شهد العالم في الأونة الأخيرة تحوُّلًا عميقًا في مفهوم الطَّاقة ودَوْرها في تشكيل الاقتصاد العالمي، حيثُ أصبحتْ عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن الاقتصادي والاستقرار الاستراتيجي للدول؛ فالتقلُّبات المتكررة في أسواق النفط والغاز بسبب الحروب والنزاعات الدولية ـ إلى جانب الضغوط المتزايدة للحدِّ من الانبعاثات الكربونيَّة ـ دفعتِ العديد من الدول إلى إعادة النظر في منظوماتها الطاقيَّة، والبحث عن مصادر أكثر استدامةً وأقلّ عرضة للتقلُّبات الجيوسياسيَّة .
ومن هذا المُنطلَق ظهرتِ الطَّاقة المُتجدِّدة، وفي مقدِّمتها الطَّاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح، كأحَد أهمِّ أعمدة التحوُّل الاقتصادي العالمي، بعد أنْ أثبتتِ التطوُّرات التكنولوجيَّة قدرتها على خفض التكاليف وتحسين كفاءة الإنتاج، وهو ما جعلها خيارًا اقتصاديًّا تنافسيًّا إلى جانب كونها خيارًا بيئيًّا.
ومع تسارع هذا التحوُّل، أصبح الاستثمار في الطَّاقة المتجدِّدة مؤشِّرًا على قدرة الاقتصادات على التكيُّف مع متغيِّرات المستقبل، وعلى مدى استعدادها لبناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة، قادرة على دعم النُّمو الاقتصادي دُونَ استنزاف الموارد أو تعريض الاقتصادات لمخاطر تقلُّبات أسواق الطَّاقة التقليديَّة. .
وتأتي تجربة سلطنة عُمان في هذا السياق العالمي لِتقدِّمَ نموذجًا عمليًّا لسياسات طاقة تستشرف المستقبل وتُعِيدُ تشكيل مزيج الطَّاقة الوطني على أُسُس أكثر تنوعًا واستدامة، حيثُ يشهد قِطاع الطَّاقة المُتجدِّدة في السَّلطنة توسُّعًا متسارعًا يعكس توجُّهًا استراتيجيًّا واضحًا نَحْوَ تعزيز أمن الطَّاقة ودعم التحوُّل الاقتصادي المرتبط برؤية «عُمان 2040». .
فالمشروعات الَّتي دخلتْ حيِّز التشغيل خلال السَّنوات الأخيرة، مِثل مشروع عبري (2) ومشروعَي منح (1) و(2) للطَّاقة الشمسيَّة، إضافةً إلى محطَّة ظفار (1) لطاقة الرياح، تُمثِّل خطوات عمليَّة في مسار بناء منظومة كهرباء أكثر تنوعًا ومرونة، وقد أسهَمتْ هذه المشروعات مُجتمعة في إضافة قدرة إنتاجيَّة تقارب (1550) ميجاواط، وهو ما رفع مساهمة مصادر الطَّاقة المُتجدِّدة في مزيج إنتاج الكهرباء إلى نَحْوِ (9) بالمئة من إجمالي الإنتاج، وهو ما يعكس انتقال الطَّاقة المُتجدِّدة في السَّلطنة من مرحلة المبادرات التجريبيَّة إلى مرحلة المشروعات الكبرى المرتبطة بالشبكة الوطنيَّة، وهو تحوُّل يُعزِّز موثوقيَّة منظومة الكهرباء ويؤسِّس لمرحلةٍ تتوسَّع فيها الاستثمارات في الطَّاقة النظيفة بوصفها أحد محرِّكات التحوُّل الاقتصادي العُماني
ولا تتوقف أهميَّة التوسُّع في مشروعات الطَّاقة المُتجدِّدة عند حدود إنتاج الكهرباء، حيثُ يتجاوز أثَرها ذلك لِيصلَ إلى إعادة تشكيل منظومة الاقتصاد الطاقي بأكملها، إذ تُشير البيانات إلى أنَّ الطَّاقة المنتَجة من المصادر المُتجدِّدة في سلطنة عُمان تجاوزتْ (4) ملايين ميجاواط ساعة خلال عام 2025، وهو تطوُّر يعكس تسارع مساهمة هذا القِطاع في منظومة الكهرباء الوطنيَّة، كما تُسهم هذه المشروعات في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء .
ووفقاً للدراسات الاقتصادية، فإن التوسُّع في الطَّاقة المُتجدِّدة في عُمان يؤدي إلى تجنُّب حرقِ ما يقارب (1.5) مليار متر مكعَّب من الغاز، وهو ما يفتح المجال لتوجيه هذا المورد إلى الصناعات التحويليَّة أو إلى التصدير بما يُعزِّز العائد الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تُحقِّق هذه المشروعات أثرًا بيئيًّا ملموسًا، حيثُ تُسهم حاليًّا في تجنُّب نَحْوِ (1.62) مليون طن مكافئ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع توقُّع ارتفاع هذا الرَّقم إلى قرابة (9) ملايين طن بحلول عام 2030 .
كما تُعزِّز هذه المشروعات القِيمة المحليَّة المضافة في الاقتصاد الوطني، إذ تراوحت نِسَبها في بعض المشروعات بَيْنَ (15) و(22) بالمئة، مع توجيه الأموال إلى الشَّركات المحليَّة والمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، وهو ما يعكس تحوُّل الطَّاقة المُتجدِّدة إلى قِطاع اقتصادي متكامل يدعم التنويع الاقتصادي في عُمان. .
ولا ريب أن هذا المسار المتصاعد في التوسُّع بمشروعات الطَّاقة المُتجدِّدة في عُمان، يعكس رؤيةً استراتيجيَّة تتجاوز حدود تطوير قِطاع الكهرباء لِتصلَ إلى إعادة صياغة موقع سلطنة عُمان في خريطة الطَّاقة العالميَّة خلال العقود المقبلة.
فالمستهدفات العُمانية الوطنيَّة برفع مساهمة الطَّاقة المُتجدِّدة في مزيج الكهرباء إلى ما بَيْنَ (30) و(40) بالمئة بحلول عام 2030، ثم إلى ما بَيْنَ (60) و(70) بالمئة بحلول عام 2040، وصولًا إلى مستويات تتراوح بَيْنَ (90) و(100) بالمئة بحلول عام 2050، تعكس إدراكًا مبكرًا للتحوُّلات العميقة الَّتي يشهدها الاقتصاد العالمي في مجال الطَّاقة .
وهنا تأتي أهمية تكاملَ مشروعات الطَّاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح مع التَّوَجُّه نَحْوَ تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر، الَّتي تمتلك سلطنة عُمان فيها مُقوِّمات تنافسيَّة مهمَّة بفضل وفرة الموارد الطبيعيَّة وموقعها الجغرافي وشبكاتها اللوجستيَّة. .
ومن هذا المُنطلَق يُمكِن النَّظر إلى التحوُّل في قِطاع الطَّاقة بوصفه استثمارًا استراتيجيًّا في مستقبل الاقتصاد العُماني، حيثُ تتحول الشمس والرياح من عناصر طبيعيَّة في البيئة العُمانيَّة إلى أُصول اقتصاديَّة قادرة على دعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز تنافسيَّة عُمان في أسواق الطَّاقة النظيفة إقليميًّا وعالميًّا. .
تكامل القطاعين الطاقة والسياحة
ولا ينقطع الحديث عن القطاعات الرافدة والرافعة للتنويع الاقتصادي العُماني، وإذا كان قطاع الطاقة المتجددة في عُمان يحتل أهمية كبيرة في ظل أوضاع الحرب في المنطقة وتأثيراتها على إرتفاع أسعارالطاقة في العالم، فإن القطاع السياحي العُماني يمثل رافداً آخر ورافعاً للتحول الاقتصادي في عُمان. .
فقد شهد القِطاع السياحي في سلطنة عُمان تحوُّلًا تجاوز حدود الأداء الموسمي لِيعكسَ مسارًا اقتصاديًّا متصاعدًا في قلب مشروع التنويع الاقتصادي؛ إذ تكشف أرقام موسم الشتاء العُماني عن نُموٍّ نوعي يُعزِّز موقع السياحة كأحد أعمدة الناتج غير النفطي، حيثُ ارتفعت إيرادات الفنادق المصنفة من ثلاث إلى خمس نجوم بنسبة (22.2) بالمئة لِتصلَ إلى نَحْوِ (297.3) مليون ريال عُماني خلال عام 2025، مع استقبال أكثر من (2.37) مليون زائر ضِمن هذه الفئة وحدها، وبلوغ إجمالي نزلاء المنشآت الفندقيَّة (4.6) مليون نزيل، وهي مؤشِّرات تعكس توسُّع قاعدة الطلب، وتحسِّن جودة العائد في آنٍ واحد .
هذا النُّمو يقاس بقِيمة النشاط الاقتصادي المتولد حَوْلَها من مطاعم ونَقْل وخدمات لوجستيَّة وفعاليَّات، ما يخلق سلسلة قيمة ممتدَّة ترفد قِطاعات متعدِّدة، وتولِّد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. في هذا السياق، لم تَعُدِ السياحة قِطاعًا خدميًّا تقليديًّا يرتبط بتقلُّبات المواسم، وإنَّما أصبحت رافعة ماليَّة قادرة على ضخِّ سيولة مستدامة في الاقتصاد، وتعزيز تدفُّقات نقديَّة مستقرَّة تدعم توازن الهيكل الاقتصادي بعيدًا عن حساسيَّة أسواق الطاقة وتقلُّباتها. .
إنَّ تنامي نِسَب الإشغال في مسقط والدقم ومسندم وصلالة، وارتفاع متوسط أسعار الغرف ومتوسِّط مدَّة الإقامة يعكس تحسنًا في جودة الطلب وليس فقط في حجمه، كما أنَّ زيادة الرحلات العارضة والربط الجوي المباشر مع عدد من الوجهات الدوليَّة أسْهَمتْ في تعزيز القدرة التنافسيَّة للسَّلطنة في سوق سياحي عالمي شديد الحساسيَّة للمواسم والتقلُّبات الاقتصاديَّة. .
فهذا التنوع في الأسواق والمنتجات ـ من سياحة الأعمال والمؤتمرات إلى السياحة الترفيهيَّة والبيئيَّة ـ يرسِّخ نموذجًا أكثر توازنًا واستدامة، ويمنح القِطاع مرونة أعلى في مواجهة أيِّ متغيرات خارجيَّة، ويؤكِّد أنَّ السياحة العُمانيَّة دخلت مرحلة إدارة احترافيَّة تعتمد التخطيط طويل الأمد، وبناء الصورة الذهنيَّة للوجهة على أُسُس تنافسيَّة واضحة.
ولعلَّ القفزة الاستثماريَّة الَّتي يشهدها القِطاع السياحي تُمثِّل الدليل الأوضح على انتقاله إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا، حيثُ ارتفع عدد المنشآت الفندقيَّة إلى (1368) منشأة خلال عام 2025 مقارنةً بـ(1022) منشأة في العام السابق، مع نُموِّ عدد الغرف إلى (38390) غرفة بنسبة (8.7) بالمئة، إلى جانب إصدار (383) موافقة مبدئيَّة لمشروعات جديدة، والعمل على (114) مشروعًا متوقعًا افتتاحها خلال عامَي 2026 و2027، وهي مؤشِّرات تعكس ثقة متزايدة في الجدوى الاقتصاديَّة للقِطاع. .
كما أنَّ تجاوز الاستثمارات في المجمَّعات السياحيَّة المتكاملة حاجز (11.5) مليار ريال عُماني يعكس رسوخ البيئة الاستثماريَّة وقدرتها على جذب رؤوس الأموال طويلة الأمد، في ظلِّ وضوح الرؤية وتكامل الأدوار بَيْنَ الجهات المعنيَّة والمستثمرين. ويُعِيدُ التوسُّع توزيع النشاط الاقتصادي على مستوى المحافظات، حيثُ تتحول الدقم ومسندم وصلالة إلى مراكز جذب سياحي واستثماري متنامٍ، بما يُعزِّز التنمية المكانيَّة، ويرفع مساهمة المحافظات في الدَّوْرة الاقتصاديَّة الوطنيَّة. .
إنَّ الاستدامة تُمثِّل البُعد الأعمق في هذا الحراك السياحي العُماني المتصاعد، إذ يكتسب القِطاع قوَّة إضافيَّة من تنامي السياحة الداخليَّة الَّتي سجلت (13.6) مليون زيارة خلال عام 2024، وهو رقم يعكس ترسُّخ الثقافة السياحيَّة لدى المُجتمع وارتفاع مستوى الإنفاق المحلِّي على المنتج الوطني، بما يوفِّر قاعدة طلب مستقرَّة تُعزِّز مرونة القِطاع أمام أيِّ متغيِّرات خارجيَّة. .
إجمالاً يمكن القول أن دور السياحة العُمانية بات يتجاوز حدود الإيرادات المباشرة لِيصبحَ أداةً لتعزيز الأنشطة البيئيَّة والبحريَّة والثقافيَّة المرتبطة بالاقتصاد، ويؤسِّس لقِطاع سياحي قادر على خلق قِيمة مضافة تمثل رافعاً للتحول الاقتصادي في عُمان. .