فى ظل التحولات المتسارعة بحركة التجارة العالمية، وتنامى أهمية سلاسل الإمداد، تسعى مصر إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستى عالمى بحلول عام 2030، مستفيدة من جغرافيتها الفريدة التى تربط ثلاث قارات ويمر عبرها أحد أهم شرايين الملاحة الدولية، وهى قناة السويس. وتعتمد هذه الرؤية على بناء شبكة متكاملة من الموانئ البحرية الحديثة، والطرق والسكك الحديدية، إلى جانب خطوط البترول والغاز، فضلًا عن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التى أصبحت منصة جاذبة للاستثمارات العالمية.
فى هذا السياق، قال اللواء بحرى محفوظ مرزوق، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر الأسبق، إن القاهرة وضعت رؤية استراتيجية متكاملة ضمن «رؤية 2030»، كان من أبرز محاورها تحويل مصر إلى مركز لوجستى إقليمى يخدم حركة التجارة العالمية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يستند إلى تنفيذ مشروعات بنية أساسية ضخمة، خاصة فى قطاع الموانئ البحرية، باعتبارها الركيزة الأساسية للنقل والتجارة الدولية، وشرح أن المركز اللوجستى الإقليمى يُقصد به منطقة جغرافية مجهزة ومطورة لتكون منصة متكاملة لاستقبال وإدارة وتوزيع ونقل وتخزين البضائع والخدمات على مستوى الإقليم المحيط، بحيث تتيح ربط عدة أسواق إقليمية ودولية ببعضها البعض، مع تحقيق التكامل مع مختلف وسائل النقل البرى والبحرى والجوى والنهرى، بما يسهم فى تسهيل حركة النقل والتجارة، وتقديم كافة الخدمات اللوجستية الحديثة وفق المعايير العالمية.
وأضاف «مرزوق» رئيس الهيئة الأسبق، أن التحول إلى مركز لوجستى إقليمى متكامل يتطلب مقومات أساسية متشابكة، تبدأ بوجود موانئ بحرية وجوية حديثة قادرة على استقبال الأجيال الجديدة من السفن العملاقة ذات الأعماق الكبيرة، مرورًا بتهيئة مناطق واسعة للتخزين والتوزيع والمخازن، إلى جانب مناطق جمركية وأخرى حرة مؤهلة لتسهيل حركة التجارة.
وواصل اللواء محفوظ، قائلًا إن تحويل مصر إلى مركز لوجستى إقليمى، يحقق عوائد اقتصادية واستراتيجية هائلة، مستفيدًا من الموقع العبقرى للدولة، مشيرًا إلى أن المشروع لا يقتصر على تعظيم العائد المادى من الموقع والقناة، بل يسهم أيضًا فى رفع كفاءة إدارة سلاسل الإمداد، عبر تقليل تكاليف النقل والتخزين والتوزيع، بما ينعكس إيجابًا على الصادرات والواردات وتجارة الترانزيت.
كما يفتح الباب أمام جذب استثمارات أجنبية متنوعة، من شركات متخصصة فى التعبئة والتخزين والنقل، إلى أخرى صناعية تسعى لإنشاء مصانعها فى المناطق اللوجستية والصناعية الجديدة، وهو ما يوفر موارد إضافية من خلال الضرائب والرسوم بالعملة الصعبة التى تدفعها السفن العابرة.
وأوضح أن الدولة المصرية أولت مشروعات البنية التحتية أولوية غير مسبوقة خلال العقد الأخير، حيث أنفقت ما يقرب من تريليونى جنيه فى الفترة من 2014 إلى العام 2024، على تطوير شبكات النقل بمختلف أنواعه، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات الضخمة انعكست على تطوير الموانئ البحرية والبرية، وإنشاء مراكز لوجستية متكاملة، فضلًا عن تحديث شبكات الطرق والنقل النهرى والسكك الحديدية.
وتابع اللواء محفوظ مرزوق، أن القاهرة عملت خلال السنوات الأخيرة على إنشاء موانئ جديدة من الغرب إلى الشرق لتواكب خطط التنمية الشاملة، وضرب مثالًا بميناء جرجوب فى أقصى الغرب، الذى جاء إنشاؤه استجابة للتوسع العمرانى والصناعى والزراعى الكبير فى تلك المنطقة، فهناك مشروعات زراعية عملاقة، ومنطقة صناعية جديدة، ومدن عمرانية حديثة تحتاج إلى منفذ بحرى قريب يخدمها.
واستكمل أن ميناء الدخيلة شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة تطويرية كبيرة، حيث تمت إضافة مشروعات نوعية لزيادة طاقته الاستيعابية وتعزيز قدرته على استقبال الأجيال الجديدة من السفن، حيث جار العمل الآن على إنشاء رصيف رقم 100، الذى يعد من أهم المشروعات الجارية بالميناء، بالإضافة إلى إنشاء أرصفة جديدة وتوسعة المساحات التشغيلية، بما يسهم فى رفع كفاءة الميناء وزيادة قدرته على مناولة البضائع والحاويات، ليصبح أحد أهم الموانئ المحورية فى البحر المتوسط.
ونوه اللواء مرزوق، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت نقلة نوعية فى تطوير عدد من الموانئ المصرية، حيث تم تنفيذ أعمال توسعة وتحديث شاملة فى ميناء دمياط، شملت تعميق الممرات الملاحية وتطوير الأرصفة والبنية التحتية، بما يعزز قدرته التنافسية، كما شهد ميناء شرق بورسعيد تطويرًا كبيرًا تمثل فى إنشاء أرصفة حديثة وزيادة المساحات اللوجستية، بينما شهد ميناء العريش طفرة مهمة برفع طاقته الإنتاجية والتشغيلية، لافتًا إلى أن ميناء سفاجا يشهد حاليًا تنفيذ ثلاثة أرصفة جديدة تمثل إضافة مهمة لطاقته الاستيعابية وقدرته على خدمة حركة التجارة والنقل البحرى عبر البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن هذه التوسعات تأتى ضمن خطة شاملة لتعزيز مكانة الميناء كمحور لوجستى، موضحًا أنه بالتوازى مع ذلك، تم إنشاء ميناء جديد فى أقصى الجنوب وهو ميناء برنيس، الذى يعد إضافة استراتيجية لشبكة الموانئ المحلية.
وفى نفس الإطار، قال إن ميناء السخنة يُعد من أهم الموانئ الاستراتيجية لمصر، كونه يمثل البوابة الرئيسية لارتباطها بالأسواق الآسيوية، التى تأتى منها نسبة كبيرة من واردات وصادرات البلاد، خاصة من الصين وكوريا الجنوبية، فضلًا عن كونه أقرب ميناء للقاهرة الكبرى، وما يحيط بها من مدن صناعية مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، التى تضم أكثر من 20 فى المائة من السكان وأقوى قوة شرائية فى البلاد، ما يجعله الميناء الأكثر ارتباطًا بحجم التجارة داخليًا.
وأضاف أن هناك أيضًا مجموعة من الموانئ المتخصصة التى تلعب أدوارًا محورية فى خدمة قطاعات محددة، مثل الموانئ المخصصة للبترول والغاز، إلى جانب المتخصصة فى تداول الحبوب والسلع الإستراتيجية، وهو ما يعكس التنوع والمرونة فى البنية التحتية للموانئ المصرية، ويؤهلها لتكون منصة لوجستية متكاملة قادرة على استيعاب مختلف أنواع البضائع والأنشطة البحرية.
واستكمل خبير النقل البحرى الحديث، قائلًا إن التطوير الكبير الذى شهدته الموانئ المصرية خلال العقد الأخير كان أحد الدوافع الرئيسية وراء اتجاه وزارة النقل لتنفيذ خطة الربط الشبكى عبر شبكة الطرق القومية والمحاور الجديدة التى أُقيمت خلال العقد الماضى.