أن تعيش مع القرآن يومًا بيوم هى نعمة تفوق الوصف، لذّة تملأ القلب سكينة وتغمر الروح بطمأنينة عميقة. ففى كل آية يتجدد الأمل، وتنبعث طاقة من النور تقود الإنسان إلى صفاء لا يعرفه إلا من ذاق حلاوة التلاوة والقرب من الله.. بهذه الكلمات يستهل محمد مصطفى أبو جبل حديثه عن رحلته مع كتاب الله.
ظهرت الشرارة الأولى لموهبة «محمد» من الإذاعة المدرسية، فبدأ المعلمون يدركون أن صوت هذا الطفل يستحق الرعاية والاهتمام، بدءًا من الإذاعة المدرسية، التى كانت أول اختبار حقيقى له أمام الجمهور، وصولًا إلى إمامة الصلاة.. يروى أن «الإذاعة كانت الشرارة الأولى، والحفلات الصغيرة فى معهدنا أول نافذة لاكتشاف موهبتي، وهناك بدأت أشعر أن صوتى يمكن أن يكون وسيلة لخدمة القرآن، ثم جاء ترتيل القرآن فى الصلاة ليكون بداية الخير كله، فشعرت وقتها أننى خُلقت لهذا الدور».
ولعل بسبب اكتشاف موهبة التلاوة منذ الصغر أنه بدأ حفظ القرآن وهو فى الثالثة من عمره، وهو سنّ يندر أن يبدأ فيه طفل رحلة الحفظ، لكنه وجد فى أسرته دعمًا كبيرًا شجّعه على هذه البداية المبكرة. ومع تردده الدائم على حلقات التحفيظ، كان شغفه يكبر يومًا بعد يوم، حتى أتم حفظ القرآن كاملًا وهو فى الثالثة عشرة.
لم تقتصر موهبة محمد على حلقات التحفيظ، فقد أتاح له الأزهر العديد من المنصات ليعبّر عن صوته، فكان من الأطفال الذين يستهلون الاحتفالات بالقرآن. كان محمد يستمع بشغف لتلاوات كبار المقرئين المصريين، فكان الشيخ محمود خليل الحصرى قدوته فى الإتقان، والشيخ محمد صديق المنشاوى مصدر إلهامه فى الخشوع وروحانية الأداء. يقول: «كنت أستمع لساعات طويلة وأكرر معهم، فتعلمت كيف أجعل قلبى حاضرًا قبل لساني».
ويؤكد أن القرآن ليس مجرد حياة تحفظ الفرد، بل هو مصدر عزة للأمة كلها: «القرآن جميل، ليس فقط لأنه حياة تحفظ الشخص من الانزلاق، بل لأنه يحفظ الأمة بأكملها ويعزّها».
من المحطات التى يعتز بها محمد مشاركته فى مشروع «المصحف المرتل لطلاب الأزهر الشريف»، وهو مشروع يهدف لتسجيل أصوات الطلاب المتميزين فى التلاوة، يصف هذه التجربة بقوله: «أنعم الله علينا بأن يقترن القرآن بأصواتنا، فالتسجيل فى مشروع المصحف المرتل كان لحظة فارقة، لأنه يمنحك شعورًا بأنك تترك أثرًا خالدًا بكلمات الله».
يفخر محمد بانتمائه إلى الأزهر الشريف، الذى يصفه بأنه بيت العلم والقرآن معًا. يقول: «من فضل الله أننا من أبناء الأزهر الذى ندرس فيه علوم الدين والدنيا، والأزهر لا يكتفى بالتعليم الأكاديمي، بل يفتح أمامنا مجالات لإظهار مواهبنا». ويستشهد بعدد من الفعاليات التى ينظمها الأزهر، مثل السرد القرآنى ومسابقة فضيلة الإمام الأكبر، مؤكدًا أن هذه الأنشطة تصقل موهبته.
ويضيف بابتسامة: «فى العام الماضى رأينا زملاءنا يؤمون المصلين فى الجامع الأزهر، وهذا شرف ليس بعده شرف، وقد شجّعنا ذلك على أن نحلم بأن نكون فى مكانهم يومًا ما».