أرض الواقع، فمع انتهاء الجولة تبدأ الشمس فى المغيب غير أن الظلام لا يفرض سطوته على المكان، حيث تتلألأ صحراء الضبعة بأنوار أول محطة نووية، وتنتهى جولتك بمحطة، كشفت عن إصرار وعزيمة قيادة سياسية وجهد وإخلاص المصريين.
«نواة».. أنهت الجولة فى مدينة نواة المدينة التى أُسست لاستقبال فرق العمل المصرية والروسية مزودة بكافة متطلبات الحياة بجانب نادٍ ليضمن توفير كافة سبل المعيشة للفريقين المصرى والروسى.
الجدير بالذكر أن البداية الحقيقية لمشروع الضبعة كانت فى 19 نوفمبر 2015 الحقيقية، حينما تم توقيع الاتفاقية الإطارية الحكومية IGA بين الجانب المصرى والجانب الروسى لإنشاء محطة الضبعة النووية، هذه الاتفاقية التى فتحت الباب لتنفيذ المشروع برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس فلاديمير بوتين، ليتم بعدها توقيع العقود الأربعة، وإطلاق إشارة بدء تفعيل وتنفيذ عقود محطة الضبعة النووية فى 11 ديسمبر 2017.
العقود الأربعة شملت العقد الرئيسى للهندسة والتصميم والإنشاء (EPC Contract)، وعقد توريد الوقود النووى (NFS Contract)، وعقد التعامل مع الوقود النووى المستنفذ (SNFT Contract)، وعقد دعم التشغيل والصيانة (OSM Contract).
بعد 8 سنوات، وتحديدًا فى 19 نوفمبر 2025، وتزامنًا مع العيد السنوى الخامس للطاقة النووية، دخل المشروع النووى المصرى بمحطة الضبعة خطواته الحثيثة نحو الاكتمال، فتم تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى بمحطة الضبعة النووية، كما توقيع أمر شراء وتوريد الوقود النووى الخاص بالوحدة النووية الأولى.
ويعد تركيب وعاء ضغط المفاعل وتوقيع أمر شراء وتوريد الوقود النووى الخاص بالوحدة النووية الأولى تطورا محوريا فى تنفيذ أول محطة للطاقة النووية فى مصر فى 2025، فمشروع الضبعة شمل ثلاث مراحل للإنشاء، المرحلة الأولى التحضيرية، فالمشروعات النووية لها طبيعة خاصة، حيث يتم تنفيذ المشروع من خلال ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى هى المرحلة التحضيرية لما قبل الإنشاء ومدتها من عامين ونصف العام حتى أربع سنوات، وتشتمل على الأنشطة والأعمال الخاصة بالتصميم واستصدار الأذون والتراخيص واستكمال مرافق البنية التحتية وأعمال المسح الهندسى، وعمل بصمة كاملة للموقع وصور لقاع البحر وقياس الزلازل وإعداد التجهيزات اللازمة للبدء فى إنشاء المحطة.
المرحلة الثانية: هى المرحلة التى يمر بها المشروع حاليًا وهى مرحلة الإنشاءات ومدتها خمسة أعوام ونصف العام، وتبدأ بعد الحصول على إذن الإنشاء للوحدات النووية وتشمل جميع الأعمال الخاصة بالإنشاءات والتركيبات والتدريب والتجهيز لبدء اختبارات التشغيل.
أما المرحلة الثالثة فهى مرحلة الاختبارات، وتبدأ بعد الحصول على إذن إجراء اختبارات ما قبل التشغيل وحتى التسليم الابتدائى للوحدة والحصول على ترخيص تشغيل المحطة، ومدتها عام تقريبا.
وفى الوقت الذى تتابع خطوات التنفيذ فى مشروع محطة الضبعة النووية تحقيقًا للحُلم النووى المصرى، تعود الطاقة النووية كركيزة أساسية للحياد الكربونى، وفقًا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة 2025، حتى إنها وصفته بأنه «عصر نووى ثانٍ بعد سنوات التراجع والتردد».
ارتفعت الاستثمارات العالمية فى الطاقة النووية إلى 100 مليار دولار سنويًا، ليصل لأعلى مستوى بناء فى المفاعلات النووية منذ 30 عامًا، فبلغ عدد المفاعلات قيد التطوير 120 مفاعلا فى 2025، ومشروع الضبعة النووى المصرى ضمن 40 دولة تعمل فى مشاريع نووية جديدة، فتسعى الاقتصادات المتقدمة والناشئة إلى استخدام الطاقة النووية لتعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات.
استهداف توليد الكهرباء من محطة الضبعة النووية أمر ركزت عليه الدولة المصرية، قبل أن يُعاد التفاف العالم حوله مرة ثانية، فتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية كشف عن أن هناك 9 فى المائة ارتفاعًا فى مساهمة الطاقة النووية من توليد الكهرباء على مستوى العالم لتسهم الطاقة النووية بخفض 1.5 جيجا طن من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، ليعلن العالم بأجمعه أن العودة للطاقة النووية ليست خيارًا بل ضرورة لتأمين طاقة مستقرة ونظيفة.