رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التاريخ ليس حلقات منفصلة


23-11-2025 | 19:34

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

يستند علم التاريخ إلى كثير من الأسس والقواعد.. التى تجعل المؤرخين أكثر حرصًا على الأدلة والبراهين.. لكى يسجلوا وقائع التاريخ.. بكل وثائقه ومستنداته.. فالتاريخ ليس مجرد حكايات.. نتسلى بها أو نرويها لأبنائنا قبل النوم.

وقد جاء الخطأ غير المقصود.. الذى وقع فيه الفنان ياسر جلال.. بعد تكريمه فى مهرجان وهران السينمائى بالجزائر.. عندما ذكر واقعة تاريخية.. ليس لها أى أساس من الصحة.. جاء هذا الخطأ غير المقصود.. ليدفع بالتاريخ إلى مشهد الصدارة.. كيف نتناول وقائعه وأحداثه.. وكيف نمتلك القدرة على فرز الخاطئ من الصحيح؟.. وكيف نجعل تاريخنا بشكل عام.. وتاريخنا الوطنى بشكل خاص.. فى متناول أبنائنا وشبابنا.. ليعرفوا قامة وقيمة هذا الوطن العظيم.. وليمتلكوا القدرة على تنفيذ أى دعاوى كاذبة.. تستهدف وقائع هذا التاريخ؟.. خاصة أننا نواجه عدوًا.. يسعى منذ سنوات طويلة إلى (احتلال التاريخ).. بعد أن فشل فى احتلال الأرض.

 

 

قبل أن نجيب عن تلك الأسئلة وغيرها.. نتوقف قليلًا.. أمام واقعة الفنان ياسر جلال.. والذى نحييه على امتلاكه (شجاعة الاعتذار).. حيث بادر إلى تقديم اعتذار علنى.. عندما علم بأن الواقعة التى رواها.. بعد تكريمه فى مهرجان وهران لا أساس لها من الصحة.. حيث قال إن الصاعقة الجزائرية منعت القوات الخاصة الصهيونية من النزول فى ميدان التحرير بقلب القاهرة.. خلال أحداث عدوان يونيو 1967.. وبعيدًا عن المواقف القومية المحترمة للرئيس الجزائرى الراحل هوارى بومدين.. بعد عدوان يونيو وخلال حربى الاستنزاف وأكتوبر.. بشراء كميات كبيرة من السلاح من الاتحاد السوفييتى.. دعمًا لدول المواجهة.. ومشاركة بعض القوات الجزائرية مع الجيش المصرى.. فرغم كل هذا، فإن حقائق التاريخ تؤكد أن مصر كانت العامل الأهم فى دعم الثورة الجزائرية منذ عام 1954.. وحتى استقلال الجزائر عام 1962.

ويقول الرئيس أحمد بن بيلا، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال: (لولا مصر لما كانت ثورة الجزائر.. ولولا جمال عبدالناصر لما نجحت الثورة فى الحصول على الاستقلال).. ولم تكتفِ مصر بذلك حيث ذهبت بجيشها.. لتمنع تغوّل القوات المغربية على الدولة الجزائرية الوليدة.. ومصر هى التى تحمّلت مهمة تدريب الجيش الجزائرى بعد الاستقلال.. وكان فى مقدمة الضباط المصريين المقدم أحمد رجائى عطية (اللواء بعد ذلك) وأحد رموز الصاعقة المصرية.. وأبرز الأبطال الذين عملوا مع الشهيد إبراهيم الرفاعى.. حيث ذهب على رأس مجموعة من أبطال الصاعقة المصرية.. نذكر منهم المقدم صلاح خيرى.. والصف ضابط محمد عبده موسى.. وقام عطية ورجاله بإنشاء سلاح الصاعقة الجزائرى.. وتدريب رجاله.. وحتى حدوث عدوان يونيو 1967.. لم تكن مهمة رجائى عطية قد انتهت.. وبالتالى لم يكن سلاح الصاعقة الجزائرى قد خرج للنور.

وعندما وقعت الأحداث البائسة بين مصر والجزائر.. بسبب مباراة كرة قدم.. كنت أقدم برنامج «شموس فى سماء الوطن» على قناة «دريم».. واستضفت اللواء صلاح خيرى رحمه الله.. وتحدث بكل الودّ عن الدور المصرى.. فى تدريب الجيش الجزائرى.. وخاصة قوات الصاعقة.. وكان لهذا الحوار أكبر الأثر فى تهدئة النفوس بين الشعبين.. والأهم من كل هذا أن الجيش المصرى العظيم.. رغم كبوة عدوان يونيو.. كانت له بطولات كبيرة خلال العدوان.. واستطاع أن يبدأ حرب الاستنزاف بمعركة رأس العش.. بعد عشرين يومًا فقط من وقف العدوان.

وانطلاقًا من هذا الخطأ غير المقصود.. الذى أثار كل هذه الضجة.. لأن صاحبه فنان مشهور.. ننتقل إلى قضية التاريخ.. وكيفية وضع سردية منضبطة للتاريخ الوطنى المصرى.. خاصة أننا نواجه عدوًا احترف التزييف والتزوير.. وصناعة أساطير من الأباطيل المتهافتة.. وقد أعلن هذا العدو صراحة.. أنه بصدد عمل سردية تاريخية خاصة به.. مستخدمًا آليات الذكاء الاصطناعى.. وعلينا ألا ننسى نجاح هذا العدو فى صناعة العديد من السرديات المزيفة.. أو التى تحمل الكثير من المبالغات مثلما فعل مع أسطورة أرض الميعاد.. أو أحداث الهولوكوست.. وغير ذلك من أباطيله.. التى تحولت إلى أساطير يجب عدم المساس بها مثل (معاداة السامية).. وعلينا عندما نتصدى لعمل سردية لتاريخنا الوطنى.. أن نضع أمامنا مجموعة من الضوابط والمعايير المهمة، وهى:

أولًا: التاريخ المصرى حلقات متصلة.. وليس حلقات منفصلة.. بمعنى أن مصر هى البطل الأول والأخير فى كل أحداث هذا التاريخ.. الذى يجب أن نكتبه بعيدًا عن ثقافة تشجيع كرة القدم.. بمعنى الانحياز لقائد أو حاكم على حساب قائد أو حاكم آخر.

ثانيًا: نجح بعض علمائنا فى تقديم روايات منضبطة.. عن الحقب القديمة من تاريخ مصر.. وفى مقدمتهم الدكتور سليم حسن.. الذى قدم موسوعة مصر القديمة فى ثمانية عشر مجلدًا.. وعلى ذات الدرب سار الدكتور جمال حمدان فى موسوعته «شخصية مصر».. كما قدم علماء الحملة الفرنسية كتابهم المهم وصف مصر فى عشرين مجلدًا.. وغير ذلك الكثير.. وهناك العديد من المحاولات الفردية المهمة.. لكتابة العديد من مراحل تاريخنا المعاصر والحديث.. وتحتاج هذه الحقبة تحديدًا إلى جهد بحثى كبير.. ينطلق من مؤسسات الدولة ذات الصلة بالموضوع.. ليتم تكليف مجموعة من الباحثين والمؤرخين.. كتابة أحداث ووقائع هذه الحقبة المليئة بالمنعطفات المهمة.

ثالثًا: تاريخ مصر لا يعنى فقط كتابة الأحداث.. التى وقعت داخل الحدود الجغرافية لمصر.. ولكن مصر طوال تاريخها (دولة دور).. لها بصماتها فى الدوائر التى تحيط بها (الدائرة العربية – الدائرة الإفريقية – الدائرة الإسلامية – دائرة دول عدم الانحياز – دائرة العالم كله).

ويجب ألا نتحرج من كتابة الدور المصرى.. فى الدعم والمساندة.. لكل الدول التى حظيت بدعم ومساندة مصر.. فالدور المصرى فى الوطن العربى.. أوضح من شمس أغسطس.. فى الخليج العربى.. فى المغرب العربى.. فى السودان وكل جنوب الوطن العربى.. فى الشام والعراق.. فى القضية الفلسطينية.. ورغم وضوح هذا الدور.. فإن الأجيال الجديدة فى بعض هذه الدول تحاول أن تنسى أو تتناسى الدور المصرى فى التعليم والبناء والتشييد والصحة والتمدن.. إلخ... ولذلك فإننا عندما نكتب السردية الوطنية المصرية.. علينا ألا نغفل ما كتبه وقاله قادة هذه الدول.. وكُتابها وشعراؤها وأدباؤها.. الذين تغنّوا كثيرًا وطويلًا بالعطاءات المصرية فى كل المجالات.. ونفس الأمر بالنسبة لمساندة حركات التحرر فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

رابعًا: نحن لا نكتب سرديتنا الوطنية فقط من أجل الآخرين.. ولكن الأهم هو أجيالنا الجديدة من الأطفال والشباب.. فعلينا مسئولية تعريفهم بتاريخ وطنهم العظيم.. لنزيد من انتمائهم.. ولنعمل على تقوية مناعتهم ضدّ أى فيروسات أو ميكروبات للتزييف والتحريف.. وما أكثرها الآن على السوشيال ميديا!.. ومن خلال آليات الذكاء الاصطناعى.. ونحن لن نصل إلى مثل تلك المناعة التى تحمى شبابنا.. وتمنع عنهم أدوات هدم الذاكرة الوطنية.. وتجعلهم أكثر قدرة على مقاومة كل محاولات تجريف الوعى الوطنى.. لن نصل إلى تلك المناعة إلا بتقديم هذا التاريخ الوطنى المشرف من خلال مناهج التعليم.. ومن خلال وسائل الإعلام.. ومؤسسات الثقافة والشباب.. وسوف تعمل التقنيات الحديثة على تقديم هذا التاريخ الوطنى الحديث.. بصورة أكثر جاذبية وتشويقًا للأجيال الجديدة.. تلك الأجيال التى تجد الآن مَن يرد على أى تزييف أو تزوير أو حتى خطأ غير مقصود.. ولكنها إذا ما أهملنا تقديم التاريخ الصحيح إليها.. فلن تجد فى قادم الأيام ما ترد به على المزوّرين والمزيّفين.. بمعنى أننا عندما نقدم سرديتنا المنضبطة لتاريخنا الوطنى.. لا ندافع عن الماضى أو حتى الحاضر.. ولكننا ننقذ المستقبل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة