رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الفاشـــر».. بأى ذنب قتلوا


20-11-2025 | 18:35

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

لم يكن يتصور أكثر المتشائمين حول مستقبل السودان أن تتطور الأحداث إلى هذا الحد من الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد؛ لتصل إلى ما تصنفه المؤسسات الدولية جرائم حرب ترتكبها ميلشيا الدعم السريع فى حق الشعب السودانى فى مناطق عديدة أبرزها قرى ومدن دارفور، فمنذ اندلعت الحرب فى يوم 15 أبريل 2023،  فى السودان بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع  تحولت سريعا إلى واحدة من أكثر الصراعات دموية فى تاريخ البلاد، حيث  شهدت العاصمة الخرطوم وولايات دارفور وكردفان والجزيرة ومناطق أخرى اشتباكات عنيفة استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، مما أدى إلى توقف الخدمات الأساسية على نطاق واسع.

 

وعلى مدار العامين الماضيين ارتكبت ميليشيا الدعم السريع  مجازر جماعية وانتهاكات واسعة استهدفت مدنيين فى مدن عديدة أبرزها فى إقليم دارفور  وثقت منها منظمات محلية ودولية عشرات الحوادث التى شملت القتل خارج نطاق القانون والاغتىصاب والنهب والتطهير العرقى فى بعض المناطق.

وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن الحرب أودت بحياة أكثر من 20 ألف شخص، وتسببت فى نزوح ما يزيد على 15 مليون مدنى داخل السودان وخارجه، مما جعلها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية فى العالم.

مجزرة الفاشر

المجزرة الأبشع جاءت بعد حصار خانق استمر أكثر من 500 يوم، حيث أعلنت ميليشيا الدعم السريع فى 26 أكتوبر 2025 الماضى سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد معارك مع الجيش السوداني، وانسحاب الجيش من مقر الفرقة السادسة مشاة، تبع ذلك ارتكاب الدعم السريع مجزرة فى المدينة، قتل فيها أكثر من ألفى شخص، منهم 460 مريضا وأشخاص يرافقونهم فى المستشفى السعودى للولادة فى الفاشر، فى حين أجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار وهم فى حالة من الرعب، بحسب تقارير دولية، حيث أثارت المجزرة غضبا دوليا تسبب فى إدانات عربية ودولية واسعة، حيث أدان أعضاء مجلس الأمن الدولى فى جلسة خاصة بالقضية السودانية،  الفظائع المبلغ عنها التى ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع ضد المدنيين فى الفاشر، بما فيها الإعدام والاعتقالات التعسفية، معربين عن قلقهم إزاء تزايد خطر وقوع فظائع واسعة النطاق، خاصة ذات الدوافع العرقية.

كما قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فى 14 نوفمبر الجاري، تبنى قرار يأمر بعثة تقصى الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالسودان بالتحقيق بشكل عاجل فى انتهاكات القانون الدولى التى ارتكبتها جميع الأطراف فى المدينة، وحضها على تحديد المشتبه بهم فى ارتكابها فى مسعى لضمان محاسبتهم.

من جانبها أكدت شبكة أطباء السودان، أن الجريمة التى وقعت فى مدينة الفاشر، حيث جمعت ميليشيا الدعم السريع مئات الجثث من شوارع وأحياء المدينة، دفنت بعضًا منها فى مقابر جماعية وأحرقت أخرى بالكامل، فى محاولة لإخفاء آثار الانتهاكات ضد المدنيين.

لم تكن الفاشر المجزرة الأولى لميليشيا الدعم السريع لكن سبقتها مجازر أخرى أبرزها التى  ارتكبت فى أغسطس 2024، من قبل ميليشيا الدعم السريع حين أقدمت على ارتكاب ما وصف بمجزرة دامية فى قرية «جلنقي» بولاية سنار، أسفرت عن مقتل 108 أشخاص وإصابة العشرات، بعد محاولة ثلاث عربات للدعم السريع اقتياد فتيات من القرية بالقوة وأخذهن معهم تحت التهديد بالسلاح، الأمر الذى قابله سكان المنطقة بالمقاومة الشرسة، فحدثت اشتباكات قاتل فيها أبناء القرية بالعصي، وأجبروا القوة على الانسحاب، قبل أن تعاود ميليشيا الدعم السريع الهجوم انتقاما، فأطلقت النار داخل القرية التى يسكنها الآلاف واقتحمت المنازل، فقتل العشرات ونزح نحو 90 فى المائة من الأهالى إلى مدينة الدمازين وضواحى ولاية النيل الأزرق.

وفى يونيو 2024، فرضت ميليشيا الدعم السريع حصارا محكما على قرية ود النورة بولاية الجزيرة مع إطلاق وابل من الذخائر فى محاولة لاقتحام البلدة، وفى السادس من يونيو 2024، شنت هجوما على القرية بـ35 عربة قتالية، وأطلق الجنود النيران عشوائيا على الأهالى الذين خرجوا لمعرفة ما يحدث، فأدى ذلك إلى سقوط 227 شخصا، بينما بلغ عدد الجرحى 300، فى حين نزح 90 فى المائة من السكان إلى القرى المجاورة.

كما شهدت مدينة أم كدادة بولاية شمال دارفور موجة عنف دامية فى أبريل 2025 أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 56 مدنيا فى يومين، بعد هجمات نُسبت إلى ميليشيا الدعم السريع، وذكرت  تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، أن الهجمات جاءت بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة، متهمة إياها بتنفيذ عمليات تصفية ضد السكان «على أساس عرقي»، وأضافت التنسيقية أن الدعم السريع ارتكب انتهاكات جسيمة فى حق المدنيين، شملت التهجير القسرى للسكان وتعطيل شبكات الاتصال بالكامل، فى ظل غياب أى حماية أو تدخل من الجهات المعنية.

مجزرة قرية الزعفة

كما ارتكبت ميليشيا الدعم السريع فى أبريل 2025 مجزرة مروعة فى قرية الزعفة بولاية غرب كردفان، راح ضحيتها 74 مدنيا، منهم 12 طفلا و9 نساء، وإصابة ما لا يقل عن 178 بحسب شبكة أطباء السودان.

وتعليقا على هذه الأحداث الدامية أكد الدكتور عبدالسلام سيد أحمد، رئيس المرصد السودانى لحقوق الإنسان، أن «ميليشيا الدعم السريع المتمردة مستمرة فى ارتكاب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان فى ولايات شمال وغرب كردفان»، مشددًا على أن هذه الجرائم يجب أن تصنف كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مكتملة الأركان.

«د. سيد»، أضاف  أن «الميليشيا نفذت خلال الأيام القليلة الماضية هجمات واسعة النطاق فى مناطق متعددة، منها بابنوسة التى هاجمتها الفرقة 22، حيث تصدت لها القوات المسلحة وكبّدتها خسائر كبيرة فى الأرواح والعتاد، لكنها بعد ذلك ارتكبت مجازر بحق المدنيين العزل شملت قتل النساء والأطفال وأسر الأبرياء، لمجرد أنهم ظلوا صامدين فى مدينتهم»، مشيرا  إلى أحداث مدينة بارة التى احتلتها المليشيا قبل أيام من الفاشر، حيث إن المليشيا ارتكبت هناك جرائم مروعة فى مناطق مثل غراء ومسيالة وكريدم والمزروب، بما فى ذلك قتل ناظر قبيلة المجانين بطائرة مسيرة بعد أن استدرجته للاجتماع حول حل المشكلة، فى خيانة واضحة, والمليشيا لم تكتفِ بقتل الناظر وموكبه، بل نفذت جرائم مروعة فى محيط مدينة بارة، ما دفع نحو خمسمائة ألف مواطن للنزوح إلى مدن الأبيض والمروابة والرهد وأمدرمان والخرطوم، فى ظروف بالغة الصعوبة.

كما أوضح أن ما تقوم به المليشيا يعتبر وصمة عار على جبين العدالة الدولية، متسائلاً عن موقف المجتمع الدولى والمنظمات الإقليمية والدولية، وداعيًا إلى فرض عقوبات صارمة على المليشيا المتمردة، بل وتحريك القوات الدولية لمواجهتها إن لزم الأمر، ومؤكدًا أن استمرار الصمت الدولى يساهم فى تمادى المليشيا فى جرائمها. وأضاف أن رفض القوات المسلحة السودانية للهدنة المقترحة من قبل المليشيا كان قرارًا استراتيجيًا لحماية المدنيين من المزيد من القتل والتشريد، محذرًا من أن المليشيا كانت تعتزم استغلال الهدنة لترتيب صفوفها والتقدم نحو مدن جديدة مثل الأبيض وقيرها، ومؤكدا  أن الرسالة واضحة: لا مكان للخونة والمرتزقة فى السودان، ويجب حسم المليشيا حتى آخر متمرد للحفاظ على وحدة وسيادة البلاد.

وقال الدكتور رمضان قرنى، المتخصص فى الشأن الإفريقى: هناك توافق محلى ودولى كبير، من خلال  التصريحات والتعليقات الرسمية الأيام الماضية، على توجيه إدانات قوية لجرائم الدعم السريع فى ولاية الجزيرة بشرق السودان، وتبدو أبرز تلك الإدانات فى التقرير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصى الحقائق بشأن السودان، والتى وثقت على نطاق واسع جرائم العنف الجنسى وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان، من أبرزها أن ميليشيا الدعم السريع  مسئولة عن ارتكاب عنف جنسى على نطاق واسع أثناء تقدّمها فى المناطق التى تسيطر عليها، بما فى ذلك الاغتصاب الجماعى، وخطف واحتجاز ضحايا فى ظروف ترقى إلى مستوى الاستعباد الجنسى.

«قرنى»، أشار إلى أن معظم حالات الاغتصاب والعنف الجنسى ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع، بالتحديد فى ولايات الخرطوم الكبرى ودارفور والجزيرة، جزء من نمط يهدف إلى إرهاب ومعاقبة مدنيين بسبب صلاتهم المفترضة مع القوات المسلحة، وإلى قمع أى معارضة لتقدّمها.

ورجح أن تدفع هذه الإدانات الدولية، فى اتجاه السعى لحشد تشكيل  قوة إفريقية أو أممية لحماية المدنيين بالسودان، بالرغم من اعتراف الأمم المتحدة بصعوبة تشكيل قوة إفريقية فى الوقت الراهن، متوقعا أن تسهم تلك الجرائم فى تفنيد خطاب الدعم السريع بشأن السعى لحماية الديمقراطية، فى ضوء كثافة انتقادات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى السودانية لتلك الجرائم، ودخول مؤسسات دينية على خط الأزمة بصدور فتاوى تصل إلى حد تكفير الدعم السريع، كما يرجح أن تبعث هذه الجرائم لتحريك المجتمع الدولى للبحث عن صيغ جديدة لتوسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وأضاف أن ميليشيا الدعم السريع تستغل تمركزاتها داخل المدن، وداخل الأماكن السكنية وهذا يصعب مهمة الجيش السودانى، مشيرا إلى أن  استهداف القوات المسلحة السودانية للدعم السريع سيؤدى إلى استهداف المدنيين أو ممتلكاتهم من منشآت ومنازل وبالتالي، فإن ميليشيا الدعم السريع تستغل التمركزات داخل المدن لأنه يحقق لهم شيئا من الحماية.

من جانبه وصف الناشط الحقوقى هيثم محمود، الأوضاع فى مدينة الفاشر بأنها تمثل كارثة إنسانية مكتملة الأركان، مشيرًا إلى أنها كانت متوقعة منذ فترة طويلة فى ظل تجاهل الأطراف المتحاربة لقرارات المجتمع الدولى.

وأشار إلى وجود فيديوهات توثق هذه الانتهاكات، وتظهر أفعالا ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مضيفا أن «إطلاق النار على المدنيين العزل يتم بصورة تنمّ عن التشفى والانتقام، كما أن استهداف المرافق الصحية وتجويع المدينة يمثلان جريمة مكتملة الأركان بموجب القانون الدولى، إذ اضطر السكان إلى البحث عن علف الحيوانات كمصدر للغذاء، الذى لم يعد متوفرًا، وما يحدث هو موت معلن ومعروف مسبقا، ورغم ذلك العالم ظل يتفرج على الكارثة وهى تحدث، داعيا مجلس الأمن والمجتمع الدولى والمجموعة الرباعية إلى تحرك صارم وفورى لمنع المزيد من الانتهاكات، محذرا من تكرار جرائم الإبادة الجماعية التى شهدها إقليم دارفور سابقًا، موضحا أن الآلاف من السكان باتوا تحت الخطر المباشر، وأن التجارب السابقة تشير إلى أن سيطرة ميليشيا الدعم السريع على أى منطقة عادةً ما تتبع بـجرائم حرب وانتهاكات ممنهجة للقانون الإنسانى والدولى.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة