لا شك أن قواعد الجدلية تفرض علينا وتقودنا إلى السؤال الأبرز مَن سبق الآخر فى هذه الهيمنة والهندسة العالمية الصين أم أمريكا، فمن وجهة نظرنا أن الصين تعرف قدر نفسها وركبت حصان طروادة ولن يلحق بها ترامب الذى تراجع على الحبل الدبلوماسى المشدود وقال إن الزعيم الصينى رائع.
أجبرت الظروف «ترامب» رجل الصفقات على الارتداد شرقًا فى جولة ليست بروتوكولية ذات طابع سياسى وإنما ذهب ليعيد تموضعه ومكانه على الخريطة لمفاصل النظام العالمى الجديد والأسواق الناشئة والأهم رحلة البحث عن المعادن النادرة وإلا كانت أمريكا تعانى من وقف الحال التكنولوجى.
لقد سبقت الصين أمريكا بخطوات لتقول كلمتها نحن كتلة اقتصادية مقابلة لبعضها فى تقاطع ذهبى للمصالح المشتركة وحتى تكون أمريكا عظيمة فلا مانع لدى الصين ولكن بشروط التنين الصينى الذى أتى بترامب إلى بحر الصين الجنوبى مسرح العمليات الجديدة لمرحلة من تثبيت النفوذ.
لقد وصلت الصين إلى مرحلة التعلم العميق منذ أطلقت كتابها الأبيض فى 2015 لتمكين الاقتصاد الصينى وأصبحت الرابح التكتيكى فى مسألة أيهما يسبق الآخر وتعلمت التصعيد والمواجهة والرد بالمثل وقاتلت حتى النهاية لتجر ترامب إلى بحر الصين والمياه الدافئة.
وتأتى مهارة الصين من نموذجها الاقتصادى والسياسى ونموذج جديد للسيطرة وفرض النفوذ والعلاقات فالرسوم أمام الرسوم لم تعتمد على أحد وإنما على نفسها وزادت صادراتها إلى أمريكا فى سبتمبر 8 فى المائة رغم السياسات الحمائية استخدمت الصين سياسات فى التسلح والتجارة والصناعة غير تقليدية.
وكانت المصفوفة الأبرز فى الصراع هى سلاح المعادن كسلاح ردع استراتيجى رغم كل الاتفاقيات التى عقدها ترامب مع دول شرق آسيا، إلا أن نظام المعالجة مع «التنين الصينى» فى كل الأحوال وهنا تصدرت الهيمنة الصينية وتأكد ترامب أن الصين قوة اقتصادية يجب المهادنة معها وليس التصعيد فهى تمتلك سلاح الفيتامينات الصناعية فى عصر التكنولوجيا الحديثة وهو عنصر حاسم فى كل الصناعات، خصوصًا حجم السوق العالمى أصبح 37 مليارًا وتراجعت أمريكا فيه إلى المرتبة السابعة بعد أن كانت رائدة بل اكتشفت أن 80 فى المائة من وارداتها من الصين واضطر ترامب وقتها لمضاعفة الرسوم ولكنها لم تفلح مع الصين وتأكد ترامب أنه لا يمكن إزاحة الستار عن الصين أبدًا فهى تتوالد تكنولوجيًا ومن هنا قال نقطة ومن أول السطر لا بد من التفاهم وتغيير موازين اللعبة فقالت له الصين هيا إلى كوريا الجنوبية لنتفاهم فذهب سريعًا من أجل كسر الاحتكار الصينى.
والدولار يتآكل والصين على مدى عام تكنز الذهب والإغلاق الحكومى يكلف أمريكا 15 مليار دولار خسائر أسبوعية والعالم على مفترق الطرق لم يتغير شيء.
وهنا بعثت الصين برسائل اقتصادية وسياسية لترامب، إذا كنت تريد التفاهم والاتجاه الى السلام بدلاً من الهيمنة والحمائية فلديك فرصة للتصحيح فى المياه الدافئة والالتقاء فى «بوسان» بكوريا الجنوبية.
لقد أدرك ترامب أن السياسات النقدية للصين وصناع السوق المتداولين على الشاشات نسفوا قواعد اللعبة بشراء الذهب مدعومًا بالبنوك المركزية وأصبحت الأسهم الأمريكية فى خطر وأمامه ملف من الديون الأمريكية السيادية يقصم الظهر فى هذا الصراع الصفرى يبلغ حوالى 38 تريليون دولار والهندسة المالية العالمية أصبحت فى يد التنين الصينى مصنع العالم وأنها لا تبالى برسومه الجمركية ولديها أسواق وأرقام عصفت بإنتاج الفول الصويا الأمريكى وبلغت خسائر المزارعين الأمريكان 50 مليار دولار وهى مسألة حياة أو موت لأمريكا، بالإضافة إلى أن أمريكا بدلاً أن تكسب من الرسوم الجمركية فقد خسرت كثيرًا.
ورأى العالم على شاشته رجل الصفقات يفاوض الصين فى قارتهم وكأننا فى فيلم دراما من نوع خاص وتم تخفيض الرسوم إلى 47 فى المائة لمدة عام قابل للتجديد وتم الحديث عن الرقائق الإلكترونية بشكل ودى كانت الصورة فيه أن الصين تقلل القيود على المعادن كسلاح ردع استراتيجى رغم كل ما يخص هذا الملف، وقبلت الصين صفقة تيك توك على استحياء ولكن كان هناك حالة من نزع فتيل التوترات الجيوسياسية، فاقتصاد البلدين يمثل 40.4 من الناتج المحلى العالمى والسيطرة الأساسية على سلاسل الإمداد.
ويتبقى السؤال العالق: مَن حقق أهدافه وسبق الآخر أو بمعنى أدق مَن ضغط على الآخر؟
من الواضح والجلى أمام العالم كله وعلى الملأ أن الصين قوة، وقالت لا لأمريكا.. نحن هنا قوة اقتصادية مقابلة لأمريكا وهى بداية الطريق واستطاعت بشكل أو بآخر أن تضغط على أمريكا فى مسألة المنتجات الزراعية والمعادن.
لقد أدرك رئيس كوكب الأرض الأمريكى أن الصين قوة وكتلة اقتصادية لا تلين وأنها ليست كبقية الدول التى هرولت إلى ساكن البيت الأبيض أو كمن باعوا أنفسهم إلى أمريكا وقبلوا صفقات لن يستطيعوا تنفيذها.
لقد عبر الرئيس الصينى أن المسئولية مشتركة ولا مانع أن تكون أمريكا عظيمة ولكن ليس على حساب الصين فهى قوة لا يستهان بها أبدًا وجعبتها مملوءة مفاجآت لأمريكا والعالم أجمع.
لقد أدرك ترامب أن الصين لها طموح يجتاح العالم كله من الإبرة للصاروخ وأنه كما قلت لن يلحق بها وأنها بالفعل ركبت حصان طروادة ولن يلحق بها ترامب أو غيره.
فلديهم يقين صنع فى الصين وصل حتى الكاب الذى يرتديه ترامب نفسه وأصبحت بلدًا يبنى نفسه ويصل أن تكون مصنع العالم الحديث، بل عرف ترامب جيدًا كيف حولت الصين جملة صنع فى الصين إلى دليل حى ودافع قوى على عظمة وهيمنة هذا البلد وقوة تأثيره على دول العالم، فقد فتحت الأبواب المغلقة على مصراعيها وقررت مبكرًا الازدهار بالاقتصاد الرقمى واستهدفت الصناعة الأوروبية التى وصلت لآخر خط النهاية، فرضت واقعًا جديدًا بأسواق جديدة ولم تتصدع داخليًا وبدأت خطة استثمارات ممنهجة لم تصب بنزيف الاستثمارات وبدأت رحلة مع النمو الاقتصادى بنموذج دفاعى اقتصادى لا يتفكك اهتمت بالطاقة المتجددة لغة العصر ووفرت بنية تحتية متطورة وطاقة استيعابية لا تملكها أمريكا بل تقدمت فى صناعة الطاقة النووية وسبقت أمريكا بعقود لم تنهر تحت أسعار الطاقة التقليدية رغم أنها دولة مستوردة وإنما تصدر منتجات بترولية للاتحاد الأوروبى امتلكت أدواتها وفعلت خطها الاستراتيجى على الخريطة العالمية وهو الحزام والطريق، بينما أمريكا تبحث عن الطريق فى القوقاز وغيرها وتفتعل الحروب ثم تجرى لحلها مع هشاشة الوضع الجيوسياسى.