«ضربة موجعة لجسد الجماعة الإرهابية».. من هنا يمكن المضىّ قدمًا وتقديم قراءة تحليلية لإعلان الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بدء اتخاذ الإجراءات اللازمة لضم جماعة الإخوان إلى قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»؛ حيث أصدر أمرًا تنفيذيًا يكلف إدارته بمراجعة فروع الجماعة فى لبنان ومصر والأردن لتصنيفها كمنظمات إرهابية، ويشمل أدوار الإخوان العابرة للحدود التى تنشر الإرهاب والمُزعزعة للاستقرار.
تداعيات التصنيف الأمريكى قطعًا ستكون قاسية على التنظيم الإخوانى؛ حيث يعنى ذلك أنه سيتم تجميد فورى لجميع الأموال والممتلكات التى تملكها الجماعة أو تسيطر عليها داخل الولايات المتحدة، واعتبار أى دعم مادى أو لوجيستى جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن 20 عامًا أو المؤبد إذا أدى الدعم إلى وفيات.
بمجرد إعلان «ترامب» عن القرار، فإن أصداءه ظهرت على تحركات كوادر وأعضاء التنظيم؛ حيث تشير المعطيات إلى أصوات معارِضة داخل الإخوان -جبهة تركيا- مع اتساع دائرة الضغوط ومحاصرة التنظيم فى الدول العربية والغربية، فى ظل تحركات أيضًا من فرنسا والنمسا وهولندا؛ لتجفيف منابع تمويل الإخوان فى أوروبا، ووجّه عدد من كوادر الإخوان انتقادات شديدة اللهجة، وألقوا اللوم على قياداتهم بأن الخطأ الذى ارتكبه الإخوان هو اتباع خط المواجهة فى بريطانيا وأوروبا وأمريكا، متهمين قياداتهم بأنهم لم يتجاوبوا مع المتغيرات، وبقيت الإدارة الإخوانية أكثر جمودًا وتكرارًا لنفس الأدوات القديمة، وأن قياداتهم عجزت عن تقديم خطاب مهذب سياسيًا قابل للهندسة الدولية ومخاطبة الغرب.
المثير هنا، أن الخلاف «الإخوانى - الإخواني» خرج إلى العلن عبر التنابذ والتخوين فى منصات التواصل الاجتماعى، بل وصل الأمر إلى مطالبتهم لقياداتهم بأن «أدواتهم القديمة شاخت وآن الأوان لبعث جديد».
وحول تداعيات القرار وأهميته وتأثيره على التظيم الإرهابى جغرافيًا وماليًا وحركة التمويل.. من واشنطن أكد الدكتور عاطف عبد الجواد، المحلل السياسى، أن «لهذا الإجراء أهمية قصوى لسببين، الأول هو فشل الكونجرس فى الماضى فى تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية بسبب عدم كفاية الأصوات، والسبب الثانى أن الإجراء يغلق الأسواق الأمريكية أمام أنشطة جمع المال والترويج والتحايل تحت مسميات عديدة، بدعوى حرية الحديث فى الولايات المتحدة، وسيكون أمام الكونجرس سبعة أيام فقط من القرار الرئاسى للاعتراض عليه، لكن القرار يركز على أفرع الإخوان فى مصر ولبنان والأردن، بينما نحن نعلم أن الإخوان يتواجدون فى العديد من دول العالم الأخرى».
«عبد الجواد»، أجاب عن سؤال إن كان القرار يشمل فروعًا أخرى للإخوان بالإضافة لما تم الإعلان عنها، قائلًا: لا بد لمحاربة الجماعة من تعميم الإجراء الأمريكى ليشمل بقية دول العالم، لأن الجماعة تغلغلت دوليا ويجب محاربتها دوليًا وليس فى حفنة دول فقط، وربما يتمكن وزير الخارجية ماركو روبيو خلال مهلة الثلاثين يومًا الممنوحة له من توسيع التصنيف إلى ما هو أبعد من مصر ولبنان والأردن، لأن الجماعة يمتد وجودها من الصومال إلى إندونيسيا ومن أوروبا إلى ماليزيا، لكن الإجراء الأمريكى قد يكون الخطوة الأولى نحو محاصرة الجماعة ليس فقط فى الشرق الأوسط بل أيضًا فى بقية أنحاء العالم.
وأضاف: الأرجح أن تتخذ دول عديدة إجراءً مماثلًا للقرار الأمريكى، وفضلًا عن ذلك فإن القرار الأمريكى حتى لو كان منفردًا من شأنه تضييق الخناق على الجماعة مالياً وفكرياً، والرئيس الأمريكى وجَّه وزير خارجيته فى غضون ثلاثين يومًا بإضافة أفرع للجماعة فى دول أخرى، وأمام «ترامب» فترة 45 يومًا للإعلان نهائيًا عن قرار فى صورة أخيرة، ولعل دولًا أخرى سوف تنهج النهج نفسه، كما أنها قد تطرح على وزير الخارجية الأمريكى ما لديها من أدلة لتوسيع القرار الأمريكى إلى خارج نطاق منطقة الشرق الأوسط.
وعن مسار التمويل وتداعيات القرار الأمريكى على العصب المالى للتنظيم أكد «عبدالجواد»، أنه «رغم أن الجماعة من أكثر الجماعات ثراء فى العالم، وتمتد من سويسرا إلى فنزويلا بسبب هذا الثراء، فإن إغلاق التمويل فى الولايات المتحدة وفرض عقوبات أمريكية على منْ يموِّل الجماعة فى العالم سوف يقلص مواردها المالية، لكنى أحذر من أن الجماعة تستخدم سبلًا خارج إطار البنوك لتحويل الأموال، وهذا الأسلوب يعتمد على تبرعات نقدية من أثرياء يحملها أفراد من دولة إلى أخرى ولو مبالغ صغيرة بصورة متكررة وعن طريق أناس متمرسين على تهريب الأموال، كما حدث من قبل من جانب جماعة القاعدة قبل انقضاض الولايات المتحدة عليها فى أفغانستان.
بدوره، أوضح هشام النجار، الباحث فى شئون الإسلام السياسى والإرهاب، أن «توجه الإدارة الأمريكية لدراسة تصنيف فروع الإخوان كتنظيم إرهابى يمثل خطوة مهمة؛ لأنه يضيِّق هامش الحركة على شبكة التنظيم العابرة للحدود، ويحد من قدرته على جمع التمويل وتجنيد العناصر تحت غطاء العمل السياسى، كما يوجه هذا الإجراء رسالة دولية واضحة بأن الأنشطة التى توظف العنف أو التحريض لن تُعامل كجزء من المشهد السياسى الطبيعى، ما يعزز الجهود الإقليمية فى مكافحة التطرف وقطع المسارات التى يستغلها التنظيم للتمدد».
وحول تداعيات القرار على التنظيم الإخوانى، أكد «النجار»، أنه من شأنه إحداث إرباك وارتباك داخل الجماعة الإرهابية، حيث يكشفها دوليًا ويعرى شبكاتها الإعلامية والمالية التى كانت تعمل تحت الغطاء السياسي.
ولفت إلى نقطة هامة وهى أن القرار الأمريكى سينتج عنه وقف استخدام الجماعة الملف الحقوقى غطاء لحركتها، حيث إن النتيجة المباشرة هى أن الجماعة باتت محاصرة سياسيًا ومكشوفة أمنيًا، وفاقدة لجزء كبير من قدرتها على المناورة أو التأثير فى المشهد الإقليمي.
وحول حجم تأثير القرار الأمريكى على التنظيم وتوقعات البعض بأن يكون نهاية للإخوان، قال «النجار»: الإجراء ليس نهاية لجماعة الإخوان، لكنه يعد أكبر خطوة تقرب الجماعة من نقطة اللاعودة، فهو يضرب فى بنيتها وشرعيتها وقدرتها على التجدد، ويفتح زمنًا جديدًا قد تتآكل فيه الجماعة الأم إلى كيانات صغيرة عاجزة وبلا مشروع ولا تأثير، هذا فضلًا عن أن هذا الإجراء بحسب حجمه وطبيعته لا يصيب نشاط الجماعة فقط، بل يضرب المركز العصبى الذى تعتمد عليه فى التمويل والتجنيد وتدوير الخطاب وإدارة شبكات النفوذ، وحين تتلقى جماعة هرمية مثل الإخوان ضربة فى مركزها فإنها لا تتعافى سريعًا؛ لأن ذراعها التنظيمية مبنية على السرية لا على القابلية للتكيف، فالقرار لا يقيد الحركة فقط بل يضرب شريان الحياة للتنظيم؛ إذ يتحول المال من وسيلة للبقاء إلى نقطة الانكشاف الكبرى التى تسرّع تفكك البنية التنظيمية نفسها.